"العدالة لأهلنا والحرية للمعتقلين"... أخت لجين الهذلول وخطيبة جمال خاشقجي تتحدثان لرصيف22

الاثنين 2 ديسمبر 201908:47 م
Read in English:

Justice And Freedom: Still Unattainable For Saudi’s Eternal Heros

من الصعب أن تفقد إنساناً عزيزاً عليك، ومن الصعب أكثر أن يكون هذا الفقد بسبب العمل الذي يقوم أو تقوم به، أو القيم التي يؤمن أو تؤمن بها، فيتحول الأهل والأقارب والزملاء إلى شعلة من الغضب في طريق البحث عن الحرية والعدالة والتغيير.

صحفيون ومدونون، خسروا حياتهم أو حريتهم وهم يعبّرون عن آرائهم، يكشفون ملفات للفساد، يطالبون بالحريات وبالديمقراطية، أو يطالبون بحقوق إنسانية بسيطة، لهم ولغيرهم.

مئات يقبعون وراء القضبان في البلدان العربية، لمجرد منشور على حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، أو مقال صحفي أو تحقيق صحفي خالفوا فيه توجهات السلطات، أو أثاروا غضب مسؤول هنا أو هناك، وقد يكون مصيرهم الموت أيضاً.

تفاصيل مريعة تابعناها على مدار أسابيع العام الماضي، عن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، في سفارة بلاده في إسطنبول، لأنه كان يمتلك أفكاراً وآراء تختلف عن تلك التي تتبناها العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، التي تدير البلاد.

جمال لم يكن الوحيد الذي دفع قيمة اختلاف أفكاره ودفاعه عنها في السعودية، فعشرات من رجال الدين والناشطين والناشطات لا زالوا في السجون، وتعرضوا للتعذيب ويواجهون محاكمات قد تصل أحكامها إلى الإعدام أو السجن لسنوات طويلة.

اجتمع في جامعة هيرتي في برلين مؤخراً، عدد من أهالي هؤلاء الصحافيين والمدونين الذين دفعوا، ولا زالوا يدفعون، ثمن التزامهم بعملهم الصحافي ورسالتهم الصحافية، بالإضافة إلى آرائهم السياسية والاجتماعية، إلى جانب صحفيين ألمان في ندوة نقاشية تحت عنوان: "حرية الصحافة في أزمة في أوروبا والعالم العربي".

شارك في الندوة، الباحثة والكاتبة خديجة جنكيز، خطيبة الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والتي تدير حملات للكشف عن تفاصيل التحقيق في قضيته وتحقيق العدالة، بالإضافة إلى ماثيو كاروانا غاليزيا، وهو صحفي تحقيقات، قُتلت أمه الصحافية المالطية، دافني كاروانا غاليزيا، في العام 2017، بعد أن كشفت الكثير من ملفات الفساد في بلادها، إلي جانب كاتيا غلوغر، وهي المتحدثة باسم منظمة "مراسلون بلا حدود"، فرع ألمانيا، ولينا الهذلول الناشطة في مجال حقوق الإنسان والمعروفة بدفاعها عن إطلاق سراح شقيقتها لجين، المحتجزة في المملكة العربية السعودية، بسبب نشاطها في المطالبة بحقوق المرأة، بالإضافة إلى فرانك بلاسبيرج، أحد أبرز صحفيي التلفزيون في ألمانيا. وهو يدير منذ العام 2001، برنامجاً أسبوعياً للحوارات السياسية على شاشة التلفزيون الألماني.

حرية التعبير في خطر

ماذا تعني حرية التعبير لهؤلاء الذين فقدوا عزيزين عليهم بسبب القمع المتواصل لحرية التعبير؟

قال كاروانا غاليزيا: "نحن نعيش في بلد أوروبي (مالطا) يملؤه الفساد، ودور الصحافيين هو الكشف عن هذا الفساد، ولكن لعدم تواجد البيئة لحرية الصحافة والتعبير في البلاد، كانت والدتي دافني هي الوحيدة التي تقوم بهذا العمل، فكان الخيار إما أن ترحل هي أو يُحاسب الفاسدون، لذلك قرروا أنه يجب أن تُقتل".

وأضاف: "نحن بحاجة إلى التأكد بأن لا يقتل أي صحفي يعمل ويغطي قضايا الفساد، يجب أن يتوقف ذلك الآن"، ويقول: "كانت أمي على حق عندما قالت إن في مالطا لا توجد خطوط حمراء، نعم لم يمنعهم شيء من قتلها".

وشرح غاليزيا: "وأنا أكبر، كولد لسيدة أمضت 30 عاماً من حياتها في مجال الصحافة، شهدت تعرض منزلنا للحرق، إطلاق النار على كلبنا، وغيرها من الأشياء التي كانت من الواضح أنها استهداف لعمل أمي في كشف ملفات الفساد".

وبينت كاتيا غلوغر أن مؤشر حرية التعبير الذي تطلقه منظمة "مراسلون بلا حدود" يزداد قتامة كل عام، ويستمر قتل الصحافيين بسبب قيامهم بعملهم، وهذا أمر مؤسف، على حد تعبيرها ومخيف.

رفض فرانك بلاسبيرج مقارنة الوضع في ألمانيا مع الدول الأخرى التي يتعرض فيها الصحافيون للقتل والتعذيب والسجن بسبب قيامهم بعملهم، ولكنه قال: "نحن مهددون من وسائل التواصل الاجتماعي، هنا الأخبار الكاذبة التي تغزو عملنا، وتشكل تحدياً جديداً بالنسبة لنا، لذلك أنا أرفض التعامل مع أي بريد إلكتروني، أو حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى ضيف في البرنامج، لا يريد الكشف عن هويته صراحة".

أما لينا الهذلول فقالت بأن "الوضع في السعودية يتلخص في أنه لا يمكن لأحد الإدلاء برأيه إذا كان مخالفاً لرأي السلطات، فيومياً هناك اعتقالات لأي شخص يبث أي آراء أو معلومات لا تريد الدولة لها أن تكون بمتناول الرأي العام، لذلك فليس هناك متنفس حالياً".

هل يُفضل السكوت في مثل هذا الواقع؟

كان من الصعب على لينا الهذلول الحديث عن وضع أختها لجين، التي اعتقلت لمطالبتها بإلغاء ولاية ولي الأمر على النساء السعوديات، وكذلك السماح للمرأة بالقيادة، حيث تم اعتقالها قبل فترة قليلة من إصدار السلطات السعودية تعليمات بالسماح للمرأة السعودية بقيادة سيارة، وكذلك السماح لها بالسفر واستخراج الوثائق الرسمية دون الحاجة لولي الأمر، وهي المطالب التي طالبت بها لجين وأخريات يقبعن جميعاً خلف القضبان اليوم.

قالت الهذلول: "عندما اعتقلت أختي، لم توجه لها أي تهمة لمدة 8 أشهر، كما أنها تعرضت للتعذيب في الأشهر الأربعة الأولى، لأن العائلة فضلت السكوت وعدم الحديث عن الاعتقال، ولكننا اكتشفنا أن السكوت ليس مفيداً في هذه الحالات ومع هكذا سلطات".

تضيف لينا الهذلول: "ثم تم توجيه تهم للجين بالإرهاب والخيانة والتعامل مع الخارج، وعندما بدأت محاكمتها تم تغيير التهم لتتمحور حول نشاطها النسوي ومطالبها بحقوق النساء في السعودية، بالإضافة لعملها في الأمم المتحدة، ثم نفاجأ بوقف المحاكمة في نيسان/ أبريل 2019، ولا نعلم ما هو مصيرها الآن، فهي في سجن انفرادي منذ عدة أشهر، ويُسمح للعائلة بزيارتها مرة في الشهر، كما يسمح لها باتصال واحد أسبوعياً، ولكنها لا تزال مقيدة".

خديجة جنكيز، خطيبة الصحافي السعودي جمال خاشقجي قالت: "رغم أن المحاكمة بدأت للأشخاص المتهمين بقتل جمال، إلا أن لا شفافية في المحاكمات ولا أعلم ما الذي سيتحقق من ورائها، أنا اليوم بانتظار نتائج التحقيق التركي الجاري في القضية كي نعرف ما هي الخطوات القادمة التي سنتخذها".

تشارك جنكيز في ندوات وحملات في مختلف أنحاء العالم لإبقاء قضية خاشقجي، التي حازت على اهتمام كبير على المستوى السياسي والإعلامي في الأشهر الأولى من القضية، حاضرة في الأذهان، وقالت: "مشاركتي في كل هذه الفعاليات والمؤتمرات والبرامج هي لإبقاء صوت جمال حاضراً ولإبقاء قضيته حاضرة في أذهان العالم، ورمزاً لحقوق الإنسان وحرية الصحافة في العالم العربي والشرق الأوسط".

فيما يقوم ماثيو كاروانا غاليزيا بالأمر ذاته، فهو يقود حملة لحصول أمه على العدالة والوصول إلى الجهة التي تقف خلف قتلها، وقال: "لا أعلم إن كنت أستطيع العودة للعمل كصحافي بعد ما حدث لوالدتي، فوقتي كله تستهلكه الحملة من أجل العدالة لأمي، سأحب العودة للصحافة ولكن ليس في هذا الوضع وتحت هذه الظروف".

تشارك خديجة جنكيز في ندوات وحملات لإبقاء قضية خاشقجي، التي حازت على اهتمام كبير على المستوى السياسي والإعلامي في العالم، حاضرة في الأذهان، وقالت: "مشاركتي في كل هذه الفعاليات هي لإبقاء صوت جمال حاضراً"

قالت لينا الهذلول، أخت لجين، بأن "الوضع في السعودية يتلخص في أنه لا يمكن لأحد الإدلاء برأيه إذا كان مخالفاً لرأي السلطات، فيومياً هناك اعتقالات لأي شخص يبث أي آراء أو معلومات لا تريد الدولة لها أن تكون بمتناول الرأي العام"

ماذا يُرضي الأهالي؟

اختصرت لينا الهذلول جوابها لرصيف22 بـ: "حرية أختي هو ما يرضيني".

أما خديجة فقالت: "لن يكون هناك شيء يرضيني، لأن جمال لن يعود، فهو كان بالنسبة لي شيئاً كبيراً جداً، ليس خطيباً فقط، أنا أعتقد أن العالم العربي والإسلامي فقد شيئاً كبيراً بفقده جمال، لن يأت شخص مثله، وبعد هذا الفقدان، لا شيء يرضيني ويطمئنني ويريحني، ولكن تحرير سجناء الرأي في المملكة العربية السعودية، وهو الأمر الذي كان يطالب به جمال نفسه، يرضيني، كما أنه كان صوتهم، وكان يتعذب لأنه لا يستطيع مساعدتهم، رغم أنه كان يحاول بصوته وقلمه أن يثير الرأي العام العالمي حول قضيتهم، ولهذا قتلوه".

وتضيف: "أتمنى أن تبقى قضية جمال كرمز حتى لا ينسى العالم كيف يموت الصحافيون من أجل آرائهم، وألا تمر الحادثة كقضية عابرة، وأن تبقى هذه الذكرى للأجيال المقبلة".

وعما سيرضيه قال ماثيو كاروانا غاليزيا: "العدالة لأمي، وتحقيق عادل في قضيتها، نحتاج لمؤسسات تعمل بنزاهة وشفافية وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق، والأشخاص المسؤولين عن قتل والدتي والمتسترون عليهم لا يزالون في السلطة".

ويواصل: "لا يزال الناس في مالطا يتظاهرون للضغط على السلطة السياسية، والمطالبة الآن باستقالة رئيس الوزراء، وأنا أعتقد أنه المطلب الصحيح في هذا الوقت، ولو تحقق ذلك سيكون لدينا نافذة وفرصة أكبر مما كان لدينا في السابق، والتي من خلالها نستطيع تغيير مستقبل بلادنا".

ويختتم حديثه لرصيف22، قائلاً: "قتلوا والدتي، فهي لن تعود إلى الحياة، ومالطا تقبع تحت نظام فاسد جداً، ونتمنى من أوروبا كسلطة سياسية أن تطور قوى جديدة، بحيث يكون مصممة لمنع وقوع مثل هذه الثغرات التي تحول بلاد كاملة لبؤرة فساد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard