أن تكون/ي بارتندر في بيروت... مخفوق الكحول والبهجة

الثلاثاء 12 أكتوبر 202112:05 م



إذا كنت في بيروت وكان لديك الوقت الكافي وترغب في تبديده، أو إذا كنت تشعرين بالوحدة وترغبين ببعض الرفقة غير المسؤولة، فالأفضل أن تذهب/ي لواحد من العديد من البارات الموجودة في مارمخايل، الجميزة، مونو، بدارو، الحمرا وغيرها في بيروت، لتسلّمي نفسك لمهارة البارتندر في إعداد كأس يجعلك تنسين أن لديك متاعب، أو أن تنسى أن لديك الوقت حتى لتحظى بمتاعب.

عمل سيلفان لفترة طويلة في البارات، قبل أن يفتح باره الخاص، يقول إن عمل البار تندر يشبه عمل "السائق" لكن مع جرعة كبيرة من عمل المحلل النفسي، إنه يقود الزبائن إلى سلامهم/ن النفسي ويراقبهم/ن طوال الوقت، مقترحاً عليهم/ن الجرعات المناسبة لحالتهم/ن النفسية، مع قليل أو كثير من الكحول، الموسيقا والاستماع اللامتناهي لهذر الزبائن.

سائق الفرح هو، يسمعك ويقترح عليك نوعاً من الصفقات اللطيفة: خذها/يها أو دعها/يها، أن تشرب/ي كأسك، تقول/ين ما يخطر في بالك لشخص لن تتذكره/يه في اليوم التالي، لكنه سيحتفظ بذاكرته بمزاجك الكحولي، سحنتك المرهقة وآخر ست أو سبع جمل تفوّهت بها قبل أن تطفو/تطفين في ملكوت الكحول، تراقب/ين ما ومن حولك، تسرح/ين في عزلتك الكحولية حتى تجد/ين السلوى أو لا تجدها/يها، لكن في الحالتين، سيكون من الممتع أن تتكلم/ي بما يجول في رأسك دون أحكام من أحد.

طبيب الكحول

يشبه سيلفان عمله بعمل الطبيب النفسي، إذ غالباً ما يحتاج البشر المتعبون لأحد ما يصغي لهم دون أن يحكم عليهم، طقوس أشبه بالطقوس التي تجري في العيادات النفسية أو في الكنائس حتى: يدخل الزبون/ المؤمن/ المريض إلى البار/ غرفة الاعتراف/ العيادة، ويبدأون/ن بالتشكّي من وضع ما لا يستطيعون/ن احتماله، بنظرة واحدة من البار تندر/ الكاهن/ الطبيب، يصف له/ا كأساً أو خلطة ما، ليست علاجاً بالتأكيد، لكنها تملك تلك القدرة على كسر الحاجز ليستمرّ/تستمر بالبوح والاعتراف، يساعد في ذلك الوجه غير الخاص للبار تندر، الجامد، الذي لا يبدو أنه يفكر كثيراً بما يسمع، وجه شخص لا يحكم، بل يستمع فحسب، يأخذ الحقائق من فم صاحبها دون أن يقيّمها أو يخضعها للتفنيد والتحليل، تمر هكذا، بصورتها الأولى كما يريد قائلها، وتتلاشى في الهواء.

"كنت في السنوات الأولى للعمل أبكي بمفردي من ألم الوقوف"، يقول البارتندر سيلفان. بعض البارمانية ينهارون تحت ضغط العمل وساعات الزحمة "الكحولية"، "مرات أشعر أن كل بيروت جاءت دفعة واحدة إلى حيث أعمل، لتشرب الكحول"

الخزانة التي خلف سيلفان، البارتندر، تشبه الصيدلية أيضاً، وتبدو الزجاجات المصفوفة كعلب أدوية، مساحيق وحبوب وأشربة تحمل "العلاج" للمرضى القادمين من العالم "الصحيح"، ويبدو الباب الرئيسي للبار على هذه الشاكلة، مدخل لعالم آخر، تضع/ين عنده آراءك في السياسة والدين، ولا بأس أن تضع/ي أيضاً حساسيتك من الآخر، فأنت الآن في مطهر الكحول، حيث لا حاجة لحمل كل تلك الأعباء "الشخصية" الثقيلة.

ترتيب الفوضى الشخصية

يقول سيلفان إنه جاء إلى المهنة من باب الحصول على نقود لتمويل دراسته، لكنه انجرف كعاشق خلف الزجاجات وأسرارها، يقول إن لكل نوع كحول لغته الخاصة، مفرداته، لجامه الذي يشتدّ ويرتخي بحسب الكمية، ومهمته، كبارمان جيد، أن يتكلم مع الزبون وأن يستمع إليه، ليعرف ماذا يمكن أن يعطيه ليخفف عنه، هو القادم من يوم مرهق وعائلة متعبة ومدينة منتهكة كبيروت.

لا أحد يولد ليصبح نادلاً أو ساقياً بالتأكيد، هي ليست من تلك الوظائف التي يمكن أن تقع في غرامها عن بعد، لكن ما إن تنخرط في يومياتها ودقائقها حتى تجد نفسك متعباً لكن سعيداً بالأوقات اللطيفة والممتعة والصاخبة التي توفرها لك

يبدو البارمان متغطرساً بالتأكيد أمام هذا الكم من المعرفة بأسرار الكحول التي يمتلكها أي بارمان جيد، لكنها نوع ساحر من الغطرسة، غطرسة بدون أحكام، غطرسة الكأس ومكعبات الثلج، أو ربما غطرسة الصديق الذي يأتي عندما نريد ثم يتلاشى كقطعة الثلج تلك.

ومهنة البارمان تحتاج لهذا النوع من الغطرسة، لأن الناس يحبون أن يتولى أحد آخر مهمة الاختيار عنهم، كيف تستطيع أن تقرر أي نوع بيرة تريد أن تشربه مما يقارب الألف ماركة؟ يتولى سيلفان ذلك دون تذمر، ينصح بهذا أو ذاك، حسب الفراسة التي اكتسبها من خبرته بالناس، بوجوههم/ن، بملابسهم/ن وبكم الأسى أو الفرح البادي على وجوههم/ن.

يبدأ يوم عمل سيلفان قبل افتتاح البار بساعتين، يعيد التأكد من مخزونه الكحولي، نظافة كؤوسه، مخزون المقبلات الخفيفة التي يقدمها مع كل مشروب، الحامض والجزر وباقي العائلة.

في الساعتين الأوليين للافتتاح، وهو ما يعرف بساعات الزحمة أو الهجوم الكحولي للزبائن، يجب على سيلفان أن يكون دقيقاً في توزيع نصائحه، أن يختبر كل النظريات التي يعرفها، أن يطبقها بدقة على القادمين ليعرف إلى أي حد يمكن أن يزيد أو يقلل من جرعة "الشيطان" تلك.

أن تقدم الفرح أو الراحة للناس المتعبين، الإصغاء لمن يفتقدون الصداقات، النسيان لمن يمتلئ صدره بالمشاعر الغامضة، وأن تشاهد العلاقات تتشكل أمامك، ثم تخرج إلى فضاء المدينة الذي يفتقد للحب، يمثل جزءاً من المكافأة التي يحصل عليها البارتندر آخر يوم العمل، بالطبع مع بعض المال

لا أملك الوقت الكافي لأشرب كأسي الأولى، يقول، كنت في السنوات الأولى للعمل أبكي بمفردي من ألم الوقوف، بعض البارمانية ينهارون تحت ضغط العمل وساعات الزحمة "الكحولية"، "مرات أشعر أن كل بيروت جاءت دفعة واحدة إلى حيث أعمل، لتشرب الكحول"، يقول سيلفان، متأملاً تركه لهذه المهنة المتعبة والمبهجة معاً.

يكتسب البارتندر، بالإضافة لكل ما سبق، معرفة بالجديد في عالم الكحول والموهبة في المزج والخلط بين الأشربة المختلفة، والرغبة بالاستماع وبناء علاقة جيدة مع الزبائن، ينطوي عمله على نوع من "الشو" الاستعراضي الذي يجذب الزبائن ويجعلهم/ن يستمتعون/يستمتعن طوال سهرتهم/ن، بعض السقاة يقومون/يقمن بحركات استعراضية وهم/ن يمزجون/يمزجن الأشربة المختلفة، وبعضهم/ن، وهو ما يفضله سيلفان "الكلاسيكي"، يقومون/يقمن بتقديم المشروبات الاعتيادية دون الحجم الإضافي من "الأفورة" والرقص.

لا أحد يولد ليصبح نادلاً أو ساقياً بالتأكيد، هي ليست من تلك الوظائف التي يمكن أن تقع/ي في غرامها عن بعد، لكن ما إن تنخرط/ي في يومياتها ودقائقها حتى تجد/ين نفسك متعباً/تاً لكن سعيداً/ةً بالأوقات اللطيفة والممتعة والصاخبة التي توفرها لك.

أن تقدم الفرح أو الراحة للناس المتعبين، الإصغاء لمن يفتقدون/يفتقدن الصداقات، النسيان لمن يمتلئ صدره/ا بالمشاعر الغامضة، وأن تشاهد/ي الثنائيات تتشكل أمامك، ثم تخرج/ين إلى فضاء المدينة الذي يفتقد للحب، هذا يمثل جزءاً من المكافأة التي يحصل عليها الساقي آخر يوم العمل، بالطبع مع بعض المال لتصريف الحياة الصعبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard