في ليبيا... الديبلوماسية تمرّ أحياناً من باب الجنس والبلطجة

الثلاثاء 21 سبتمبر 202105:24 م

من يتولى منصباً رسمياً في ليبيا، يصعب عليه فراقه. تلك مزحة مأسوية يجسدها صراع مشتعل على منصب مندوب ليبيا الدائم لدى الجامعة العربية، انتقل من صفحات السياسة إلى صفحات الحوادث وربما إلى صفحات اللامعقول تحت بند صدق أو تصدق.

معركة مفتوحة

القصة تتعلق بصالح عبد الواحد الشماخي مندوب ليبيا الدائم لدى الجامعة العربية، الذي يخوض معركة مفتوحة للحفاظ على منصب أقيل منه، ويرفض الاعتراف بسلطة وزارة الخارجية الليبية، مستعيناً في ذلك بعلاقته بالمجلس الرئاسي الذي يترأسه محمد المنفي، وبمجموعة من الأتباع المناصرين الذين سيطروا على مقر المندوبية في مشهد سينمائي غير معتاد.

قبل عدة ساعات، أقدم بطلجية تابعون للشماخي بناءً على تعليمات منه على احتلال مقر مندوبية ليبيا لدى الجامعة العربية، الكائن في 18 شارع السلولي، ميدان المساحة بضاحية الدقي في القاهرة.

وسارعت إيمان الفيتوري، نائبة مندوب ليبيا لدى الجامعة، إلى توجيه رسالة رسمية إلى وزارة الخارجية المصرية تطلب فيها التدخل لاستعادة المقر، الذي أوضحت أنه "تعرض لهجوم وتكسير أبواب من قبل مجموعة من البلطجية يقودهم الشماخي".

وطبقاً لروايتها التي تضمنها بيان رسمي واتصال أجرته مع مدير أمن الجيزة، فقد سيطر هؤلاء على مقر المندوبية وقاموا بتغيير الأقفال الخاصة بأبوابه، ومنعوا دخول الموظفين لأداء عملهم بعد شتمهم والتهجم عليهم.

 في رسالتها إلى السفير نبيل حبشي، مساعد وزير الخارجية المصري للمراسم، أملت الفيتوري أن تتخذ الخارجية الإجراءات اللازمة لتمكينها وموظفي المندوبية من أداء عملهم في ظروف آمنة.

من يتولى منصباً رسمياً في ليبيا، يصعب عليه فراقه. تلك مزحة مأسوية يجسدها صراع مشتعل على منصب مندوب ليبيا الدائم لدى الجامعة العربية، انتقل من صفحات السياسة إلى صفحات الحوادث

مكتب إسبانيا

تحتفظ الجامعة العربية بعدة مكاتب في الخارج منذ عقود، من بينها بعثات في عواصم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولى ومقارّ المنظمات الدولية والإقليمية وسط مبالغة في عدد موظفي البعثات والمكاتب.

لكن مكتب الجامعة في إسبانيا كان محل نظر ضمن مكاتبها الأخرى في كينيا وألمانيا والهند وإيطاليا، في محاولة لحسم استمرار هذه المكاتب من عدمه.

وكانت اللجنة المستقلة لإصلاح وتطوير الجامعة العربية برئاسة الأخضر الإبراهيمي قد أوصت مطلع عام 2013، بإعادة النظر فى الهيكل الإداري والوظيفي لبعثاتها بالخارج وتقليص عددها، وسط تساؤلات عن جدوى الاحتفاظ بها.

في أغسطس/ آب عام 2019، أوقف ديوان المحاسبة الشماخي عن العمل، لارتكابه ما وصفه الديوان بمخالفات جسيمة، في إشارة ضمنية إلى فضيحة نسائية تورط فيها

معركة الصلاحيات

الأمر هنا مرتبط بمعركة علنية بين وزارة الخارجية بحكومة الوحدة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنقوش حول مدى أحقية ترشيح الشماخي لمنصب رئيس بعثة الجامعة في مدريد.

يجادل الطرفان بأحقية كل منهما في اختيار سفراء ليبيا في الخارج، وسط جدل قانوني استغله بعض السفراء السابقين الذين لعبوا على حبل التناقضات.

وبينما يقول المجلس الرئاسي إنه هو المخول وحده بالأمر وفقاً لاتفاق جنيف 2020 الذي أتى به إلى السلطة، تستند وزارة الخارجية إلى نص في الاتفاق يمنحها حق الترشيح.

 نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة، أبلغت رسمياً أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية في رسالة، بسحب الترشيح، وقالت إن الشماخي الذي تمت إقالته من منصبه لم يعُد يمثل ليبيا.

الشماخي طالب المجلس الرئاسي بالتدخل، معتبراً أن ليبيا خسرت منصباً قيادياً بالجامعة العربية، بعد أن ادعى أن أبو الغيط اختاره هو تحديداً لتولي منصب رئيس بعثة الجامعة العربية في إسبانيا، كما دعا إلى انصافه ورد اعتباره.

وسعى الشماخي أيضاً إلى استغلال علاقته مع بعض أعضاء المجلس الرئاسي، وتحديداً موسى الكوني النائب المنفي الذي جادل في رسالة إلى أبو الغيط بأن صديقه الشماخي مؤهل لرئاسة بعثة الجامعة العربية في إسبانيا، نظراً لما وصفه بمشواره الدبلوماسي وما يمتلكه من قدرات وخبرات.

 الكوني لم يتوقف عند حد الرسالة، بل عززها باتصال هاتفي مع أبو الغيط لطلب تأييده لكي ينال الشماخي منصبه الجديد.

في المقابل واصلت المنقوش محاولتها لقطع الطريق على مساعي المجلس الرئاسي لإلغاء اعتراضها على ترشيح الشماخي، وقالت في بيان إنه تجاوز المدة المحددة له بفترة طويلة وفق القوانين المعمول بها في ليبيا وفي كل دول العالم.

وكشفت النقاب عن أن الشماخي الذي رفض التسليم والعودة إلى عمله السابق في ليبيا، صدر بحقه قرار إقالة اعتبارية نهاية يونيو/ حزيران الماضي، وأنه لم يعد يمثل الدولة الليبية  لدى الجامعة العربية حتى يتم تكليفه برئاسة بعثتها في مدريد.

في المقابل، جادل المجلس الرئاسي بأنه صاحب الاختصاص في تعيين وإقالة رؤساء البعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج، وقال إن الطريقة التي اتبعتها المنقوش مؤخراً تجاه هؤلاء تعد في نظر الدول المعتمدين لديها، إجراءً أحادي الجانب ومستفزاً.

بداية الفضيحة

في أغسطس/ آب عام 2019، أوقف ديوان المحاسبة الشماخي عن العمل الذي تولاه منذ سبتمبر/ أيلول عام 2017 بقرار من حكومة الوفاق السابقة، المنتهية صلاحيتها برئاسة فائز السراج، لارتكابه ما وصفه الديوان بمخالفات جسيمة، في إشارة ضمنية إلى فضيحة نسائية تورط فيها.

وأصدر رئيس الديوان عمر عبدربه صالح قراراً بإيقاف الشماخي احتياطياً عن العمل لأسباب تتعلق بمقتضيات المصلحة العامة.

كان الشماخي في يوليو/ تموز عام 2019 بطلاً لفضيحة جنسية تمثلت في تسريب تسجيل بالصوت والصورة، تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، يتضمن حواراً مبتذلاً بينه وبين إحدى العاملات معه.

حوار مبتذل

في الحوار الذي لا يتوانى فيه الشماخي عن دعوة التي تتحدث اليه هاتفياً إلى الارتماء في أحضانه، سيؤكد سيطرته على مقر عمله، ويطمئنها بأن لقاءهما الجنسي إن حدث لن يثير الريبة ولن يشعر به أحد. ويقول بوضوح أن لا أحد يستطيع الدخول إلى مكتبه متى أغلق بابه، نافياً وجود كاميرات مراقبة في المكان. يبدي الشماخي إعجابه بجسد الموظفة "الصدر والمؤخرة" ويبلغها ثقته أنها ماهرة في الفراش!

من جانبها، اتهمت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الشماخي بارتكاب أفعال تنتهك واجبات العمل الدبلوماسي وتُخالف الأخلاقيات والآداب العامة وتسيء لسمعة الدولة الليبية، ورأت أن استمراره في عمله دون عقاب يُعتبر دليلاً على الفوضى وغياب آليات مُحاسبة الدبلوماسيين والحرص على المصلحة العامة.

ووسط الجدل حول الصلاحيات بين المجلس الرئاسي ووزارة الخارجية، وعجز الأخيرة على فرض موقفها على حكومة الوحدة، يظل الشماخي باحثاً عن العودة إلى منصب تولاه في ظروف غامضة، على الرغم من كونه بطلاً لفضيحة جنسية.

لكن ربما تمر الديبلوماسية عبر بوابة الجنس، ما لم يكن للسلطات الحاكمة أي نفوذ لمنع المزيد من الفضائح في جهازها الديبلوماسي وواجهة البلاد في العلاقات مع الخارج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard