في الذكرى الثالثة لاغتيال خاشقجي... خديجة جنكيز تقاتل وحيدة من أجل الحقيقة

السبت 2 أكتوبر 202105:40 م

يصادف الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الجاري الذكرى الثالثة لمقتل الكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي عام 2018 في قنصلية بلاده بإسطنبول، بطريقة "بشعة" لا يزال مرتكبوها بعيدين عن أيدي العدالة التي يقاتل من أجل تحقيقها قليلون، على رأسهم التركية خديجة جنكيز، خطيبة الراحل.

 كانت خديجة شاهدة على جريمة الاغتيال التي صاحبها تعذيب وتمثيل بجثمان الصحافي الراحل، إذ كانت تنتظره بالقرب من قنصلية السعودية في بلدها، وكانت هي آخر من تحدث إليهم خاشقجي قبل أن يمضي إلى مصيره.

منذ ذلك اليوم سعت جنكيز بلا كلل، إلى تحقيق العدالة لخطيبها الراحل، طرقت كل باب ممكن، من إجراء المقابلات وكتابة الأعمدة إلى طلب المساعدة من السلطات في بلدها (تركيا) والبلاد التي تتمتع بعلاقات ندية مع السعودية، كما لجأت إلى المنظمات الدولية والحقوقية، ومطلبها ظل دائماً هو الكشف عن الحقيقة ومحاسبة المنفذين والمحرضين على قتل خاشقجي الذي عرف بمواقفه المعارضة لولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان.

وفي الذكرى الثالثة لمقتله، شاركت خديجة في وقفة أمام السفارة ‎السعودية بواشنطن، حيث أضاءت الشموع بالقرب من مبنى الكونغرس، وأزاحت الستار عن صورة كبيرة للصحافي الراحل مصنوعة من أوراق الصحف.

خديجة جنكيز: "الشعور بالغثيان الذي لازمني منذ لحظة دخول جمال إلى القنصلية، أشعر به يتزايد في كل لحظة تمر من دون محاسبة قاتله الحقيقي"

عقب مقتل خاشقجي نشطت خديجة سريعاً حتى لا يمر مقتله كقضية اختفاء غامض. تحدثت آنذاك مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، والتقت بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأجرت مقابلات تلفزيونية مطولة وتعاونت في إعداد كتاب بعنوان "جمال خاشقجي: الحياة والنضال والأسرار". كل هذا أسهم في إبقاء قضية خاشقجي على رأس قائمة أجندة الاهتمام الدولية.

لكن السلطات السعودية تحركت سريعاً وبدأت الجيوس الألكترونية والصحف المملوكة لسعوديين أو المتاثرة برأس المال السعودي في مهاجمتها والتشكيك في نزاهتها واتهامها بأنها عميلة مخابراتية تستخدمها قوى معادية للسعودية في تشويه صورة المملكة.

الهجوم المتواصل والحزن على مقتل خاشقجي دفعا خديجة إلى التواري عن الانظار بعض الوقت، حتى أنها رفضت دعوة لزيارة البيت الأبيض في عام 2018، هذا الرفض أسهم في تجاهل الرئيس السابق دونالد ترامب لها عندما عادت إلى معركتها للمطالبة بالعدالة.

كتبت في صحيفة واشنطن بوست الخميس الماضي، 30 أيلول/سبتمبر، مقالاً قالت فيه إنها ما زالت تتذكر تلك اللحظة، عندما كانت تفكر في أسوأ ما يمكن أن يحدث لجمال، وهي تنتظر خارج القنصلية السعودية في إسطنبول. تقول خديجة: "ما شعرت به من قلق وخوف، لا يزال يسكنني حتى اللحظة".

في المقال نفسه، اتهمت خديجة الرئيس الأمريكي جو بايدن وغيره من القادة حول العالم بـ"حلَ محمد بن سلمان من دم جمال خاشقجي". تقول: "الشعور بالغثيان الذي لازمني منذ لحظة دخول جمال إلى القنصلية، أشعر به يتزايد في كل لحظة تمر من دون محاسبة قاتله الحقيقي".

جاءت متأخرة 

ولدت خديجة جنكيز في 6 نيسان/أبريل 1980، وهي من مواليد مدينة إسطنبول التركية. وكانت من بين خمسة أطفال في عائلة محافظة من الطبقة الوسطى.

تلقت تعليمها الأولي في معهد ديني في مدينة بورصة التركية، ثم انتقلت الأسرة في وقت لاحق إلى إسطنبول، واستكملت دراستها الجامعية هناك. وكان والدها، تاجر أدوات مطابخ، وثرياً بما يكفي لدعمها طوال فترة دراستها، التي تضمنت عامين من دراسة اللغة العربية في مصر وفترة في عمان للبحث في أطروحة الماجستير. وهي الآن طالبة دكتوراه تركز على دول الخليج العربي.

تقابلا في حلقة نقاشية، وطلبت منه إجراء مقابلة لم تنشر مطلقاً، لكنها فتحت الباب لمراسلات طويلة بينهما عبر البريد الإلكتروني، دامت شهرين قبل أن يتحول الحديث بينهما من السياسة إلى الحياة الشخصية

كانت جنكيز لاعبة غير متوقعة ومتأخرة في حياة الصحافي السعودي ثم وفاته. تعرف أحدهما إلى الآخر قبل خمسة أشهر فقط من مقتله، لكنهما كانا على وشك إتمام زواجهما حين قررت السلطات السعودية التحرك لقطع لسان خاشقجي بأقسى طريقة ممكنة.

قابلت جنكيز خاشقجي في أيار/مايو 2018، وهو نفس العام الذي اغتيل فيه. إذ تقابلا في حلقة نقاشية، وطلبت منه إجراء مقابلة لم تنشر مطلقاً، لكنها فتحت الباب لمراسلات طويلة بينهما عبر البريد الإلكتروني، دامت شهرين قبل أن يتحول الحديث بينهما من السياسة إلى الحياة الشخصية، خلال لقائهما في تموز/يوليو التالي.

 تحكي خديجة لنيويورك تايمز: "بدأ يخبرني كيف كان وحيداً وكيف كان غير سعيد. أتذكر ذلك، لقد كنت مندهشة للغاية. فجأة، رأيت إنساناً مختلفاً تماماً، ثم بدأ حوار خاص ومباشر".

طور الاثنان علاقة عاطفية عميقة، مع شغف مشترك بالسياسة والشؤون الدولية والعدالة في العالم العربي. وبعد أسبوع من لقائهما في إسطنبول، طلب منها الزواج، فقبلت.

 كشف صديق مقرب لخديجة وخاشقجي أن والدها كان يعارض علاقتهما في البداية بسبب فارق السن الكبير الذي يبلغ 22 عاماً. ومع ذلك، وافق والدها في النهاية على علاقتهما.

"جمال لن يعود إليّ، ولن نتمكن من مواصلة حياتنا معاً. لكن هناك بعض الأمل للسجناء السياسيين الآخرين في السعودية"

 في تصريحاتها ومقابلاتها السابقة، تحدثت جنكيز مراراً عن التوافق الفكري بينها وبين خاشقجي، وتبادلهما وجهات النظر والآراء حول الشؤون الجارية ومختلف الموضوعات الأخرى.

 وفقاً للتقارير، ذهب جمال وخديجة معاً إلى القنصلية السعودية في إسطنبول للحصول على المستندات المتعلقة بإثبات طلاق السابق من زوجته الأولى، إذ تحظر القوانين التركية الجمع بين زوجتين.

وبحسب الشهادات القانونية المسجلة، انتظرت خديجة أكثر من 10 ساعات خارج القنصلية على الرصيف، وأخطرت السلطات المختصة، وعادت في صباح اليوم التالي عندما لم يعد خطيبها.

وقالت جنكيز عن نضالها المستمر: "جمال لن يعود إليّ، ولن نتمكن من مواصلة حياتنا معاً. لكن هناك بعض الأمل للسجناء السياسيين الآخرين في السعودية. من المهم أن تواصل وسائل الإعلام الدولية تسليط الضوء على هذه القضايا".

 وتعلق نيويورك تايمز قائلة إن خديجة مصممة على الاستمرار في المطالبة بإعلان الإجابات المتعلقة بمقتله. وقالت إنها تريد "إلقاء الضوء على المجهول الكامن وراء هذه القضية، لمنع حدوث مثل هذا الأمر مرة أخرى".

 وكتبت جنكيز في مقالها الأخير بصحيفة واشنطن بوست: "كم هو مروع معرفة أن قاتل جمال أفلت من العدالة. لقد منح العالم عفواً وتصريحاً بمواصلة القتل لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي أصبح الآن أكثر جرأة وأكثر خطورة. ربما تكون إدارة بايدن قد رفعت السرية عن تقرير استخباراتي قال إن محمد بن سلمان ‘وافق‘ على اغتيال جمال، لكنها رفضت معاقبته مباشرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard