يوم في المخيم... ويوم في جهنم

الجمعة 20 أغسطس 202111:16 ص

يصحو مخيم نهر البارد شمال لبنان باكراً. لا ماء، ولا كهرباء. كانت ليلة أشبه بليلة الحرب. الحرب الصامتة هي أصعب الحروب التي وقعت. إلى أين يذهب البلد الذي يجر وراءه المخيم؟ كمن يربط ماعزاً من عنقه، ويسحبه معه إلى الهاوية. هكذا هو المخيم اليوم في هذا البلد. أزمة لبنان الاقتصادية والسياسية تدخل في المجهول. إذا احتجت إلى قوتك اليومي، فاعلم أنك سوف تقف ساعاتٍ في الطوابير التي أصبحت تقدم شهداء على مذبح الوصول إلى ربطة الخبز. طوابير على ربطة الخبز، وعلى مادتي المازوت والبنزين في الشوارع التي لم تعد تُسمّى شوارع للسيارات، بل أصبحت مواقف لها، في انتظار الإفراج عن الحاجات اليومية.

أصحو أنا على غبش الصباح المعتم. هل ما زال الليل ليلاً حتى إشعار آخر؟ أحاول إشعال نور الكهرباء، فلا يعمل. أحاول فتح الثلاجة كي أتناول شربة الماء، إذ أشعر بالجفاف من حر الليل، ولا ماء صالحاً للشرب. المطبخ مصاب بالرطوبة منذ الليل. أفتح النافذة كي أعثر على نسمة عابرة، أين أنا؟ ماذا لو كنت مصاباً بضيق التنفس؟

كمن يربط ماعزاً من عنقه، ويسحبه معه إلى الهاوية. هكذا هو المخيم اليوم في هذا البلد

نحن في آب، والسماء شاحبة اللون، وأصوات زمامير السيارات على مفترقات الطرق لا تبشر بأخبار سارة، في هذا النهار المولود من حرب وقعت. لا تلفاز كي نبحث عن نشرة الأخبار الصباحية، وانقطاع شبكة الإنترنت يجعلني في سجن لا مفر منه. هل وقعت الحرب فعلاً؟ لا أعرف. لا أعرف سوى أن جارنا مالك شبكة الإنترنت لم يصحُ من نومه، عند التاسعة صباحاً، كي يدير مولده، من أجل تشغيل الشبكة، وذلك بسبب نفاذ مادة المازوت منه. ماذا بعد؟ ما هذا النهار الشحيح؟ أتناول قطعة خبز من رغيف يابس أمضغه بأسناني، وشيء ما يدفعني إلى الوراء. شيء ما يقول لي: أعد قطعة الخبز إلى رغيفها، فهي أغلى ما نملك اليوم، في هذا البلد. ماذا لو نفد الرغيف، وفُقد الخبز من البيت؟ كيف سأعثر عليه ثانية وسط الحرب؟ أجلس على السرير، وفي يدي كتاب "رسائل إلى شاعر شاب"، لراينر ماريا ريلكه، ترجمة حنين الرحيلي. أقرأ منه بعض الصفحات، فأصل إلى سطر يثير انتباهي، يقول: "إنها حقيقة جلية بأننا وُضعنا في (مصير أعمى)، ومجهول، لنعيشه، ويسمح لنا بأن نرى الحياة بمنظورنا الخاص".

أغمض عينيّ، وأفتحهما، كأن "راينر" يعيش معنا هذا المصير الأعمى. أتابع القراءة، لأنني لا أجد وسيلة أخرى كي أستطيع أن أرى الحياة بمنظوري الخاص، كما قال. فجأةً، يقاطعني هاتف صديقتي ح، تقول: أين أنت؟ في البيت، وأنت؟ ما زلت في طريقي إلى العمل، الطريق مقطوع من الجهات جميعها. باسل أيمكن أن تكلمني في وقت لاحق، فأقول لها: لماذا؟ تجيب: لا أريد أن أبقى على الهاتف. بطاريته نفدت، وطوال الليل لم أشحنه بسبب انقطاع التيار الكهربائي في منطقتنا. أضحك، فتقول: لماذا تضحك؟ أجيب: نتكلم لاحقاً. أضع الكتاب جانباً، وأحاول أن أكتب شيئاً يطاردني، أو فكرة عابرة تلحق بي، هل هي قصيدة لمعت وغابت؟ أمسك قلماً، وأكتب: وحيد كجرة ماء على حافة البئر/ يرقص فيها الهواء/ شمالاً يميناً/ يميناً شمالاً/ وحيد كسنبلة لا تطيع الشموخ الفراغ/ ولكنها تنحني كي تطيع هوى الامتلاء.

لا أريد شيئاً من هذا النهار المريض بالضوء، سوى نور الكهرباء، وكوب ماء بارد، وخبرٍ طازج. لا أريد سوى فنجان القهوة الخالي من التوجس باشتباكٍ مسلح على محطة البنزين

ثم أقف؛ لا أريد أن أكمل. لم أعثر على ما يدفعني للكتابة. أريد نسمة باردة كي تزيل العرق عن جسدي الحار، فحسب. أتنقل بين غرف البيت؛ أين "أتسطح"؟ أخلع كنزتي، وأسقط على البلاط، وكلما ازدادت حرارة طرفي الملامس له، أنتقل إلى الطرف الآخر الأكثر برودة. الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت الحصار؛ لا ماء ولا كهرباء، والشمس تنخفض. أراها من نافذة الغرفة المقابلة. الشمس تلتهب. إنها شمس آب. في المخيم تتكدس الناس في الزواريب المعتمة، حيث تبحث عن الأوكسجين كي تتنفس. يبتكر الشباب مبادرة إعلامية، كي ينقلوا عبرها وجع الناس. منصة زواريب على مواقع التواصل الاجتماعي. يتقدم أحمد، وخالد، وإيهاب، لينفذوا فكرة المقابلات المصورة مع الناس، لتفريغ الصراخ المحتقن في الصدر صراخاً من نوع آخر، لعل الكاميرا تخترق صمت العالم.

أمشي وحيداً في شارع ضيق، ليس السجن غرفة ضيقة هنا، بل أصبح بمساحة الوطن. أمشي، وأشعر أني أسير في سجني. أبحث عن الأوكسجين الضائع، وعن نسمة عابرة لثوبي المبلل بعرق شمس آب، ماذا يحدث؟ لا أحد يعلم إلى أين يذهب هذا البلد؟ أستمع إلى شخصين يتجادلان حول تشكيل الحكومة؛ يقول الأول: يوماً أو يومين وتتشكل الحكومة. يقول الآخر: أمريكا لن تدعها تتشكل. أصمت وأخرج. لا أريد أن أدخل في صراع طويل لا أعرف نهايته. ينظر الشخص الآخر إليّ، كأنه انتظر مني جواباً، ولم يفلح. لا أريد شيئاً من هذا النهار المريض بالضوء، سوى نور الكهرباء، وكوب ماء بارد، وخبر طازج. لا أريد سوى فنجان القهوة الخالي من التوجس باشتباك مسلح على محطة البنزين. لا أريد سوى قطعة خبز خالية من التوجس بسقوط شهيد، في الفرن المقابل لمدخل المخيم. أريد كتابي، وغرفتي، ومروحتي التي أصيبت بالصدأ، من قلة التشغيل. شكراً لهذا النهار الذي لم يبدأ بعد حتى إشعار آخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard