الموت مرتين على يد الدولة... خبراء يحذرون من انهيار اقتصادي في تونس

الخميس 9 سبتمبر 202104:24 م

رصاصة في الرأس من أحد قناصي الأجهزة الأمنية للدولة، تزحزحت قليلاً بمعجزة إلهية لتمنح ناجي الحفيان ذا الستة عشر عاماً فرصة أخرى في الحياة، انتهت بعد عشر سنوات على يد الدولة أيضاً.

الخميس، 5 أيلول/ سبتمبر، أشعل ناجي النيران في نفسه ليموت حرقاً بعد سنوات من انتظار الإنصات لمطالبه في الرعاية الصحية والتأهيل باعتباره من مصابي الثورة التونسية في كانون التاني/ يناير 2011. مرت سنوات عشر من دون أن تستجب الدولة إلى نداءاته، وفي ظل ظروف اقتصادية تتفاقم صعوبتها لم يعد معها قادراً على الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية ف في حالته الصحية المتراجعة، لم ينج ناجي، وأنهى حياته للخلاص من أوضاع اقتصادية وسياسية لا تختلف كثيراً عن تلك التي تظاهر ضدها قبل عشر سنوات فنالته رصاصة في الرأس. 

الضحايا أنواع

"وكأن جائحة كورونا جاءت لتستهدفني أنا شخصياً، وتبدد آمالي في الظفر بمورد رزق يوفر لي ولعائلتي العيش الكريم بعد سنوات طوال من البطالة ووقف الحال".
اضطر أسامة الذي يعيش في محافظة نابل إلى إغلاق المقهى الذي وضع فيه كل مدخراته ومعها قرض مصرفي قبل سنتين، أملاً في مورد رزق ينهي سنوات ممتدة من البطالة. وجاءت جائحة كورونا والإجراءات المشددة التي فرضتها الحكومة التونسية في عام 2020، واضطرته إلى إغلاق المقهي والعودة إلى البطالة من دون مورد رزق ولا مساعدات أو تعويضات مناسبة من الدولة، ما اضطره إلى إنفاق كل ما ادخره من حصيلة العمل في المقهى وفاءً باحتياجات الأسرة، فيما أخذت تتراكم عليه أقساط القرض وفوائده، "المنحة التي وفرتها الدولة لمساعدة أصحاب المشاريع المتضررين من الجائحة لم تكف الديون ورواتب العمالة".
أسامة شاب من الآلاف العاطلين عن العمل في تونس. وقد زادت جائحة كورونا في معاناتهم، مع ارتفاع نسبتهم حتى بلغت 17.6 بالمائة من القادرين على العمل.

لم ينج الشاب ناجي الحفيان، وأنهى حياته للخلاص من أوضاع اقتصادية وسياسية، لا تختلف كثيراً عن تلك التي تظاهر ضدها قبل عشر سنوات فنالته رصاصة في الرأس

وعود بلا طائل

جاءت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 تموز/يوليو، لتركز السلطات كلها في يده، ورحب التونسيون بقرارات الرئيس أملاً في الخلاص من "فوضى صنعها توزيع السلطة في يد كيانات متعددة" بحسب رؤية الرئيس.
التف التونسيون حول رئيسهم المنتخب بعد وعود القضاء على الفساد وإصلاح الاقتصاد الذي فشلت الحكومات السابقة والبرلمان الذي سيطرت عليه حركة النهضة في دفعه إلى التعافي.
لكن واقع الأرقام إلى جانب عدم إعلان الرئيس التونسي عن خطة إنقاذ عاجلة وعد بها لدفع الاقتصاد المتعثر، تجعل الشكوك تتنامي حول إن كان التغيير السياسي المفاجئ في بنية السلطات التي جعلها كلها في يد سعيد، يجعله قادراً على إنقاذ الاقتصاد كما وعد.
وعلى ضوء الأزمة الدستورية الحالية، حذرت الوكالة التصنيف الائتماني "فيتش رايتنغ" من خفض تصنيف تونس السيادي مجدداً، معتبرة أن قرارات قيس سعيد "من شأنها أن تقلل من استعداد الشركاء الغربيين لدعم تونس".
ورأى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن الوضع الاستثنائي الذي تمر به تونس سيؤثر على الوضع الاقتصادي الهش. معتبراً أن غياب الحكومة وعدم وضوح الرؤية للمستقبل من شأنهما أن ينفرا المستثمرين، وأن يثنيا المؤسسات الدولية عن التفاوض مع بلد من دون ممثل دولي، لذلك تتالت الدعوات للإسراع في تشكيل الحكومة.
كما بيّن الشكندالي لرصيف22 أن هذا الوضع يخلق نوعاً من عدم المصداقية، و"كلما تم التمديد في هذا الظرف الاستثنائي، ينعكس الأمر سلباً على الوضع الاقتصادي"، مشدداً على ضرورة وضع خارطة طريق تطمئن المؤسسات الدولية.
وشدد الخبير الاقتصادي على أنه في غياب الحكومة لا يمكن التفاوض مع المؤسسات الدولية.

واقع الأرقام إلى جانب غياب خطة الإنقاذ التي وعد بها قيس سعيد لدفع الاقتصاد المتعثر، يجعلان الشكوك تتنامي حول إن كان تركيز السلطات كلها في يد الرئيس، يجعله قادراً على إنقاذ الاقتصاد كما وعد

أرقام مفزعة

بلغت نسبة التضخم في تونس وفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء 6,4% خلال شهر تموز/ يوليو الماضي. وشهد الاقتصاد الوطني انخفاضاً بنسبة 2.0% خلال الربع الثاني من السنة الجارية، مقارنة بالربع الأول. وتراجعت المبادلات التجارية في شهر تموز (تموز/ يوليو) حيث انخفضت الواردات بنسبة 10.6% وانخفضت الصادرات بنسبة 13.2%، كما بلغ العجز التجاري خلال الشهر نفسه 1409,3 مليون دينار، فيما بلغت نسبة البطالة17.6 %.

الأرقام السلبية التي تسجلها تونس تؤكد حدة النزيف الذي يعاني منه الاقتصاد، في حين تقترب استحقاقات الديون الخارجية المستحقة على تونس لهذا العام وحده، والمقدرة بـ5.8 مليار دولار في وقت تتنامى المخاوف من عجز البلاد عن تسديد ديونها، وإن كانت المالية التونسية قد تمكنت من سداد بعض أقساط الديون المستحقة، منها قسط يوم 23 تموز/ يوليو، بلغت قيمته 506 ملايين دولار (500 مليون من أصل الدين وستة ملايين من الفوائد) وهو قسط لدين حصلت عليه تونس في 24 تموز/ يوليو 2014.
كما سددت تونس في 4 آب/ أغسطس الجاري قرضاً بقيمة 503.54 مليون دولار أمريكي (500 مليون دولار من أصل الدين و3.54 مليون دولار فوائد) وهو قرض حصلت عليه البلاد في 2016.

"وضعية كارثية"

أكد الخبير الاقتصادي ووزير التجارة السابق محسن حسن لرصيف22 أن تونس تشهد أزمة اقتصادية ومالية "غير مسبوقة"، وعزاها إلى أسباب "هيكلية" ناجمة عن فشل السياسات الاقتصادية المنتهجة منذ سنوات، إضافة إلى الأزمة الصحية العالمية "جائحة كورونا" التي أدت إلى تراجع الطلب الداخلي والخارجي، وكذلك الأزمة السياسية التي بدأت منذ سنة 2019 وتصاعدت في بدء العام الجاري ثم تفاقمت منذ قرارات الرئيس في 25 تموز، هذه الأزمة الآخذة في التعقيد "تسببت في انعدام الثقة بين مختلف المتعاملين".

خبراء اقتصاديون: الضغوط تتواصل على المالية العمومية، وتغطية العجز عبر الاقتراض الخارجي غير ممكنة في غياب المؤسسات الدستورية التونسية
وأضاف حسن أن النتيجة المباشرة لهذه الوضعية ظهرت في تسجيل نسبة نمو ضعيفة نهاية حزيران/يونيو لسنة 2021 قدرت بـ16.2 بالمائة، وغياب خطة لتدارك الانكماش الاقتصادي المقدر بـ19 بالمائة في السنة الماضية، "علاوة على الانعكاسات السلبية على المستوى الاجتماعي" وأهمها ارتفاع نسبة البطالة.
وأشار إلى تواصل الضغوط على المالية العمومية مقدراً عجز ميزانية الدولة لسنة 2021 بما لا يقل عن 23 مليار دينار، لافتاً إلى أن الدولة مطالبة بسداد خمسة ملايين دينار ديون السنة الحالية وبتوفير كتلة أجور تقدر ب 1.7 مليار دينار شهرياً ونفقات أخرى مختلفة.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن تمويل عجز الميزانية لسنة 2021 يتم بطريقتين، الأولى هي الاقتراض الداخلي من البنوك، وقد بلغ حده الأقصى بشكل يتوقع معه أن يتأثر تمويل الاستثمار الخاص، ما يؤدي إلى مزيد من الانكماش والعجز. أو الاقتراض من الخارج، مشدداً على أنه لا يمكن مواصلة التعويل على الاستدانة الداخلية لتمويل العجز، خاصة بعد توقف المفاوضات مع البنك الدولي وغياب البرلمان صاحب الحق دستورياً في الموافقة على القروض. "كما يعرقل الاقتراض الخارجي تراجع الترقيم السيادي لتونس، وبالتالي لا يمكن اللجوء إلى السوق المالية العالمية".

مقترحات لتدارك الأزمة

اقترح الخبير الاقتصادي محسن حسن تكوين حكومة تهتم بالملف الاقتصادي، وتعمل على إعادة الثقة بين مختلف الشركاء في الداخل والخارج، و"تنطلق في جملة من الإصلاحات بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي لإمكانية الحصول على تمويل"، علاوة على ضرورة تفعيل "الدبلوماسية الاقتصادية" لتتمكن تونس من الحصول على مساعدات مالية من الدول الصديقة لمجابهة هذا الظرف الصعب.
واعتبر رضا الشكندالي أنه على رئيس الجمهورية قيس سعيد أن "يقود حواراً اقتصادياً اجتماعياً" بحضور خبراء اقتصاديين، تحدد فيه أولويات المرحلة القادمة، وتعرض نتائجه على الحكومة التي سيتم تشكيلها لتتفاوض مع المؤسسات الدولية من جديد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard