"متكسفش أبقى عبيط قدّامها"... كيف تغيّرت نظرتي إلى الزواج؟

الأربعاء 6 أكتوبر 202107:23 ص

قبل أيام، جمعتني جلسة مع زملاء وزميلات، ودارت الأحاديث حول الزواج، ومواصفات شريك الحياة. الجميع قالوا ما يريدونه، ويتمنّونه. وحين جاء دوري، قلت: "متكسفش أبقى عبيط قدّامها". تلك الإجابة، لم تكن غريبة بين الآراء التي استمعت إليها، والتي تميّزت بالبُعد عن النظرة المثالية "السطحية"، أحياناً، إلى الزواج. ربما ذلك نتيجة لتفكيرهم، أو ربما لأنهم مثلي، تخطوا سن الثلاثين، فنضجوا، وشتّان بين إجابتي الآن، وإجابتي قبل خمس سنوات.

نعم، في العشرينات من عمري، نظرت إلى الزواج على أنه غايةٌ يجب إدراكها، ومن لم يستطع الوصول إلى غايته، فهو إنسان فاشل، ولذلك عددته إنجازاً يجب تحقيقه، لأعيش دورة الحياة السوية، دراسةً، وعملاً، وزواجاً، وإنجاباً، فكل خطوة لا تنفصل عن الأخرى، ولا أعرف من أقنعني بأن تلك الدورة وصفة للسعادة!

في العشرينات أيضاً، نظرت إلى شريكة الحياة على أنها المرأة التي سأشعر بها، وأقول لها أحبك، وترد لي الكلمة، وهذا كاف جداً للعيش معاً، كما أرى في الأفلام الرومانسية، من دون التفكير في أي طباع قد تُنهي هذا الحب. سأحتضنها فحسب، ونشاهد التلفاز في بيت أنيق فيه شاشة عملاقة، حتى لو لم أسأل نفسي: هل سأتمكن من شراء تلك الشاشة أصلاً؟ المهم، أن قول كلمة "أحبك" كمقياس، كافٍ جداً للسعادة. وعلى الرغم من يقيني حتى الآن بذلك، لكن ما تغيّر، هو أن ما يجعلني أحب امرأة الآن، مختلف تماماً عن السابق.

في العشرينات من عمري، نظرت إلى الزواج على أنه غايةٌ يجب إدراكها، ومن لم يستطع الوصول إلى غايته، فهو إنسان فاشل

أما الإنجاب، وبعقلية رجل لم يغادر بيت أبيه، فأمر بديهي. سأنجب بعد الزواج، لأنه الخطوة المفروضة، إن أراد الله. صحيح أنه لم تكن لدي رغبة في كثرة الأبناء، لكن لم أشعر أبداً بأنها خطوة يجب حسبانها، وكلمة "أب" ليست أكثر من لقب سأحصل عليه، وأصبح مسؤولاً بعده. لم أفكر يوماً هل أنا قادر على تلك المسؤولية؟

الآن، وبعد سن الثلاثين، كل شيء تغيّر، إذ لم يعد الزواج بالنسبة إليّ، غايةً أسعى إليها، ومنتهى المطاف الذي به ستُحل المشكلات كافة، أو حتى إنجازاً يجب تحقيقه. هو وسيلة للعيش مع من نحب، فحسب، وإطار نبدأ منه حياتنا مع من اخترناه، وتالياً الأهم هو أن نحب، لا أن نتزوج. وفي حالة عدم استخدام تلك الوسيلة، لأي سبب، فهذا لا يعني أي فشل على الإطلاق، كما أنه بإمكاننا عدم استخدامها طوعاً، إن كان هذا يُريحنا.

أما شريكة الحياة، فلم أتخلَّ عن حبها، كشرط أساسي، ولن أفعل. لكن الحب نفسه، تغيّر مفهومه عندي، إذ لم يعد بالنسبة إليّ مجرد إحساس أندفع وراءه مع فتاة تقول لي أحبك، لندندن الأغاني معاً، ونتمشى في الشوارع ليلاً. تلك أمور مطلوبة، ولا غنى عنها. صحيح، لكنها ليست أكثر من زينة تجعل البناء جميلاً. أما أساس البناء نفسه، فتجسد لدي في المرأة التي لا أتحرّج من أن أبدو أمامها "عبيطاً"، من دون أن تستنكر ذلك، وأن أعترف لها بضعفي الإنساني، فتحترم تلك اللحظة، وأن نُعين بعضنا البعض على الحياة، بدلاً من أن نتحول إلى عبء على بعضنا البعض، بالإضافة إلى أعباء الحياة، وأن تُدرك أن زواجنا وسيلة وصلنا بها إلى محطة بعينها، وأمامنا محطات أخرى تستلزم مزيداً من الجهد، للحفاظ على ما وصلنا إليه، فلا داعي لأن يعدّها أحدنا نهاية، ويرمي كل شيء على عاتق الآخر. أريد امرأة أظهر أمامها حقيقياً، وتبدو أمامي بلا تزييف.

بالنسبة إلى الإنجاب، وعلى الرغم من أني لم أغادر بيت أبي بعد، لكنه أصبح خطوة منفصلة تماماً عن الزواج، وتحدياً كبيراً يجب الاستعداد له. فأن تأتي بشخص إلى الحياة، وتُصبح مسؤولاً عنه، تربوياً، ونفسياً، ومادياً، يعني بالضرورة أنك مؤهل لذلك على المستويات كافة، وقادر على الخطوة التي لا عودة منها. وتالياً، فإن الموروثات الاجتماعية كافة، مثل حب الأهل لرؤية الذرية، والرغبة الإنسانية في إيجاد ظل لك على الأرض، ومن يحمل اسمك، وإشباع غرائز الأمومة والأبوة، معايير لا أقلل من شأنها على الإطلاق، لكنها لن تشفع لك إن جئت بطفل، وأنت غير مستعد، أو لا تستطيع تحمل مسؤوليته، لأنه وقتها، ستكون قد جنيت عليه من دون ذنب.

أريد امرأة لا أتحرّج من أن أبدو أمامها "عبيطاً"، من دون أن تستنكر ذلك، وأن أعترف لها بضعفي الإنساني، فتحترم تلك اللحظة، وأن نُعين بعضنا البعض على الحياة، بدلاً من أن نتحول إلى عبء على بعضنا البعض

تلك النظرة إلى الزواج والإنجاب، بعد الثلاثين، بالطبع جعلت الأمور بالنسبة إليّ أصعب، ومخاطرة غير مأمونة العواقب، مهما كانت قدرتي على الاختيار، وهذا ما شاركني فيه زملائي في تلك الجلسة. أما الزميلات، وعلى الرغم من حديثهن عن معايير مختلفة، كونهن إناثاً، إلا أنها ضمن الإطار نفسه؛ البُعد عن السطحية، والبحث عن إنسان يؤمن بأن الزواج وسيلة، وأنه يجب ألا نخشى من إظهار حقيقتنا أمام من يشاركوننا الطريق، وبسبب هذا، رفضن الكثير، وأجّلن خطوة الزواج حتى الآن.

تلك الرؤية، تُفسر لماذا تراجعت عقود الزواج في مصر، بنسبة 5.6%، في عام 2020، كما أوضحت الأجهزة الرسمية. فمن ناحية، متوسط سن الزواج للرجل مثلاً، ارتفع خلال السنوات الماضية إلى 30 عاماً، وتالياً بات معظم شبان مصر لهم متطلبات مختلفة عما كانت لديهم في العشرينات، وهذا يجعل الاختيار صعباً، والإقدام على الزواج أقل. وبالنسبة إلى النساء، لم يختلف الأمر، فكلما كبرن، صارت طلباتهن أصعب، وأدق، وهذا ما يجعل أيضاً نسب تراجع عقود الزواج، ظاهرةً صحية، لأنها تعني أن لدينا كثيرين قد اقتنعوا مثلي بأن الزواج وسيلة لا غاية، ولم تعد لديهم مشكلة في ألا يستخدموا تلك الوسيلة، طالما ليست مع الشخص المناسب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard