"احذروا الزواج المدني فقد تتحولون إلى كفرة وشياطين"

الأربعاء 28 أكتوبر 202012:49 م

هناك فرق كبير بين أن يلتزم الإنسان بالتعاليم الدينية وبين أن تفرض عليه قسراً، ويجبر على القيام بما لا يؤمن به. ومن المنطقي أن يكون اكتمال الإيمان بشريعة ما رهيناً بوجود نيّة داخلية لتنفيذها (إنما الأعمال بالنّيات).

لكن مجتمعنا الديني وبلادنا الإسلامية مازالت تفرض بقوة تنفيذ الشرائع الدينية على مسلميها سواء أحبّوا ذلك أم لم يفعلوا. ومازالت هذه القيود المفروضة تتحكم في حياتنا وتسيّرها لا بل وتشكّل مواقفنا من الأشخاص والحياة، ولا نستطيع الهرب منها دائماً، بل تبقى تحاصرنا في مواقف كثيرة.

وكما أنه لا تترك لنا الحرية في اختيار ديننا حين نولد؛ أيضاً لا تُترك لنا الحرية بتنفيذ ما نقتنع به من تعاليم هذا الدين، بل نُكرَهُ على ذلك أحياناً، فنُكبّل بسلاسلها، ونتحملُ نتائجها السلبية على حياتنا.

اليوم في القرن الواحد والعشرين مازال حتى الآن موضوع بسيطٌ كالزواج المدني ممنوعاً في سوريا وبلدان أخرى أيضاً، ويُفرض على بنات المسلمين عدم الزواج من ذكور ينتمون لدينٍ آخر وكأنهم بذلك سيتحولون إلى كفرة وشياطين! ويتناسى معارضو الزواج المدني أن الأديان كلها قامت على الدعوة إلى المحبة والإنسانية وتوحيد الله والأعمال الخيّرة وعدم الأذية، فما الفرق إذاً؟ في طرائق التنفيذ؟! أليست كل الطرق تؤدي إلى الله؟ إن كانت كلها تؤدي إلى روما الصغيرة، فكيف لا تصل كلها إلى الإله؟ إذاً لا داعي لإقامة الجدران والأسوار العالية بين دين وآخر، ولا داعي لرسم متاهة مختلفة لكل دين، ومن ثم تترك الشعوب تتعارك لاختيار كل منهم متاهته الخاصة، وهي كلها توصل إلى النهاية ذاتها (الله). أليس هذا كله يصب في مصلحة من يريد السيطرة على الشعوب، على مبدأ (فرّق تسدْ)؟

من غير المعقول أن تتحكم القوانين في حياتنا الزوجية أيضاً وفي مشاعرنا وميولنا، وكأنهم يقولون للفتيات يُمنع عليكن أن تعشقن أي رجل من دين آخر، وإن ظهر أي ميل لديكنّ لأحدهم عليكنّ أن تكبتنَه وتقمعنَه وتوجهنَه إلى مكان آخر! هكذا الأمر! بدل أن يشجعوا الناس على المحبة والعلاقات السوية!

يتناسى معارضو الزواج المدني أن الأديان كلها قامت على الدعوة إلى المحبة والإنسانية وتوحيد الله والأعمال الخيّرة وعدم الأذية، فما الفرق إذاً؟ في طرائق التنفيذ؟! أليست كل الطرق تؤدي إلى الله؟

وإن صادف ووُجدَ بعض المتمردين على هذا القيد، فإنهم يدفعون ثمن تحديهم لهذا الواقع. كـ سلوى الفتاة المسلمة التي أحبّت شاباً مسيحياً ضاربةً بعرض الحائط العادات والتقاليد، ومتحديةً مع حبيبها الجميع حتى تزوجا ولكن من دون تسجيلٍ لزواجهما في المحكمة، بل أُجِّلَ ذلك حتى يستكمل أوراق اعتناقه الإسلام، إلا أنه وبعد ولادة ابنه بأقل من شهرين - والذي لم يرَهُ إلا من خلال الصور والفيديوهات بسبب ظروف عمله القاسية – توفي في إحدى التفجيرات الكثيرة التي تحدث في البلاد. وبعد الوفاة بمدة قصيرة عادت المشاعر الطائفية التي كانت مخبأة تطفو على السطح؛ حين أعلنت أمه على مسمع الجميع والذين يعرفون بزواج ابنها: (ابني غير متزوج!)، حيث أرادت الحصول على التعويض المادي الذي ستمنحه الحكومة لعائلته، وأيضاً لأنها وجدت نفسها غير مضطرة بعد الآن لتحمل زوجته المسلمة والتي قبلت بزواجها من ابنها إرضاءً له فقط!

في مجتمعاتنا هذه تعود الفتاة بمثل هذه الحالة إلى بيت أهلها مع طفل من دون هوية؛ لأن الدولة لا تسمح بتثبيت هذا النوع من الزواج، ولأنها لا تعطي الحق للأم بمنح اسمها لولدها – كما في بلدان عديدة أخرى كذلك – ولكن ما ساعد سلوى هذه المرة هي أوراق اعتناق زوجها للإسلام والتي كاد أن ينهيها قبل وفاته، وبعد سنتين من المحاكمات القضائية استطاعت تثبيت الزواج والاعتراف بابنها في سجلات الدولة كولدٍ منتسبٍ إلى أمٍّ وأبٍ سوريين.

ألا يكفي أن نكون سوريين حتى يحق لنا الزواج من بعضنا البعض بغض النظر عن الأديان؟! هل لزاماً على كل مسيحي أراد الزواج من مسلمة أن يغير دينه إرضاء للقوانين؟! بينما الجميع يعرف، وحتى القانون نفسه، أنه لن يعتنقه في قلبه وإنما فقط ورقياً، فلماذا تشجيع الناس على التظاهر بغير الحقيقة؟ وبأي حقٍّ يُفرض على الرجل تبديلَ قناعاته، وتغيير دينه الذي لم يختره في المرة الأولى حتى، والآن يُفرضُ عليه في المرة الثانية أيضاً؟

لماذا يحق للمسلمة السورية/ العربية الزواج من مسلم في أي دولة أخرى ولا يحق لها الزواج من مسيحيٍّ يكون جارها لعشرين سنة وابن مدينتها أو بلدها؟ أليست عادات المدينة/الدولة الواحدة وتقاليدها أكثر قرباً من عادات الدين الواحد في دول العالم المختلفة؟ من المعروف جداً أن الناس يمتلكون طباعاً وعادات مشتركة مع جيرانهم من الأديان الأخرى أكثر بكثير من الطباع المشتركة مع المسلمين في العالم.

لقد حان الوقت ومنذ زمنٍ طويل أن نتجاوز عقبة الزواج المدني، والتي بات من المخجل أننا في سوريا لا نملك بعد هذا الحق، وهي الدولة التي تنادي بالحرية والثقافة والتحضر! عن أي حرية وحضارة وثقافة نتحدث إذاً مادام موضوع الزواج المرتبط بحياتنا الشخصية، مازال حبيس مفاهيم دينية يمكننا بكل بساطة تحويلها لتخدم المحبة والإنسانية؟

لماذا يحق للمسلمة السورية/ العربية الزواج من مسلم في أي دولة أخرى ولا يحق لها الزواج من مسيحيٍّ يكون جارها لعشرين سنة وابن مدينتها أو بلدها؟ أليست عادات المدينة/الدولة الواحدة وتقاليدها أكثر قرباً من عادات الدين الواحد في دول العالم المختلفة؟

في بلدٍ باتت تملؤه الجرائم والسرقات والخيانة وكثير من المحارم الدينية، مازال الزواج خارج إطار الدين الواحد جريمة كبرى ومعضلة لا حلّ لها! إلى متى ستبقى الفتيات يدفعنَ ثمن مشاعرهن وعواطفهن التي خرجت عن إرادتهن وإرادة مجتمعهن، بينما الحلّ موجود أمامنا لكننا لا ننفذه؟ ومن غير المنطقي أنه كلما أراد اثنان الزواج زواجاً مدنياً أن يغيّر أحدهما دينه أو يسافرا إلى دولة أخرى لتثبيت زواجهما ثم العودة إلى الوطن؛ هذا أمر مخجلٌ حقيقة؛ إنه كمن يذهب إلى بيت جاره ليستعير معولاً لأن والده خبّأ معولهم في المنزل كي لا يفلّ!

في الواقع أن تشعر أن هناك عنصراً خارجياً يتحكم في حياتك الخاصة هو أمر غير محتمل، ومرفوض، ولا أحد سيقبل أن يمنع قانون ما زواجه من شخصٍ يحبه، ألا يكفيه المجتمع المحيط الذي لا يملّ من تداول سيرته حتى إشعار آخر مندداً بما قام به، وكأنه على كل فرد أن يأخذ موافقة الناس حين يريد الزواج من شخص منتمٍ إلى دين مغاير، أيضاً تأتيه القوانين الجامدة لتقفَ في طريقه؟!

من الضروري دائماً ألا ينصّبَ أحد نفسه وصياً على الآخرين، وليتذكر المتعصبون لتطبيق الشريعة أنه (لا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى) فنحن من نتحمل نتيجة أفعالنا والله يقرّ بذلك، لذا لا داعي لأحد أن يجعل نفسه خليفة الله على الأرض ويفرض على الآخرين الالتزام بما يراه هو مناسباً من الشرائع الدينية.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard