أنا قوي وغني... إذاً أنا أخالف القانون

السبت 9 أكتوبر 202112:43 م

القوة فكرةٌ لطالما حلم الإنسان بامتلاكها، لما فيها من تسهيل لحياته، على الصعد كافة، سواء الخدماتية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية. أما الأخيرة، فتركيز القوة عليها يُعد الأفضل، نظراً إلى المكانة التي تضع فيها صاحبها، بالإضافة إلى نظرة الناس حوله، فكيف يكون الوضع إن امتزجت قوتا "السلطة والمال"، معاً.

يختلف مفهوم القوة بين البشر، تبعاً للأماكن التي يوجَدون فيها، ولها أشكالها، إلا أن امتلاك القوة بشكل كبير، من دون ضوابط، يُعد أمراً غريباً، لما للإنسان من قدرة على العبث ببقية أفراد المجتمع، إن لم يكن هناك ما يردعه، وكثيراً ما يشاهَد في البلاد العربية، تسلط العديد من الأفراد على غيرهم من مواطنيهم، نتيجة مراكزهم الرسمية في المؤسسات الحكومية، أو السلطوية، في الأمن، والقوات المسلحة، أو عبر امتلاكهم المال.

يقول الكثيرون، إن القوانين وُضعت للضعيف، أو الفقير، لا للقوي الغني.

ونتيجة للتجارب منذ الأزل في طريقة تعامل الإنسان في حياته مع بقية أفراد المجتمع، تبعاً لما يملكه من قوة، أو لافتقاره إليها، تم وضع نظم، أو أعراف تضبط طريقة تعامل البشر في ما بينهم، خاصةً وأن عِلمَي الاجتماع والفلسفة البشرية، تحدثا عما يمكن أن يفعله الإنسان إن غابت الضوابط، التي باتت تُعرَف بعد ذلك باسم القانون.

قد يرى الكثيرون من الناس أن القوانين وُضعت من قبل السلطة، فكيف لمن قام بصنع شيء أن يخضع له، وهنا يأتي التفسير من آخرين، بأن القوانين تأخذ شكل الدراسة، ليتم الإجماع عليها، سواء من التنفيذيين، أو من قبل المجالس التشريعية المنتخبة من الشعب، ما يجعل القوانين أكثر انسجاماً مع الواقع، وتتماشى مع طبيعة المكونات، وبيئاتهم الاجتماعية، إذ يُفرَض قانون ملزم للجميع وفق محددات الحالة في البلد، ومحافظاته.

إن جولة وضع القوانين، وصنع القرار وفق بيئة تشريعية سليمة، ما هي إلا مرحلة في تطبيق القانون، والتعامل معه، لا سيما وأن لكل قانون موادَّ تنصه، كي يكون متناسباً مع الجميع، ويُعمَّم بعد ذلك، ليُصار إلى تطبيقه بسواسية بين الناس، سواء أكان قانوناً للدولة نفسها، أو قانوناً عالمياً يلزم الدول باتّباعه.

لكن...

شكل تطبيق القوانين في بعض الدول، مختلف قليلاً، خاصةً في تلك التي ترسم انطباعاً بالديمقراطية، فتظهره بيد، وتخفيه بالأخرى، ولعل التركيز على ما جاء أعلاه، يدفع الكثيرين للتساؤل: وهل ما ذُكر كله يُطبَّق؟ وفي حال تم النظر إلى الموضوع بدقّة، سيصاب المتابع بالذهول، أو الصدمة، ويدفع به إلى الاستفسار مجدداً: "لماذا لا نراه يُطبَّق أساساً؟"، والإجابة دوماً تأتي من المستفسِر نفسه، الذي يؤكد بأن القانون جيد، وموادّه مناسبة، لكن المشكلة في الشخص المسؤول عن تطبيق هذا القانون، وإنفاذه للناس بشكل عادل.

يختلف مفهوم القوة بين البشر، تبعاً للأماكن التي يوجَدون فيها، ولها أشكالها، إلا أن امتلاك القوة بشكل كبير، من دون ضوابط، يُعد أمراً غريباً، لما للإنسان من قدرة على العبث ببقية أفراد المجتمع، إن لم يكن هناك ما يردعه، وكثيراً ما نشاهد هذا في البلاد العربية

هذا الموضوع يترافق دوماً مع بعض القصص لدى شعوب غالبية سكان المنطقة العربية، التي ترى أن القانون ما هو إلا خط رفيع يقسم الناس طبقتين، الأولى فوقه، وقد لا تراه أبداً، وتتحدث في شأنه من الأعلى فحسب، وأن ما تراه جيد، لكونها ترى الخط من الأعلى، والناس تحته، وتقوم باستثناء نفسها، لعدم وجود مراقب أعلى منها.

إن فكرة تجاوز القانون، لا تكون بشكل متعمد في تلك البلدان، فالتجاوز يكون "ستايلاً"، يعبّر به صاحبه عن قدرته على تفادي أصعب الأمور، وأعقدها، مثبتاً بذلك امتلاكه السلطة، والتحكم بها، فهو من شارك في وضع القانون، أو على الأقل وافق عليه، فمن حقه أن يجتازه إن أراد، إذ كيف لصانع قانون ألا يجد ثغرة تفرّق بينه وبين الناس العاديين.

مشكلة الاستثناء من أي شيء، هي فكرة تتعلق دوماً بالتميز، وبأن يكون محط أنظار أمام المجتمع، بحيث يسلَّط عليه الضوء، ويعبر إليه الناس، من أجل مساعدتهم على حلّ مشكلاتهم، طبعاً من كان منهم قريباً منه، أو لديه معرفة سابقة به، أو بناء على مصلحة مشتركة، "حلّ المشكلة مقابل المال، أو خدمة من ناحية ثانية".

وتنال السلطتان التنفيذية والمالية، القوة المضاعفة، خاصةً إن اجتمعت في شخص واحد، ليتحول بعدها إلى شخص خارق، ينفّذ، ويشير، ويعطي الأوامر في كل شيء. أما بالنسبة إلى القضاء في هذه البلدان، والذي يعمل على تطبيق القانون، فغالباً ما تكون لديه مصلحة مع إحدى السلطتين، لأسباب كثيرة، وهنا تتشكل قوة موازية أضعف نفاذاً، إلا أنها تتلاعب بشكل القانون، أو بروح القانون إن صح التعبير، وبالطبع حسب المشكلة وبيئتها.

عمد الناس إلى ظاهرة تقليد القوة، لاعتقادهم أنه لا فرق بينهم وبين المسؤول، فإذا تم تجاوز القانون مرة، فلماذا يطبَّق في مرات أخرى؟ وبماذا هم أفضل من الناس العاديين؟

تقليد التجاوز...

إن حالة القوة التي تمنح صاحبها حق تجاوز القوانين، لم تتوقف رهنه فقط، بل للتقليد نصيب منها، حتى إن كانت نفاقاً، فالأشخاص في تلك البلدان يسعون في أثناء مغامرتهم في تجاوز القانون، إلى تقليد بعض اللهجات، أو ارتداء ملابس معينة، أو وضع "فيميه" على زجاج سياراتهم، حتى إن كانت قديمة، أو تلك التي لا تشبه سيارات المسؤولين وأصحاب الأموال، وذلك كله فداء "لبريستيج" السلطة، وقد يرفق معها القليل من الصوت المرتفع، "لترهيب الناس"، أو الذين يحاولون تطبيق القانون.

ومثال على ذلك، ممارسة تقليد القوة على شرطي مرور، حاول كتابة مخالفة لسيارة مسرعة، أو لم تتوقف عند الإشارة، وغيرها، فما يكون إلا أن ينهال صاحب السيارة على الشرطي، بكل ما أوتي من قوة، أو مثلاً في دائرة رسمية حيث يعمد البعض إلى ترهيب الموظف بأصواتهم، أو بدلاتهم السوداء، مع نظاراتهم الشمسية التي يضعونها حتى في الضوء الخافت، وذلك كله فداء للقوة المصطنعة.

عمد الناس إلى ظاهرة تقليد القوة، لاعتقادهم أنه لا فرق بينهم وبين المسؤول، فإذا تم تجاوز القانون مرة، فلماذا يطبَّق في مرات أخرى؟ وبماذا هم أفضل من الناس العاديين؟

في الحقيقة لا فرق، إلا في تلك الدول، حيث يقول الكثيرون، إن القوانين وُضعت للضعيف، أو الفقير، لا للقوي الغني، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، إذ إن من وضع القانون، ووافق عليه، ويعمل عليه، يجب أن يبقى تحته، لا أن يجعله خطاً عائقاً بينه وبين الناس العاديين، بالإضافة إلى جعل القانون عالياً لا يطاله أحد، فالقوة ما هي إلا وسيلة لضبط المجتمع، لا وسيلة ترهيب وتجاوز، وذلك لضمان عودة القانون.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard