من تعوّد على سهولة التنقل في الترام، يستحيل أن يرجع

الخميس 30 سبتمبر 202101:10 م

"إن كنت أسامح وأنسى الأسيّة/ ما أخلّص عمري من لوم عيني/ دبّل جفونها كتر النواح/ فاضت جفونها ونومها راح"

ويقاطع اتّصال صديقتي، شجن أم كلثوم. يرّن الهاتف، والكلمة الأولى التي أسمعها، قبل الـ"ألو": "سيعود". وأقول من؟ وتخفي عنّي أنّ صوتها قد غاب، لأنها كادت تبكي، وتقول: "المخيّم". فأعرف أنّ المكالمة الهاتفيّة التي ستكون مدتها ساعة، و54 دقيقةً، ستكون صمتاً. وعلى الهاتف، لا أجيب حين تسألني على الطرف الآخر صديقتي: "وينك؟"، فأقول في سرّي: "يا حوينة الفستق والبندق، مش على أساس بيحموا المخ"... وأشعر أنّ هزّةً أرضية ضربت دهاليزي، وصوتين يتشاجران؛ الأول: "آن للمخيم أن يعود"، والثاني: "على أيِّ حطام سيفرش الناس الخيبة!"، وتقول صديقتي معلش... فأقول لكن... ثمّ أصمت، وتعوي في داخلي ذئبة، كأنها فقدت ذئاب القطيع كلها.
أقلّب الصور، وأغمض عينيّ، وأقول لا تخافي، ويعود الصوت: "بل خافي". هذا المخيّم ليس شبحاً، بل بقاياكم. فأردّ: لكن لا! نحن تركنا النافذة مفتوحة كي تدخل الشمس، وعلى الرفّ تركنا مارسيل بروست يبحث عن الزمن المفقود، وإلى جانبه أزهار شارل بودلير، وغرفة تخصّ المرء وحده، وتركنا هيروشيما حبيبي، ودموع هاملت، وألفية ابن مالك، وملاحم هوميروس. وعلى الجهة الأخرى، تركت أمّي كلمة "يمّه" المهداة إليها من عمّان، وترك أبي سيچارته، وكتابه الأخضر، والمصحف الصغير، وتركنا الطبخة على النار، والزيت، والزعتر، والجبنة، والمخلل. أقول: تركنا خلفنا دنيا، فيردّ الصوت: "لكنّهم مسحوها".

عاش وسيموت، من دون أن يعرف أن للشمس مهمّةً أخرى، غير تنشيف الملوخيّة، وأخذ مكان الكهرباء في إضاءة البيت، ومن دون أن يصحح له أحد أن النظام الغذائي الذي يتبعه، هو وعائلته، مجبرين، ليس نظاماً نباتياً، كما قال مرة وهو يضحك: "عمّك صار نباتي، كيف بقولوها هاي... فجترين يعني"

وأعود إلى صديقتي، ونحاول أن نضحك قليلاً، وأخبرها على الهاتف أنني أصلاً لن أعود، وأنّ من تعوّد على سهولة التنقل في الترام، يستحيل أن يرجع، ويعتاد على المشي، ونضحك، بل تصير نبرتي جديّةً أكثر: "لا عن جد!! تخيّلي أرجع أتعلّم عن الليرة من أوّل وجديد". وتقول لي: لا تخافي، بل انسي، فهذا زمنٌ آخر بعيدٌ عن زمننا، وأكاد أبكي، وأنا أقول: فهمت قصدك. ونسهر الليل بطوله، وأنا أحكي لها عن عمّي الذي عاد إلى المخيّم: تخيّلي... عاش وسيموت، من دون أن يعرف أن للشمس مهمّةً أخرى، غير تنشيف الملوخيّة، وأخذ مكان الكهرباء في إضاءة البيت، ومن دون أن يصحح له أحد أن النظام الغذائي الذي يتبعه، هو وعائلته، مجبرين، ليس نظاماً نباتياً، كما قال مرة وهو يضحك: "هيه عمّي، عمّك صار نباتي، كيف بقولوها هاي... فجترين يعني".

من يقول له إنّ صديقي الفرنسي الذي يتّبع نظاماً نباتياً في أكله، لديه بدائل النوتيلا، وما يزيد عن عشرة أنواع من البسكويت الخالي من السكر، وشوكولا الكاكاو الخالص، وشاي ماتشا الياباني، وحليب بالبندق، وكوكيز شوفان، وحليب الصويا، وميكس الفواكه المجففة، وعسل المانوكا النيوزلندي.

عمّي العائد إلى المخيّم، يعرف أنّ رغيف الخبز نعمة لا يملكها الكثيرون، وأنّ نظامه الغذائي القائم على الخبز الأبيض، والماء، والملوخية، والبامية، هو نظام غذائي صحّي مئة بالمئة. عمّي الذي سيعود إلى المخيّم، سيظلّ يفتح الشبّاك للشمس كي تنير المنزل، وسيتجمّد في مكانه، لو قلت له: "فلورونس تنتظر الشمس حتى تعمل برونزاج". سيقول حتماً: "ما هذا الترف، وفّروها للضو".
عمّي الذي تهوي الآن على الأرجح حجار السقف من حوله، لا يعرف السينما، ولا المسرح، ولم يذق طعم المثلجات، منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً، ولو تحدثت معه على الهاتف، عن رغبتي السخيفة في أن يأكل عمّي مثلجات آمورينو التي أحبّها، فسيجاملني ويقول: "بالجنة انشالله".
عمّي العائد إلى حيث لا أبواب، لو قلت له إننا ننتظر دقة ساعي البريد، وطلبيات آمازون، وديليفري ماكدونالدز، مؤكد أنه لن يفهم عن ماذا أتكلّم، وسيقول: "عنا الريح بتسفئ الباب سفئ"، وما حاجة الباب إذا لم يكن ثمّة زوار أصلاً؟
ولو قلت إنّ ضجة مكنسة الكهرباء تزعجني، سيتعجب: "وه وه وه، وين صارت الدنيا، حتّى المكنسة صارت تشتغل عالكهربا، والله آخر زمن".
لو حدثته عن برامج سخيفة، وعن مسلسلات، وأغانٍ جديدة، سيقول: "وين أشوف كل هاد، بالنصف ساعة اللي بتجي الكهربا فيها كل يوم!".

"عادي، رح تستحملي رجفة صوتي، لكن يوماً ما، رح يصير في سينما كبيرة في المخيّم، ومكتبة، وسكّة حديد، وقطار. وقبل هذا كلّه، سيكون ثمّة خبز وشمس، وماء، وأبواب، ومفاتيح، ومحل مثلجات…"

يا إلهي... رغبتي التي تخبط قدميها في صدري، تريد أن تصرخ، وتقول للدنيا: أنا عندي عم عائد إلى المخيّم، ولم يعرف بعد، وعلى الأغلب لن يعرف، أننا هنا نحتار في اختيار ماركة المياه، وأن الناس تصنع الحلوى، من شدّة الملل، لا للترف، وللأعياد فحسب، كما يظن، وأن ثمّة جاراً لنا، مشغول الآن بإصدار جواز سفر، للسماح لكلبه بالسفر، وأنّ جارتنا في الطابق الثاني تمارس رياضة السكوات، وابنتها تعير حساب نتفليكس لصديقتها، والبقّال يسأل الزبون: "كاش ولا كرت"! وغداً، سوف تكون الأيّام عادية. في العطلة، سيذهب الناس إلى السينما، والمقاهي، أو إلى صالات الرياضة، أو إلى البحر، وفي أيّام الدوام، سيأتي الترام في موعده المحدد، وسيتأفف الناس إذا تأخر دقيقة، وسيكون لطلاب المدارس باسوورد "واي فاي"، و"لابتوب"، إن لزم الأمر، وستكون لبائع المثلجات، كما لمديرة الجامعة، أوقات دوام عادية.
لا أحلم أن يفعل عمّي هذا كله، بل أحلم أن يسمع بأنّ ثمّة حياة كهذه، تعاش في مكان ما.
عمّي الذي يشبه المخيم… اثنان يشبهان بعضهما، أقول لصديقتي، وأنا أرفع الستار عن نبرتي الحقيقية، وبلا خجل: "عادي، رح تستحملي رجفة صوتي، لكن يوماً ما، رح يصير في سينما كبيرة في المخيّم، ومكتبة، وسكّة حديد، وقطار. وقبل هذا كلّه، سيكون ثمّة خبز وشمس، وماء، وأبواب، ومفاتيح، ومحل مثلجات…". تقول: "لا تزعلي مني، بس هاد يستحيل يصير، غير بالأحلام". وتنتهي المكالمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard