قضية "التمويل الأجنبي" التونسية سيف على رقبة أحزاب المعارضة

الثلاثاء 28 سبتمبر 202109:40 م

بالتزامن مع قرارات جديدة للرئيس التونسي قيس سعيّد أنهى فيها آمال العودة إلى المسار الديمقراطي بحسب الدستور التونسي القائم، بدأت المحاكم العدلية في تونس فحص الملفات المحالة إليها من النيابة العمومية في محكمة المحاسبات التونسية منذ مطلع العام.

وتتعلق الملفات باتهامات موجهة إلى حركة النهضة وحزب قلب تونس وأحزاب ومنظمات أخرى باتت على عداء مع الرئيس التونسي. تتعلق تلك الاتهامات بمخالفات في الحملات الانتخابية التي جرت عام 2019، من تلك الملفات قضية "اللوبينغ" أي الحشد والتأثير الإعلاميين، المتهمة فيها حركة النهضة وحزب قلب تونس وجمعية "عيش تونسي" بدفع أموال إلى شركات أجنبية كي تروج لمواقفها في الخارج، وبخاصة لدى الولايات المتحدة وفرنسا. 

عادت القضية إلى دائرة الضوء قبل أيام من إعلان التدابير الاستثنائية التي اتخذها قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز الماضي، إذ فتح القطب القضائي الاقتصادي والمالي في منتصفه تحقيقياً ضدّ النهضة وقلب تونس وجمعية "عيش تونسي"، في قضية عقود مجموعات الضغط "اللوبيينغ"، كما اتهمت الأحزاب في القضية نفسها بالحصول على تمويل أجنبي لحملاتها الانتخابية، وقبول تمويل مجهول المصدر، وهو ما يجرمه القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات، وقانون الأحزاب السياسية. 

وصرّح نائب وكيل الجمهورية محسن الدالي بأنّ البلاغ الذي تقدم به حزب التيار الديمقراطي يتعلّق بالانتخابات الرئاسية التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول 2019، موضحاً أنّ الأبحاث ستبيّن مصدر الأموال، وعلى ضوء نتائج التحقيق يمكن اللجوء إلى جهات قضائية خارج الحدود، "لأن غالبية التمويلات من خارج حدود الوطن".

 مر على إجراء الانتخابات المعنية عامين كاملين، قُدّمت خلالهما بلاغات إلى النيابة العامة، ولكن لم تتخذ إجراءات فاعلة للتحرك في التحقيقات إلا قبل أيام قليلة من إعلان الرئيس قيس سعيّد عن إجراءاته الاستثنائية

تحقيقان

بحسب القوانين التونسية، فإن أن طعناً يتصل بالعملية الانتخابية يبدأ بعد انتهاء الانتخابات وإعلان نتائجها من قبل الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات. وتنظر المحكمة الإدارية في الطعون. وتتسلّم محكمة المحاسبات الملفّ المالي للانتخابات وتنظر في أية شبهات أو اتهامات مالية موجّهة إلى المترشحين.

مر على إجراء الانتخابات المعنية عامين كاملين، قُدّمت خلالهما بلاغات إلى النيابة العامة، ولكن لم تتخذ إجراءات فاعلة للتحرك في التحقيقات والمحاكمة إلا في يوليو/ تموز الماضي، قبل أيام قليلة من إعلان الرئيس قيس سعيّد عن إجراءاته الاستثنائية التي تولى بموجبها كذلك سلطة التحقيق وتوجيه الاتهام، بمنح منصب النائب العام إلى نفسه.

وقالت القاضية في محكمة المحاسبات فضيلة القرقوري إن المحكمة تحقق في عقود "اللوبينغ" المتهمة فيها حركة النهضة وقلب تونس وجمعية "عيش تونسي"،  وأضافت: "هناك مخالفات اعتبرها القانون الانتخابي مخالفة ولكنه لم ينص عقوبة بشأنها، وهناك مخالفات مالية اعتبرها القانون الانتخابي مخالفة وأهّل القضاء المالي لتسليط العقوبة، وتتمثل هذه المخالفات في عدم مصداقية الحساب المالي وتجاوز السقف المالي وعدم إيداع الحساب المالي". إلا أنها لم توضح إذا ما كانت الملفات المنظورة تحوي أدلة على قيام الجهات الثلاث المتهمة بهذه الجرائم.

 كذلك بيّنت القرقوري أنّ الدوائر القضائية التابعة لمحكمة المحاسبات انطلقت في إصدار أحكامها الابتدائية بخصوص المخالفات الواردة في تقرير المحكمة المتعلق بانتخابات 2019، مشيرةً إلى أنّ المخالفات الواردة تتفرع إلى ثلاثة أنواع، بينها ما يتعلق بمحكمة المحاسبات التي تتولى الرقابة على موارد ومصاريف كل قائمة مترشحة أو مترشح أو حزب.

 وفي اتصال هاتفي مع رصيف22، قالت فضيلة القرقوري إنّ رئاسة محكمة المحاسبات ارتأت الاكتفاء بما تم التصريح به، حفاظاً على سير التحقيقات، "وعندما يكون هنالك تقدم على مستوى الأعمال القضائية سيتم إبلاغ الرأي العام ووسائل الإعلام به".

 وكانت محكمة المحاسبات قد بيّنت في تقريرها الصادر في أكتوبر/ تشيرين الثاني 2020، أنّه اتضح للمحكمة من خلال الأعمال الرقابية المنجزة وفحص الوثائق التي حصلت عليها، وجود قرائن إبرام عقد ترويج مع شركة لوبينغ بقيمة مليون دينار، لفائدة المرشّح نبيل القروي بصفته مترشحاً للانتخابات الرئاسية عام 2019. وينص العقد على مسؤولية الشركة عن كسب التأييد للقروي من قبل الهياكل والمنظمات الدولية، وعقد لقاءات مع الرئيس الأمريكي وكبار المسؤولين الأمريكيين قبل تاريخ الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية.

 وفي شأن الانتخابات التشريعية، أشارت المحكمة في تقريرها إلى أنّ العقود المبرمة مع مجموعات الضغط شملت المرشّحة للانتخابات التشريعية ألفة التراس عن دائرة بنزرت، ضمن قائمة "عيش تونسي". وشملت أيضاً قوائم حركة النهضة في 33 دائرة انتخابية تتوزع بين ست دوائر انتخابية بالخارج و27 دائرة داخل الجمهورية.

وأفاد التقرير بأنّه لم يتوفّر في شأنهما ما يفيد أن مصدر الأموال التي تم تحويلها تونس أو البنك المركزي أو أحد الوسطاء المقبولين لديه لحساب الشركات الأجنبية المعنية.

حركة النهضة قالت في بيان إنها لم توقع، لا عن طريق ممثلها القانوني، ولا عن طريق أي من مؤسساتها أو قياداتها أي عقد مع أي مؤسسة في الخارج، لكنها لم تمنع أعضاءها في الخارج عن توقيع أية عقود مماثلة

حركة النهضة توضح

 حركة النهضة نفت سابقاً في بيان توقيعها عقود لوبينغ في الولايات المتحدة الأمريكية، مبيّنة أنها تخضع لإجراءات القانون التونسي، وأن حساباتها وعقودها تراقبها محكمة المحاسبات.

وأضافت الحركة في بيان صدر في 6 أغسطس/ آب الماضي، أنها لم توقع، لا عن طريق ممثلها القانوني، ولا عن طريق أي من مؤسساتها أو قياداتها أي عقد مع أي مؤسسة في الخارج، وأنها لم تقم بأي تحويلات مالية الى الخارج ولم تتلق أي تحويلات أو تمويلات مالية من الخارج.

 وقال المكلف بالإعلام والاتصال في حركة النهضة عبد الفتاح الطاغوتي لرصيف22 إنّ حركة النهضة غير قلقة من هذه القضية، ولا علاقة لها بالتعاقد مع مجموعات الضغط، موضّحاً أن الحركة تعرضت لحملة تشويه قام بها البعض عبر مجموعات الضغط، و"هو ربّما ما جعل فريقاً من مناصريها يتعاقد مع ‘لوبينغ’ من أجل تحسين صورة الحركة في الخارج لكن دون علم مؤسسات الحركة".

ورأى أن مسألة اللوبينغ منتشرة في العالم، ويتم التعامل معها سياسياً "بطريقة طبيعية"، معتبراً أن "الضجة التي أثيرت في تونس سببها عدم استيعاب البعض للمسألة باعتبارها أمراً جديداً".

وأفاد الطاغوتي بأن حركة النهضة لم تقم بالتعاقد إلا أنها لم تمنع أنصارها في الخارج من التعاقد مع شركات تروج لبرامجها على اعتبار أن القوانين في الدول التي يقيم بها هؤلاء الانصار لا تمنع ذلك.

وقال إن التحقيقات الجارية "لن تُفضي إلى شيء. لأنّ حركة النهضة لم تخالف القانون التونسي، ولم تستقبل تمويلات أجنبية، ولم تدفع أموالاً لجهات أجنبية، والعملية حدثت في دول أخرى".

وأشار إلى أن الحركة لم يتم الاستماع إليها في أي قضية، سواء لدى القطب القضائي الاقتصادي والمالي، أو لدى محكمة المحاسبات.

مساران قضائيان

تتخذ قضية التعاقد مع مجموعات الضغط في علاقة بالانتخابات مسارين مختلفين، باعتبارها مناقضة للقانون التونسي، ومناقضة للقانون الانتخابي. لذلك فإنّ التحقيق في القضية يتم لدى محكمة المحاسبات، وكذلك لدى القطب القضائي الاقتصادي والمالي.

وقال القاضي الإداري السابق أحمد صواب لرصيف22 إنّ قضية اللوبينغ طُرحت في تقرير "غير قضائي" أودع لدى محكمة المحاسبات، "لأنّه ليست حكماً قضائياً كما يروّج البعض"، معتبراً أن التقرير ليس إدانة لطرف، وإنما هو مقدمة تليها جملة من التحقيقات التي قد تنتهي إلى إثباتها أو تفنيدها.

 وأوضح صواب أنّه إذا ثبت ارتباط الجهات المتهمة باللوبينغ، فإنّ محكمة المحاسبات ستلغي نتائج هؤلاء الأحزاب في الانتخابات التشريعية، أما بالنسبة للانتخابات الرئاسية، فقد تطبق عقوبة السجن التي تصل إلى خمس سنوات، مع إلغاء النتائج.

ونوّه صواب بأنّ هذه القضية ستأخذ وقتاً طويلاً، باعتبار أنه عند إصدار الحكم، سيكون هنالك استئناف من المتضررين. ويمكن أن يطول مدى هذه القضية ليصل إلى سنتين على الأقلّ.

واعتبر أن التمويل الأجنبي يمكن أن يؤدّي إلى حلّ الحزب المتورّط في المسألة، وذلك حسب المرسوم المنظم للأحزاب الصادر في سبتمبر/ أيلول 2011.

وأكّد صواب أن التحقيقات عليها عبء إثبات العلاقة بين مموّل حملة "اللوبينغ" والحزب أو الشخص المنتفع من ذلك، مشيراً إلى أنّ هذه العلاقة يمكن إثباتها باعتبار أن أي عضو منخرط في الحزب يقطن في أي مكان في العالم يكون لتصرفه الحزبي آثار قانونية على الحزب.

الخطوة التالية

قال الرئيس السابق للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، والعضو الحالي فيها محمد التليلي المنصري لرصيف22 إنّه لم يكن بإمكان الهيئة أن تكشف الخروق الكبيرة المرتبطة بالتعاقد مع لوبينغ في الخارج من أجل تحسين صورة حزب أو شخص، مبيّناً أن القانون الانتخابي يمنح هيئة الانتخابات ثلاثة أيّام لإصدار النتائج، إذ تطَّلع خلال تلك الفترة على تقارير الأعوان المنتشرين في كل الجهات والذين يراقبون الحملة الانتخابية لمدّة 21 يوماً.

وأضاف المنصري إن هناك أنواعاً من المخالفات الشديدة الخطورة أثرت بصفة جوهريّة في الانتخابات، وعقوبتها المباشرة إلغاء نتائج مرتكبيها، وإسقاط الأصوات،مذكّراً بأن الهيئة أسقطت بعض القوائم وأحالت بعض الجرائم الانتخابية إلى القضاء العدلي كي يصدر أحكامه بشأنها.

وأفاد بأن هنالك مرحلة أخرى في القانون الانتخابي مخصّصة لمحكمة المحاسبات، الّتي يعطيها القانون فترة طويلة تبدأ عند ثلاثة أشهر، تقوم خلالها بالتحري في الجرائم الكبيرة، وخاصّة في قضايا التّمويل الأجنبي، مبيّناً أن المحكمة تقوم بالبحث والتّقصّي بالاشتراك مع الدّيوانة التونسية والبنك المركزي.

وقال المنصري إنّ إثبات التّمويل الأجنبي لا يصل إلى حدّ حلّ الحزب، فهذا القرار له إجراءات خاصّة في القضاء المدني. بينما يقتصر دور القضاء الجزائي على إصدار أحكام بالسجن أو الغرامات، فيما تعتمد محكمة المحاسبات على الفصل 163 من القانون الانتخابي وإثبات وجود تمويل أجنبي، وبناء عليه تصدر أحكاماً بإلغاء العضويّة في مجلس النوّاب.

وأكّد أن محكمة المحاسبات في هذه الحالة تصدر حكمها بإلغاء عضوية مجلس نواب الشعب المتورطين. وتتم مراسلة الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات من أجل تنظيم انتخابات جزئية خاصة بالمقاعد الشاغرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard