من ألف ليلة والقرآن والشعر العربي إلى العالميّة... نوبل للتنزاني عبد الرازق جرنة

الجمعة 8 أكتوبر 202112:59 م

دارت التكهنات هذا العام حول الاسم المحظوظ، خصوصاً مع الوعود من أندرس أولسون، رئيس لجنة جائزة نوبل، بتوسيع نطاقها الجغرافي، رغم تأكيده الدائم بأن "الجدارة الأدبية" هي المعيار، لكننا نعلم تماماً ماذا تعني هذه المعايير لناحية تقسيم الأدب الواجب مكافئته وتعميمه والأدب الآخر الذي ينبغي التعتيم عليه أو عدم منحه الفرصة للانتشار، وحتى في اختيارها أدباً مكتوباً من طرف غير أوروبي، لا يفوت اللجنة الانحياز إلى الأدب "الأسود" المكتوب بأصابع بيضاء.

وجاءت نوبل هذا العام أفريقية منحازة لأدب ما بعد الكولونيالية وأدب مآسي الاستعمار والأنظمة المستبدة التي حلّت محله، والذي يُعبّر عن قمع الديكتاتوريات التي حلت محل المستعمر، ليظل الظلم باقياً مع اختلاف الوجوه فقط، إذ مُنحت الجائزة للتنزاني المقيم في بريطانيا، عبد الرزاق جرنة.

وأعلنت اللجنة القائمة على الجائزة أن جرنة فاز بها لسرده "المتعاطف والذي يخلو من أي مساومة لآثار الاستعمار ومصير اللاجئين العالقين بين الثقافات والقارات"، مبتعدة بالتالي عن المرشحين الآخرين الأكثر حظاً، وهما الياباني هاروكي موراكامي، والأميركية جويس كارول أوتس أو حتى الفرنسية آني أرنو.

وبحصول عبد الرازق جرنة على جائزة نوبل للآداب، يصبح بذلك خامس أفريقي يفوز على الجائزة، بعد النيجيري وول سوينكا عام 1986، والمصري نجيب محفوظ عام 1988، والجنوب أفريقيين نادين غورديمير عام 1991، وجون ماكسويل كوتزي عام 2003.

جاءت نوبل هذا العام أفريقية منحازة لأدب ما بعد الكولونيالية وأدب مآسي الاستعمار والأنظمة المستبدة التي حلّت محله، والذي يُعبّر عن قمع الديكتاتوريات التي حلت محل المستعمر، إذ منحت الجائزة للتنزاني المقيم في بريطانيا، عبد الرزاق جرنة

الفرار من القمع والاضطهاد والمجازر إلى المنفى

في نشأته لم يكن عبد الرازق جرنة محظوظاً؛ حيث ولد في جزيرة زنجبار الواقعة في المحيط الهندي، قبالة سواحل شرق إفريقيا، لعائلة عانت من الاضطهاد والإبادة والتهجير، إبان الثورة التي مرت بها زنجبار، عقب التحرر السلمي من الحكم الاستعماري البريطاني في ديسمبر 1963، وأطاحت بالسلطان وحكومته العربية عام 1964، وما أعقب ذلك من قمع واضطهاد ومجازر بحق المواطنين من أصول عربية، في ظل نظام الرئيس الزنجباري عبيد كرومي.

أُجبر جرنة على ترك أسرته والفرار من جمهورية تنزانيا، المشكَّلة حديثاً، وهو ابن ثمانية عشر ربيعاً، إلاّ أن الحظ ابتسم له حين لجأ إلى المملكة المتحدة بغرض الدراسة في عام 1968، واستطاع أن يثبت جدارة ونجاحاً كبيراً على الصعيد الأكاديمي، فحصل على وظيفة محاضر في جامعة بايرو كانو في نيجيريا، خلال الفترة من عام 1980 إلى عام 1982، ثم عاد إلى بريطانيا، ليحصل على درجة الدكتوراه في عام 1982 من جامعة كنت، ويعمل بها أستاذاً ومديراً للدراسات العليا في قسم اللغة الإنجليزية.

ويسلط جرنة اهتمامه الأكاديمي الرئيسي على الكتابة في بحوث ما بعد الاستعمار والخطابات المرتبطة به، خاصة فيما يتعلق بأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي والهند.

ورغم نجاحه المهني والأكاديمي، عانى جرنة في المنفى البريطاني شعوراً مريراً بالغربة والحنين إلى الأهل والوطن الذي حُرم من زيارته قسراً؛ حيث لم يسمح له بالعودة إلى زنجبار حتى عام 1984، حينها استطاع تحقيق حلمه برؤية والده قبل وقت قصير من وفاة الأخير.

أريد فقط أن أكتب بأكبر قدر ممكن من الثقة

بدأت رحلة جرنة مع الكتابة في عمر الحادية والعشرين، عقب هجرته إلى بريطانيا، ورغم أن اللغة السواحيلية كانت لغته الأولى، إلا أن الإنجليزية أصبحت أداته الأدبية، فأبدع عشر روايات، هي: "ذاكرة المغادرة" 1987، "طريق الحج" 1988، "دوتي" 1990، "الفردوس" 1994، "الإعجاب بالصمت" 1996، "عن طريق البحر" 2001، "الهجر" 2005، "الهدية الأخيرة" 2011، "قلب الحصى" 2017، "الحياة بعد الموت" 2020، وله أيضاً مجموعة قصصية بعنوان "عاشت أمي في مزرعة في إفريقيا" صدرت عام 2006.

بحصول عبد الرازق جرنة على جائزة نوبل للآداب يصبح بذلك خامس أفريقي يفوز على الجائزة، بعد النيجيري وول سوينكا عام 1986، والمصري نجيب محفوظ عام 1988، والجنوب أفريقيين نادين غورديمير عام 1991، وجون ماكسويل كوتزي عام 2003

ويكشف الروائي التنزاني الفائز بجائزة نوبل 2021، عن أن الشعر العربي والفارسي، وكتاب ألف ليلة وليلة وسور القرآن الكريم، كانوا منبعاً مبكراً ومهماً له في تكوينه الأدبي، مشيراً إلى أنه لا يعتبر كتاباته المبكرة في زنجبار باللغة السواحيلية، أدباً، ومؤكداً على أهمية الثقة بالنسبة إليه ككاتب، قائلاً: "أريد فقط أن أكتب بأكبر قدر ممكن من الثقة، دون محاولة قول شيء نبيل".

ورغم وجود عبد الرازق جرنة في المنفى البريطاني أغلب سنوات حياته، إلاّ أن أعماله الأدبية جاءت شديدة التعلق بوطنه الأم والقارة السمراء؛ حيث تمحورت روايته الأولى، "ذاكرة المغادرة"، الصادرة عام 1987، حول انتفاضة شعبية فاشلة وتدور أحداثها في القارة الأفريقية.

ويحاول بطل الرواية، الشاب الموهوب، فك الارتباط عن الآفة الاجتماعية للساحل ، على أمل أن يتم وضعه تحت رعاية عم ثري يعيش في نيروبي. وبدلاً من ذلك ، يتعرض الفتى للإذلال وإعادته إلى عائلته المفككة؛ حيث والده المدمن على الكحول والعنيف وأخته التي أُجبرت على ممارسة الدعارة.

أما في روايته الثانية "طريق الحج"، الصادرة عام 1988، فيستعرض جرنة الواقع متعدد الأوجه للحياة في المنفى، ويعالج قضايا الهوية والذاكرة والقرابة، عبر بطل الرواية داود، الذي يواجه المناخ العنصري في وطنه الجديد ، إنجلترا، بعد محاولته إخفاء ماضيه، ولكن يغريه حبه لامرأة بأن يروي قصته، سارداً ما حدث في نشأته المأساوية والذكريات المؤلمة للاضطرابات السياسية في تنزانيا التي أجبرته على الفرار.

وتنتهي أحداث الرواية بزيارة داود لكاتدرائية كانتربري؛ حيث يتأمل في أوجه التشابه بين الحجاج المسيحيين، الذين زاروا المكان في الأوقات الماضية ورحلته الخاصة إلى إنجلترا، ويشعر البطل بأنه قاوم في السابق بتحدٍ كل ما تبتهج به القوة الاستعمارية السابقة ولكن فجأة أصبح الجمال ممكناً بالنسبة إليه.

وانعكست تجربة الكاتب الأفريقي مع الغربة واللجوء إلى بريطانيا، بقوة على روايته الثالثة، "دوتي" الصادرة في 1990، والتي تدور حول امرأة سوداء من أصول مهاجرة، نشأت في ظروف قاسية في إنجلترا، إبان الخمسينيات المشحونة عنصرياً، فتشعر أنها بلا جذور في إنجلترا، رغم كونها البلد الذي ولدت فيه ونشأت فيه؛ فتحاول بطلة الرواية خلق مكانها وهويتها من خلال الكتب والقصص، وتمنحها القراءة فرصة لإعادة بناء نفسها.

ويركز جرنة في معالجته الأدبية لتجربة اللجوء، على قضيتي الهوية والصورة الذاتية، وهو ما تجلى في روايتيه "الإعجاب بالصمت" (1996) و "عن طريق البحر" (2001)، معتبراً أن الصمت يكون دوماً استراتيجية اللاجئ لحماية هويته من العنصرية والتحيز، وتجنب الاصطدام بين الماضي والحاضر، ما ينتج عنه خيبة أمل وخداع ذاتي كارثي.

في عالم جرنة الأدبي كل شيء يتغير

وعقب رحلة بحثية قام بها الكاتب التنزاني إلى شرق إفريقيا، في مطلع التسعينيات، كتب روايته الرابعة "الفردوس" الصادرة عام 1994 ، والتي تعد أشهر رواياته؛ حيث كانت على قائمة الروايات المرشحة لنيل جائزتي البوكر العالمية وويتبريد.

وتصوّر الرواية رحلة البطل الشاب البريء يوسف إلى قلب الظلام، بعد بلوغه سن الرشد وتعرضه لقصة حب محزنة تصطدم فيها عوالم مختلفة وأنظمة معتقدية، على خلفية وصف عنيف ومفصل لاستعمار شرق إفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر.

وعلى عكس النهاية المُفرحة لقصة النبي يوسف، التي وردت في القرآن الكريم، والتي يكافأ فيها على قوة إيمانه ، يضطر يوسف بطل رواية "الفردوس" إلى التخلي عن أمينة ، المرأة التي يحبها ، للانضمام إلى الجيش الألماني الذي كان يحتقره سابقاً.

يكشف الروائي التنزاني الفائز بجائزة نوبل 2021، عن أن الشعر العربي والفارسي، وكتاب ألف ليلة وليلة وسور القرآن الكريم، كانوا منبعاً مبكراً ومهماً له في تكوينه الأدبي

أما في روايته الخامسة "إعجاب الصمت" الصادرة عام 1996، فيختار الراوي المتحيز إخفاء ماضيه عن عائلته الإنجليزية، ويبتكر قصة حياة أكثر ملاءمة لعالمهم المشترك، بينما يخفي حياته في المنفى البريطاني عن عائلته في زنجبار، الذين يجهلون أن لديه عائلة جديدة في إنجلترا وابنة باتت تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً.

ويستكمل جرنة تقديم دراما خيبة الأمل وخداع الذات اللذين يعيشهما اللاجئ الأفريقي، عبر روايته السادسة "عن طريق البحر"، الصادرة عام 2001، عبر شخصية صالح ، راوي الجزء الأول من الكتاب، ذلك المسلم العجوز القادم من زنجبار، والذي يتقدم بطلب لجوء إلى إنجلترا بتأشيرة مزورة باسم عدوه اللدود، لكنه يلتقي نجل العدو، لطيف، راوي الجزء الثاني من الكتاب، والذي تم تكليفه بالصدفة لمساعدة صالح على التكيف مع وطنه الجديد.

وخلال مشاجراتهما الحماسية، يعود ماضي صالح المكبوت في زنجبار إلى الانتعاش بداخله، وبينما يحاول رغم كل شيء أن يتذكره ، يفعل لطيف كل شيء من أجل نسيانه، مما يخلق توتراً غريباً في الرواية، حيث اختار جرنة أن يجعل راويين يتحكمان في مسار الرواية واتجاهها.

رغم وجود عبد الرازق جرنة في المنفى البريطاني أغلب سنوات حياته، إلاّ أن أعماله الأدبية جاءت شديدة التعلق بوطنه الأم والقارة السمراء؛ حيث تمحورت روايته الأولى، "ذاكرة المغادرة"، الصادرة عام 1987، حول انتفاضة شعبية فاشلة وتدور أحداثها في القارة الأفريقية

ويعالج الكاتب في روايته السابعة "الهجر"، الصادرة عام 2005، الاختلافات الثقافية الهائلة في شرق إفريقيا المستعمرة، وتدور الأحداث في مطلع القرن العشرين، حول الإنجليزي مارتن بيرس، الذي انهار فاقداً للوعي في الشارع، وساعده تاجر محلي ونقله عبر متاهات المدينة إلى عالم حيث الثقافة والدين غريبان، لكن بيرس الذي يتحدث العربية، يقع في حب ابنتهما ريحانة.

ويظهر في تلك الرواية تأثر الكاتب بفترة شبابه في زنجبار، حيث يتواجد على مدى قرون العديد من اللغات والثقافات والأديان المختلفة جنباً إلى جنب، لكنهم قاتلوا أيضاً من أجل الهيمنة.

وتتكرر تيمة اللجوء في روايته الثامنة "الهدية الأخيرة"، الصادرة عام 2011؛ حيث يموت اللاجئ الأفريقي المريض، عباس، تاركاً هدية تتكون من شريط تسجيل لتاريخ قاس غير معروف للعائلة الباقية.

بينما صرح عبد الرزاق جرنة بسعادته لفوزه بالجائزة، لم ينس أن يلفت نظر الأوروبيين لضرورة تغيير نظرتهم العنصرية نحو اللاجئين الأفارقة، قائلاً: "إنهم لا يأتون خاليي الوفاض، إنهم أشخاص موهوبون وحيويون"، وربما سيتمّ الحديث كثيراً في الأيام القادمة عن هذا الخطاب "الأبيض الذي يرتدي قناعاً أسود"

ويصوّر جرنه تجربة المهاجرين والصدمات النفسية بين الأجيال وحقبة ما بعد الاستعمار وثورة زنجبار التي أطاحت بالحكم العربي للبلاد، في الرواية التاسعة "قلب الحصى"، الصادرة عام 2017، مقدماً قصة مؤلمة لانهيار إحدى العائلات والعلاقة المتوترة بين الأب ونجله، عبر مصير الشاب سليم، الذي انقلبت حياته رأساً على عقب عندما قام والده فجأة بحزم أمتعته ومغادرة المنزل، واستأجر غرفة صغيرة في الجزء الخلفي من متجر وانعزل مع نفسه، ولم يحصل سليم على أي تفسير من والده أو والدته حول حقيقة ما يحدث، حتى وصوله إلى الكشف المرعب في النهاية عن سر عائلي مُخفي عنه، لكنه حاسم لمساره كفرد لا جذور له في المنفى.

وفي روايته الأحدث "الحياة بعد الموت"، الصادرة عام 2020، يستعرض الكاتب رياح التاريخ المتقلبة، مقدماً حبكتها عبر عدة أجيال، وصولاً إلى خطة النازيين غير المحققة لإعادة استعمار شرق إفريقيا.

وتدور أحداثها في بداية القرن العشرين، قبل نهاية الاستعمار الألماني لشرق إفريقيا، عبر شخصية إلياس، الذي أُجبر على خوض الحرب على الألمان، ويصبح معتمداً على ضابط يستغله جنسياً، لكنه يُصاب في اشتباك داخلي بين جنود ألمان، ويُترك في مستشفى ميداني لتلقي العلاج، وعندما يعود إلى مسقط رأسه على الساحل، لا يجد عائلة ولا أصدقاء.

وبينما صرح عبد الرزاق جرنة بسعادته لفوزه بالجائزة، لم ينس أن "يلفت" نظر الأوروبيين لضرورة تغيير نظرتهم المتفوقة والعنصرية نحو اللاجئين الأفارقة، قائلاً: "إنهم لا يأتون خاليي الوفاض، إنهم أشخاص موهوبون وحيويون"، وربما سيتمّ الحديث كثيراً في الأيام القادمة عن هذا الخطاب "الأبيض الذي يرتدي قناعاً أسود"، بعد أن تبدأ ماكينة الترجمة بتقديم "الفائز المحظوظ"، لقراء اللغة العربية، خصوصاً أن الأقلام بدأت مبكراً بالاحتفاء بالفائز "المسلم" و"ذي الأصول العربية"، كعادة المهزومين وخالي الوفاض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard