العلاج بالطب النبوي... "بيزنس" جديد في المغرب

الجمعة 1 أكتوبر 202101:25 م

يشترك معتنقو الأديان السماوية في الاعتقاد باشتمال نصوصهم المقدسة على القدرة على شفاء العديد من الأمراض المستعصية، بمجرد تلاوة مقاطع منها على المرضى، أو على سوائل يشربونها، كما هو الشأن بالنسبة إلى الصيغة المعدلة لهذا الاعتقاد في الإسلام، والذي يطلقون عليه "طباً نبوياً".

وقد يجد المرء نفسه في المجتمعات الإسلامية التي ما زالت تعتقد في هذا النوع من الطب، مُتهماً في دينه وعقيدته، بمجرد التشكيك في فعاليتها الطبية، حتى ولو لم تتبين حدود الطب والدجل في هذا الطقس الذي تزايد الاعتقاد فيه داخل الأوساط الشعبية وحتى "الراقية" في المغرب.

سماسرة الإعجاز العلمي

ومن أطرف الكتب التي تناولت هذه الظاهرة، كتاب "وهم الإعجاز العلمي في القرآن"، للباحث المصري خالد منتصر، الذي تطرق باستفاضة للعديد من الظواهر والطقوس التي يربطها مستعملوها بـ"الإعجاز" الذي يحتويه القرآن، أو يتم التقاطه من معطيات السيرة النبوية.

ونعت منتصر هذه الطقوس بـ"طب الدراويش"، الذي اعتبره فرعاً جديداً من الطب، يتميز بأنه يُعادي العلم ويصادق الخرافة. وهذا النوع من الطب أو بالأصح "اللاّطب"، حسب تعبيره، يعشّش في جو تغييب العقل وتخديره، ويفقس ويفرخ وينمو في غياب المنهج العلمي وفقر الروح النقدية.

يشترك معتنقو الأديان السماوية في الاعتقاد باشتمال نصوصهم المقدسة على القدرة على شفاء العديد من الأمراض المستعصية، بمجرد تلاوة مقاطع منها على المرضى، أو على سوائل يشربونها، كما هو الشأن بالنسبة إلى الصيغة المعدلة لهذا الاعتقاد في الإسلام، والذي يطلقون عليه "طباً نبوياً"

ويقول الطبيب ومعد فقرات طبية على مجموعة من القنوات التلفزيونية، إنه في كل مرة "يفاجئنا كهنة ودراويش هذا الطب بموضة جديدة، فمن موضة العلاج بالرقى والتعاويذ، إلى موضة مراكز الحجامة، إلى صرعة علاج فيروس الكبد بالحمام، قبل أن يتفتق ذهن هؤلاء عن آخر موضة لطب الدروشة وهو العلاج ببول الإبل".

وفضح الباحث المختص كثيراً من الأساليب التي يلجأ إليها الدجالون وممتهنو الرقية الشرعية، انطلاقاً من دحض ما أسماه "الإعجاز العلمي في القرآن" الذي يشكّل النقطة التي يتسرب منها هؤلاء، ليؤسسوا طباً بديلاً بدعوى اتصاله بشكل مباشر بالدين. واعتبر منتصر أن إنكار الإعجاز العلمي في القرآن ليس كفراً ولا هو إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة، فالقرآن ليس مطلوباً منه ولا ينبغي له أن يكون مرجعاً في الطب أو رسالة دكتوراه في الجيولوجيا.

نستطيع أن نقول وبكل راحة ضمير، وانطلاقاً من خوفنا سواء على الدين أو على العلم، إن الإعجاز العلمي في القرآن أو الأحاديث النبوية وهم وأكذوبة كبرى يسترزق منها البعض ويجعلون منها "بيزنس"، وأن عدم وجود إعجاز علمي لا ينتقص من قدر القرآن ككتاب مقدس وعظيم.

ويضيف الباحث المصري مدافعاً عن أطروحته قائلاً: "المنتفعون من الإعجاز العلمي يرتكزون على تناولهم للكشوف والتنبؤات العلمية للقرآن بمنهج مقلوب ومغلوط، فنحن ننتظر الغرب الكافر الزنديق حتى يكتشف الاكتشاف أو يُخرج النظرية من معمله ثم نُخرج لساننا له ونقول: كنت سأقولها فهي موجودة عندنا بين دفتي القرآن، ونتهمهم بالغباء والمعاندة والتكبر، مع أن الحقيقة أننا نحن اللصوص المتطفلين على موائدهم العلمية العامرة".

نستطيع أن نقول وبكل راحة ضمير، وانطلاقاً من خوفنا سواء على الدين أو على العلم، إن الإعجاز العلمي في القرآن أو الأحاديث النبوية وهم وأكذوبة كبرى يسترزق منها البعض ويجعلون منها "بيزنس"، وأن عدم وجود إعجاز علمي لا ينتقص من قدر القرآن ككتاب مقدس وعظيم

السلفيون يبعثون الطب البدائي في المغرب

الوجه الآخر لتغلغل فكرة "الطب النبوي" على الأقل في المجتمع المغربي، هو العودة الحثيثة خلال السنوات الأخيرة لما يُسمى الطب البديل، الذي صار مقروناً بممارسة طبية بدائية عتيقة، يتم ربطها ربطا تعسفيا بالسنة النبوية.

ومن مظاهر هذا النوع من الطب هو الخلط الفظيع ما بين الأساليب القديمة في التداوي، والتي كان معمولاً في العديد من المجتمعات والقائمة على فن العطارة المعتمدة على استخدام الأعشاب الطبية في علاج الأمراض العضوية، وبين التداوي بالقرآن والرقية الشرعية والحجامة، التي أخذت منحى أكثر حدة في ظل انهيار المنظومة الصحية التي جعلت الناس يفكرون في العودة، إما عن جهل أو عن فقر، لما كان عليه الأسلاف سابقاً.

وتُعتبر الحجامة من أقدم طرق العلاج التي مارسها المغاربة بدائياً وعادت بقوة إلى الحياة، وفي عدد من المذكرات التي حررها مستشرقون أجانب عن رحلاتهم إلى المغرب خلال القرنين الأخيرين، كتب بعضهم بكثير من السخرية عن عملية الحجامة، وقالوا إنها طريقة غاية في البدائية، وسخروا من الذين كانوا يمارسونها في الأسواق الأسبوعية بانتظام، والذين كان المغاربة عموماً يعتبرونهم "أطباء"، لأنهم كانوا يخلصونهم من آلام كثيرة باستعمال عملية الحجامة التي كانت تتم بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تتم بها اليوم.

المثير بهذا الخصوص أن الحجامة لم تكن معروفة في الأوساط الأوروبية، لكنها تبقى طريقة عتيقة في التخلص من الدم الفاسد الذي يكون في العادة سبباً في الكثير من الأمراض والمضاعفات الصحية الخطيرة التي لم يكن المغاربة يملكون أي دواء لعلاجها.

ومع تقدم الخدمات الطبية بالمغرب، خاصة خلال القرن العشرين وبعد تغلغل الوجود الاستعماري الذي خلف مروره بنية صحية مهّدت للقطع مع أساليب التداوي البدائي الذي كان سائداً، عادت هذه الممارسات من جديد أكثر ضراوة، خلال العقود الأخيرة، خاصة مع تسرب المدّ الأصولي والسلفي الوهابي، الذي يناصب العداء للطب الحديث، لأنه يرى فيه تهديداً لخرافة "الطب النبوي" التي يحاول ترسيخها والدفاع عنها لما فيها من مكاسب مادية ومعنوية.

قبل صحيح البخاري في القرن الثالث الهجري لم يكن أحد يتحدث عن شيء اسمه الطب النبوي، فكان كتاب الطب من ضمن الكتب المكونة لصحيح البخاري، جمع فيها هذا الرجل كل ما كان سائداً في العصر العباسي من خرافات وأساطير وطب أعشاب بدائي جداً، ونسبها للرسول، فاعتبرت سنة وديناً وجب تقديسه

وتكاثرت مراكز الرقية الشرعية والحجامة مثل الفِطر في عدد من المدن المغربية، حيث لا يكاد يخلو حي من أحياء مدن كبرى، مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس وطنجة وغيرها من حواضر المملكة، من مقرات ومحلات، حوّلها أصحابها إلى شبه عيادات خاصة بما يسمى "الرقية الشرعية" أو الحجامة النبوية.

ويحاول أصحاب هذه المحلات فرض سلطة معنوية على مرتاديها، وأغلبهم من النساء المنقبات أو الرجال الملتحين، بإحاطة ممارساتهم العلاجية بنوع من الهالة المقدسة، باعتبارها ممارسة تنحدر من العصر النبوي، الذي صار عصراً له طبه الذي لا يبلى ولا يتجاوزه الزمن، في مواجهة غير متكافئة مع الطب الحديث الذي يصرّ الأصوليون على تتفيهه والتقليل من شأن نتائجه، لأنه يهدد بشكل مباشر مصدر عيش بعضهم واسترزاقهم من تحويل النبي محمد إلى طبيب.

فليعالجوا وباء كورونا

من جانبه، يقول الباحث المغربي رشيد أيلال، في حوار مع رصيف 22: "لا يمكن أن أصف ما يسمى بالطب النبوي إلا بالأكذوبة، فالرسول لم يكن طبيباً، بل كان حاملاً لرسالة الإسلام الدينية، وهؤلاء الذين يتحدثون عن الطب النبوي في الحقيقة هم أنفسهم من رووا أحاديث مثل: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، ورووا عن الرسول أنه إذا مرض يذهب عند أطباء عصره، ولم يكن يداوي نفسه بنفسه.

والأغرب أنهم يعتبرون الحجامة وطب الأعشاب  طبا نبوياً، والدارس للتاريخ يعلم أن الحجامة وغيرها من طب الأعشاب كانتا قبل زمن الرسول بقرون، وليست وحياً إلهياً خاصاً بالرسول، ناهيك عن الخرافات المرتبطة بالطب النبوي، كالتداوي بالإبل وأن الحبة السوداء دواء لكل داء، وإذا كانت كذلك فيعالجوا وباء كورونا بها وليعالجوا السيدا بها وغيرها من الأمراض المستعصية، سيما أنهم يعتقدون أو يريدون للناس أن يعتقدوا بأن هذا الطب النبوي وحي إلهي".

صاحب كتاب "صحيح البخاري... نهاية أسطورة"، الذي صودر في المغرب بحكم قضائي للحفاظ على "الأمن الروحاني" للمواطنين، يقول: "تُجّار الدين ينتفعون مادياً ومعنوياً من ترويجهم لمثل هذه الخرافات، وحيلتهم انطلت على الكثيرين، وبات عامة الناس يلتجئون لشرب بول الإبل، لأن صحيح البخاري أخبرهم أنها من الطب النبوي.

كما أنه قبل صحيح البخاري في القرن الثالث الهجري لم يكن أحد يتحدث عن شيء اسمه الطب النبوي، فكان كتاب الطب من ضمن الكتب المكونة لصحيح البخاري، جمع فيها هذا الرجل كل ما كان سائداً في العصر العباسي من خرافات وأساطير وطب أعشاب بدائي جداً، ونسبها للرسول، فاعتبرت سنة وديناً وجب تقديسه".

 وما زاد الطين بلة، هو ما قام به ابن القيم، حيث ألف كتاباً أسماه "الطب النبوي" جمع فيه كل شاردة وواردة، بل كل الخيالات، فجعل لكل مرض حديث دواء، حتى بعض الأمراض النفسية، بل حتى لسعات العقارب والأفاعي وجميع السموم، وقد يستغرب القارئ لما يجد فيه من الخبل، رغم أننا في القرن الواحد والعشرين، حيث أن الطب والصيدلة والتشخيص تطوروا بشكل مذهل ودقيق، لكن شعوبنا المسلمة ما تزال تقتات على خرافات القرنين الثاني والثالث للهجرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard