التغيير في خطاب طالبان... نحو أي مستقبل سيقود البلاد؟

الاثنين 23 أغسطس 202111:41 ص
قبل عشرين عاماً، دخلت الولايات المتحدة أفغانستان، لتطيح بنظام بنته حركة طالبان التي أوت في حينه تنظيم القاعدة، وقائدها أسامة بن لادن، رافضة تسليمه بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، التزاماً منها بقاعدة الولاء والبراء. ليس مقنعاً ما قاله الآن الرئيس الأمريكي جو بايدن، من أن بلاده لم تسعَ إلى بناء نظام جديد على أنقاض طالبان، بل الصحيح أنها أنفقت مليارات الدولارات لهذه المهمة التي باءت بالفشل.

عقدان من الزمان مرّا، على وقع خسائر بشرية واقتصادية مهولة، واضطرت واشنطن إلى الجلوس على مائدة التفاوض مع عدوها. وما إن أعلنت خطة انسحابها، حتى انسحب تابعوها، وتلقت طالبان الإشارة، فقضمت مدن البلاد، مدينة وراء مدينة، ووصلت إلى القصر الرئاسي في كابول، وجاءها "نصر الله والفتح"، كما قرأ أحد مسلحيها أمام العدسات.

هل انتصرت الولايات المتحدة أم هُزمت؟ هل ما حدث هزيمة أم انسحاب؟ هل قويت طالبان أم ضعفت؟ الحد الأدنى الذي لا خلاف عليه لهذه الأسئلة كلها، هو أن الحركة لم تُهزم، حتى بعد عشرين عاماً من الحرب المتواصلة عليها. تلك هي الحقيقة. هل يُحسب للحركة أنها حررت وطنها من المحتل؟ لكن شواهد التاريخ تُشير إلى أن الكثير من حركات التحرر الوطني، تحولت لاحقاً إلى جماعات استبداد وطني، فجرى استبدال محتل خارجي بمستبد داخلي. ذلك هو التاريخ.

شواهد التاريخ تُشير إلى أن الكثير من حركات التحرر الوطني، تحولت لاحقاً إلى جماعات استبداد وطني، فجرى استبدال محتل خارجي بمستبد داخلي. ذلك هو التاريخ

فهل هذا ما سيكون عليه الطالبانيون الجدد؟ كل إجابة على هذا السؤال ستبدو عجلى. العجلة ذاتها التي قضمت بها الحركة مدن البلاد. فالنصر في المعارك لا يعني النصر في السياسة، وحرب الأعداء ليست معادلةً لقيادة البلاد، والمحارب الجيد ليس السياسي الجيد بالضرورة. فبين الحرب والسياسة، ما بين القصر الرئاسي في كابول، والكهوف في تورا بورا.

ذلك وحده ما يفسر الهروب الكبير لمن استطاع إليه سبيلاً، عبر مطار كابول، حين انطلق آلاف الأفغان اليائسون من المستقبل، فرادى وجماعات، راغبين في الخلاص، ولو كانوا معلقين في الهواء على أجنحة الطائرات. مُريح للنفس القول إن هؤلاء الفارين بجلودهم جميعاً، عبر مطار كابول، متعاونون مع الاحتلال، ويسعون للإفلات من العقاب المحتمل. قول مريح، لكنه نصف الحقيقة، فالمؤكد أن بين هؤلاء مواطنين كثر خائفون ويائسون، ولا يريدون البقاء تحت حكم ذاقوا مرارته منذ تسعينيات القرن الماضي، وما زالت تجربته في أذهانهم حاضرة، لذا رفضوا الاستجارة من الرمضاء بالنار.

أمام هذا الواقع، وفي الاتجاه المعاكس، بثت الحركة بعضاً من رسائل الطمأنة، كأنها تقول إن عشرين عاماً قد فعلت فعلها، في عقولها، وإن أولوياتها وتوجهاتها وأفكارها ونهجها، الذي حكمت به البلاد في سنوات حكمها الأولى بين العام 1996 و2001، قد نضجت، والزمن -كما يُقال- جزء من العلاج.

بتفاؤل بدا متسرعاً، استقبل متابعون ما أبدته الحركة من رسائل إيجابية في أيامها الأولى، من قبيل "السماح" للمرأة بالتعليم والعمل، شريطة ارتداء الحجاب -لاحظ هنا كلمة السماح وليس الحق- كما تعهدت الحركة بحماية الصحافيين ووسائل الإعلام، وقالت إنها اعتمدت التسامح مقابل الانتقام، والشراكة مقابل الانفراد، فضلاً عن طمأنة المجتمع الدولي بألا تكون أراضي البلاد، مجدداً، محطة استهداف لغيرها.

ثلاثة اعتبارات يجب وضعها في الحسبان أمام هذا التفاؤل، إن أردنا تقييماً واقعياً لمآلات الحركة، فكرياً، بعد عقدين من الزمن. تقييم يميل إلى التشاؤم، ولا يغلق باب التفاؤل، ويميل إلى قراءة التاريخ، ولا يتجاهله، ويسعى إلى الموضوعية لا الانحياز.

النصر في المعارك لا يعني النصر في السياسة، وحرب الأعداء ليست معادلةً لقيادة البلاد، والمحارب الجيد ليس السياسي الجيد بالضرورة. فبين الحرب والسياسة، ما بين القصر الرئاسي في كابول، والكهوف في تورا بورا

الأول: يجب النظر لما صدر ويصدر عن الحركة في هذا التوقيت كله، كونه تصريحات ما بعد الانتصار، وفترة الانتقال. وفترات الانتقال ليست صالحة لاختبار مقولات أصحابها، بل فترات التمكين هي التي يجري فيها الاختبار. ففي الانتقال ينصبّ الاهتمام على سبل الوصول، وما بعد الوصول، إما لك، وإما عليك.

ثانياً: المراقب لما صدر من الحركة، سيدرك أنها أعلنت أن نظام الحكم المرتقب سيكون إسلامياً لا ديمقراطياً، وأن ما صدر عن متحدثيها بشأن المرأة، ووسائل الإعلام، وحرية المعارضة، سيلحظ حرص المتكلمين على ربط ذلك كله بما تُقرّه الشريعة الإسلامية من أحكام. وتلك هي المشكلة التي تجعل مما صدر كله قابلاً للتراجع. إذ إن اعتماد الشريعة مقياساً يعني، عملياً، اعتماد الرأي الذي تميل الحركة إليه، وترتاح له، وهي التي أغلقت المدارس، والحياة، في وجوه النساء من قبل، عملاً بقول الله تعالى" وقرن في بيوتكن"، فسحبت النص الديني إلى غير مبتغاه. وحين نحتكم إلى أحكام النص الديني، فسنكون أمام جملة واسعة من الأحكام، تبدأ من أقصى اليمين، وتنتهي في أقصى اليسار.

ثالثاً: على الرغم مما يُعرف عن كون الحركة حنفية المذهب، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، والمشهور بكونه إمام أهل الرأي، الذي يعارض مذهب أهل النقل، فإننا نجد إرثاً كبيراً مما صدر من الحركة في تسعينيات القرن الماضي، في شأن فهمها للشريعة، يجعلهم أقرب إلى فهم بسيط سطحي بدائي للنص. ولأن طبيعة أي مجتمع تصبغ الظاهرة الدينية بصبغتها، يصبح السؤال الصعب هو: إلى أي مدى قد تتنصل الحركة مما تفهمه قواعدها الشعبية في مجتمع قبلي مثل مجتمعها، بعدّه شأناً دينياً مقدساً، لا شأناً اجتماعياً بشرياً غير مقدس. والراجح أن ما لدى الحركة من إرث فكري في الماضي، قديم، وليس للاجتهاد فيه نصيب. قال لي صحافي زار الحركة في الماضي، ولست أدرس صحة ما قال: "إن أقدم كتاب فقهي تعتمده طالبان يعود تاريخه إلى 300 سنة خلت"، وذلك يعني أن أي تغيير في فكر الحركة يستتبع سؤالاً عما أدخلته هي على أفكارها، وآرائها الفقهية، غير الذي اعتمدته تراثاً لها.

في خطاب الحركة تغيير مثير للدهشة بلا شك، لكن ما هي حدوده، وأين منتهاه؟ ذلك هو السؤال. ووفق ما ستكون عليه الإجابة، سيكون مستقبل الحركة، ومستقبل البلد الذي تسلمته.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard