كيف تحوّلت بعض أماكن السهر في بيروت إلى "مساحات آمنة" لمجتمع الميم-عين؟

الجمعة 8 أكتوبر 202104:12 م

تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "رصيف بالألوان"، وهي مساحة مخصّصة لناشطين وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمين لهم/نّ، للتحدّث بحرية ودون أي قيود عن مختلف التوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، للمساهمة في نشر الوعي العلمي والثقافي بقضايا النوع الاجتماعي، بمقاربات مبتكرة وشاملة في آن معاً.

أنا شابة أبلغ من العمر 25 عاماً، لم أطرد يوماً من حانة أو مقهى في بيروت، حتى ولو خرجت في موعد غرامي مع فتاة، مع العلم بأنني لو ولدت قبل سنوات قليلة، كنت سأحرم من هذا الحق.

في الحقيقة، أشعر غالباً بالأمان في معظم أماكن التسكّع والسهر في بيروت، نحن هنا لدينا مجتمع دراغ، حفلات كوير وحتى حانات معروفة بأنها آمنة لمجتمع الميم-عين، كما يمكن أن نرى علم قوس قزح مرفوعاً في مقهى أو "بوستر" لحفلة "دراغ"، لكن بالنسبة لأصدقائي وصديقاتي الذين يكبروني في السنّ، فهذا الأمر لم يكن موجوداً من قبل.

بالطبع، ما زال مجتمع الميم-عين يواجه التمييز والاضطهاد، سواء قانونياً أو اجتماعياً، لكن اليوم بتنا نصادف في بيروت العديد من أماكن السهر التي تستقبلنا كما نحن، وبخلاف ما كان يحصل في الماضي، فإن معظم أماكن التسكع في بيروت باتت تحتضن الجميع دون استثناء.

ماذا واجه جيل الثمانينات قبل كل هذا؟

باتت معظم المقاهي والملاهي الليلية والحانات في بيروت تشرّع أبوابها للجميع، بمعزل عن جنس الأفراد وميولهم الجنسية وهوياتهم الجندرية.

هذا القبول والتقبّل جاء بعد جهد كبير ومعركة طويلة خاضها الجيل السابق بشراسة، فالحياة هنا كانت مختلفة تماماً بالنسبة لأفراد مجتمع الكوير.

التقبل ليس "رفاهية"، لكنه حق، ومع هذا هناك شعور غريب بالنصر في خضم جميع القصص التي سمعناها من قبل وما زلنا نسمعها حتى اليوم، عن الظلم الذي يتعرّض له أفراد مجتمع الميم-عين، سواء كان ذلك في بيروت أو في عواصم أخرى من العالم العربي

ففي السابق، كان البعض يكنّ كراهية غير مبررة تجاه أفراد مجتمع الميم-عين، بحيث كان يمنع المرء من دخول مطعم معيّن إن كان لا يشبه المعايير التي يضعها المجتمع الغيري، وكانت عناصر المخابرات تجول حول بعض الأماكن "المشبوهة" (طبعاً بنظر السلطات).

تعليقاً على هذه النقطة، قالت ساندي ليان لرصيف22: "كانت سيارات المخابرات تنتظر خارج الأماكن المعروف أنّها تستقبل أفراداً من مجتمع الميم- عين".

وأضافت ليان: "كانت هذه الأماكن معدودة جداً. لم تكن هناك مساحات آمنة للمثليين\المثليات. لطالما تم منعنا من دخول أي مكان إن كنّا لا نتّبع معايير محددة، ولهذا كان لدينا حوالي 3 أماكن تستقبلنا، وكان الباقي ينتظر منّا كفتيات ارتداء كعب عال وملابس سهرة، وإن كنت كفتاة لا تبدين 'غيرية'، سيتم طردك".

وكشفت ساندي أنّ الخروج من هذه المطاعم والحانات، بالأخص في ساعات متأخرة من الليل، لم تكن مسألة سهلة: "قد يلقى القبض علينا ونتعرض للاغتصاب أو قد نتعرض للفحوص الشرجية".

وتابعت بالقول: "عندما نخرج، كنّا نعلم أنّ هناك سيارات مخابرات تراقبنا وقد نتعرض لمواقف خطيرة، وغير هذا، نحن لم نكن محميين، قد يعتدي علينا أي شخص... فكيف لدولة تكرهك أصلاً أن تكترث إن اعتدى عليك أحد؟ لهذا كانت الحفلات المنزلية هي الأماكن الآمنة لهذه الفئة، ومن المستحسن ألا نخرج كثيراً لنتجنب أسوأ سيناريو ممكن".

وفي معرض الحديث عن الظروف الذي اختلفت بين الأمس واليوم بالنسبة لأفراد مجتمع الميم-عين، قالت ساندي ليان إنّ التهديدات في السابق كانت مخيفة مقارنة بما يحدث اليوم: "قد يصل لمنزلنا رسالة تهديد بالقتل تبقينا بالمنزل لأيّام. كانت الخطورة أكبر بكثير من اليوم".

مساحات آمنة

لطالما سمعنا من قبل عن إغلاق مكان بالشمع الأحمر لأنّه ببساطة استقبل الفئات المهمشة، وكان رؤساء البلدية أو المسؤولون يصرحون أنّه تم اغلاق هذه الحانات والملاهي لأنّها "تروّج اللواط" (على حدّ تعبيرهم)، وبالطبع كان "يزجّ بها" قضايا أخرى، مثل المخدرات والدعارة.

أما اليوم فقد أصبح الأمر مختلفاً بعض الشيء، إذ يمكننا أن نخرج كما نحن في بيروت، في ظل وجود عدد لا بأس به من الأماكن العامة التي تحتضن أفراد مجتمع الميم-عين.

منطقة مار مخايل على سبيل المثال، تضم العديد من الحانات والمقاهي ومعارض الفنون التي تعتبر "صديقة" للمثليين\ات.

تحدثت زينة، مؤسسة حانة أوبلادي التي أغلقت لاحقاً في العام 2015 لأسباب خاصة، عن حانتها: "في العام 2010، فتح أوبلادي (Obladi) أبوابه لأفراد يبحثون عن مكان لطيف، والهدف كان تقديم تجربة إيجابية للجميع وتوفير مكان يمكن للمرء أن يعبّر به عن هويته ونفسه".

وأضافت لرصيف22: "أوبلادي كان أكثر من حانة. لقد تميّز بالموسيقى الفريدة، وضمّ الكثير من الـDJ النساء، كان يستقبل المثليين\المثليات بنفس الطريقة التي يستقبل بها الأفراد الغيريين. واليوم أفرح عندما أقابل أحداً من تلك الدائرة ويسألني: لماذا لا تعيدين فتح أوبلادي، لم نجد مكان مثله قط؟".

واعتبرت زينة ان هذا المكان نجح لعدة أسباب، أهمها أنه كان يتمتع بنوع من الهدوء والرقي والأمان: "الـPDA (العرض العام للعاطفة) ممنوع، وهذا ساعد في تجنّب مشاكل مع السلطة، ومع الوقت أصبحت الحانة مكاناً آمناً للمثليين\ات، وهذا من أسباب نجاحه، فقد كنّا متحدين جداً، وحينها كانت هذه الأماكن نادرة".

هذا وأوضحت زينة أنها تمكنت من تجنب بطش السلطة بسبب المعايير الصارمة التي اعتمدتها في حانتها: "كنت قاسية جداً في تعليماتي تجاه اللمس والتقبيل بين زوّار المكان. وقد تفهمّ الأفراد قراري وخاضوا هذه المغامرة معي بشكل رائع. ولهذا لم أواجه مشاكل مع السلطة أو الشرطة، لكن في المقابل كنت أسمع تعليقات كراهية من أشخاص يقولون عبارات مثل 'أوبلادي حانة السحّاق واللواط'، لكن هذا لم يقف أمامي، والمكان أصبح أكبر وأكبر".

كيف تمكنت هذه المساحات من تجاوز التحديات؟

مع الوقت، اتسعت دائرة الأماكن التي يرتداها أفراد مجتمع الميم-عين، حيث يشعر روادها بالحب والأمان.

في حديث مع رصيف22، اعتبرت ملكة الدراغ "كوكب زحل"، "أنّ الأماكن التي تسمح بعروض الدراغ وتروّج لها وتعمل جاهداً لاستقبالها تُشعر مجتمع الكوير بالأمان"، مشيرة إلى "أنه وقبل أن ينشأ مجتمع الدراغ، تعرفت الملكات على بعضهنّ البعض في هذه الأماكن، وتمّ التخطيط لكل شيء هناك".

لكن بالطبع، لا تزال الأمور صعبة على بعض الأفراد، فالترويج أحياناً على السوشال ميديا قد يكون مغلقاً بين أوساط أفراد مجتمع الميم-عين، بالأخص لجهة الحفلات، وذلك خشية من التهديدات.

تعليقاً على هذه النقطة، قالت "كوكب زحل": "واجهت هذه الأماكن تهديدات وتحديات كبيرة خلف الكواليس. لم نتمكن من الترويج العلني أحياناً، مررنا ببعض الأوقات الصعبة لدرجة أنّنا أحياناً اضطررنا إلى اللجوء لرسومات لنروّج للعرض".

واستدركت بالقول: "رغم كل هذا، لا أعتبر أنّ التهديدات كانت قوية أو شديدة، كانت فقط بمثابة تحدٍ".

صوت مجتمع الكوير أصبح أعلى

مع الانفتاح وظهور الإنترنت، أصبح لدى فئة الميم-عين في لبنان، جمعيات تمثلها، كما بدأت النشاطات تكتسب طابعاً علنياً في العام 2004 مع تأسيس جمعية "حلم".

كشفت ميرا، مؤسسة "أوريندا" (وهي حانة تعتبر صديقة للمثليين/ات بشكل كبير) لرصيف22، أنّ االمكان مبني على فكرة تقبل الجميع، بخاصة وأنه يقصده أفراد مجتمع الميم-عين بشكل كبير وارتبط اسمه بهذه الفئة: "هذا المكان مبني على فكرة اللطف والحبّ وهو لا يميّز أبداً بين الأشخاص. لم يواجه مكاننا كراهية أو رفضاً أبداً، واليوم معظم الأماكن في مار مخايل صديقة للمثليين\المثليات".

تفاجأت ميرا حينما تردد على مسمعها أنّ حانتها هي من بين الوجهات المفضلة عند أفراد هذا المجتمع، فبالنسبة إليها، فكرة رفض المثليين/المثليات قديمة ولم تعد موجودة في بيروت كما في السابق.

تتفق زينة مع رأي ميرا: "اليوم الفرق أكبر بكثير. مجتمع الكوير ليس مجبراً على اختيار مكان خاص للتعبير. يمكننا اليوم أن نكون كما نحن دون خوف".

يُرجّح أنّ هذا التقبّل أيضاً مرتبط بسهولة الترويج اليوم، بحيث يتم الترويج أحياناً لعروض الدراغ بشكل علني ومن دون عوائق، هذا مع انتشار صور وفيديوهات من الحفل.

 أحد المنظمين الذي فضّل عدم الافصاح عن اسمه، قال لرصيف22:"الترويج من قبل كان صعباً جداً، وكنّا نعتمد على أخبار أفراد يمكن أن ينقلوا الرسالة لغيرهم. فالمحيط صغير والخبر يمكن أن ينتقل... اليوم أصبح من السهل أن نروّج للأمر، مع أنّنا أحياناً نفضّل أن نبقي الحدث صامتاً حينما نشعر أنّه قد يكون هناك خطر معيّن".

وتابع بالقول: "لا يمكن الانكار أنّه لدينا 'معارف' يمكن أن تحمينا. ففي لبنان أنت دائماً بحاجة لذلك، ولا يمكن أن تنكر أنّ هناك دائماً خطة في حال تمّ مواجهتنا".

 إنّ أفضل ما قدمته هذه الأماكن العامة هو توفير مساحة آمنة لتقبّل أنفسنا في المقام الأول، فعندما نكون في مكان آمن محاطين بأشخاص مثلنا، لن نشعر أنّنا "غرباء"، بل يساعدنا ذلك على تقبّل أنفسنا وعيش تجارب إيجابية، بخلاف ما تزرعه الكراهية تماماً

مع كل هذا التقدم الحاصل، علينا أن نعترف أنّ مجتمع الميم-عين ما زال يواجه العديد من التحديات في بيروت، بحيث تبقى فكرة السهر والتسكع بمثابة تفصيل صغير يجعل حياة كل شخص منّا أفضل.

صحيح أننا نسعد بجرعة الحرية التي ناضلنا طويلاً من أجلها، غير أننا نعي تماماً أنّ التقبل ليس "رفاهية"، لكنه حق، ومع هذا هناك شعور غريب بالنصر في خضم جميع القصص التي سمعناها من قبل وما زلنا نسمعها حتى اليوم، عن الظلم الذي يتعرّض له أفراد مجتمع الميم-عين، سواء كان ذلك في بيروت أو في عواصم أخرى من العالم العربي.

يمكن القول إنّ أفضل ما قدمته هذه المطاعم والحانات هو توفير مساحة آمنة لتقبّل أنفسنا في المقام الأول، فعندما نكون في مكان آمن محاطين بأشخاص مثلنا، لن نشعر أنّنا "غرباء"، بل يساعدنا ذلك على تقبّل أنفسنا وعيش تجارب إيجابية، بخلاف ما تزرعه الكراهية تماماً.

في الختام، نحن ممتنون اليوم للجيل السابق الذي خاض معركة كبرى وصلت حتى التهديد والاغتصاب والقتل، وللجيل الحالي لأنّه مستمر بالتعبير عن نفسه وعن هويته الجنسية والجندرية بشكل أكبر من دون خوف.

هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وبدعم من سفارة مملكة هولندا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard