القادة الخالدون وذكريات أرضنا المحروقة

الأحد 24 أكتوبر 202103:49 م

عانت المنطقة العربية من حروب وأزمات اقتصادية واجتماعية خلال السنوات العشر الماضية، وما زالت الأزمات تتتالى من ثورات مبتورة إلى حروب أهلية ومنها إلى كوارث صحية وطبيعية. لكنّ حال المنطقة لم يكن على أحسنه قبل الفترة الأخيرة.

كانت حرب العراق أوّل الحروب التي عرفتُها، ومثَّل سقوط تمثال صدام حسين سنة 2003 بالنسبة لي سقوطاً لرجل يرفع يده ليحييّ أولئك الذين أسقطوه. نحن في البيت لا نتكلّم في السياسة ولا نفهمها. عُلِّمنا على تفاديها قدر الإمكان، فكان المعنى الوحيد الذي وصلني بعد حرب العراق أنّ دولة ما اسمها "أميركا" شنّت حرباً على بلدٍ عربيّ بدعوى امتلاكه أسلحة ممنوعة فتّاكة (ربّما هو غرندايزر، كان يختبئ في العراق).

وفهمت بسنواتي العشر، أنّ لسقوط بلد عربي دلالات تتّصل بشعار كلّ صباح (أمّة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة، أهدافنا وحدة حريّة اشتراكية). أخبرني صديقاي في اليوم التالي أنّ أباهما أمضى ليلته باكياً بعد رؤيته لمشهد سقوط تمثال صدّام حسين. 

زادني الموقف طنّاً إضافيّاً من الاعتقاد بأنّ صدام حسين كان إنساناً جيِّداً، وأنّ تلك الدولة التي شنّت حربها على العراق دولة معتدية. وعَظُمت مع هذه الحادثة معاني "العروبة" في طفل في العاشرة كان البكاء بالنسبة له أصدق الأفعال الإنسانية.

نحن في البيت لا نتكلّم في السياسة ولا نفهمها. عُلِّمنا على تفاديها قدر الإمكان...

بكاءُ والد صديقيَّ حمل الحادثة قدراً هائلاً من العاطفة. وكانت فكرة البكاء نذيراً بأنّ رحيل صاحب ذلك التمثال سيفقِدُ والد صديقيّ وسيُفقِدنا جميعاً قيمة عظيمة لها علاقة بشعار الأمة الواحدة. وجاءت أُولى فُهومي للعروبة في سياق انهزامي، و(كرَّت المسبحة) بعد ذلك على فهوم الحريّة والكرامة في سياق الثورات العربية التي آلت إلى حروب أهلية.

بين عبد الناصر وحافظ الأسد

كان جمال عبد الناصر السياسي الذي شكَّل بالنسبة لي الرئيس القائد والخالد قبل "سقوط بغداد" ودخول صدّام حسين على المشهد وعلى فكرة الخلود (وإن بشكل مختلف). كنت طفلاً وعرفت من جدّي أنّه كان (ولم يزل) ناصريّاً من الطراز الأوّل، وعرفت أنّه لا يميل إلى حزب الدولة الأوّل (البعث السوري). ناصر هو من بنى السدّ العالي وأمّم قناة السويس ووحّد القطرين، كما قال جدِّي الذي كان مولعاً أيضاً بمحمد حسنين هيكل.

كنت أشاهد معه برنامج "مع هيكل" على قناة الجزيرة، لم أكن لأفهم كثيراً مما يقوله، غير أنّ طريقته الفريدة في الحكاية والسرد كانت تجعلني أشاهده في كلّ مرة جديدة. لكنّ المعلومة الأغرب بالنسبة لي فيما بعد كانت معرفتي بإصرار الشعب المصري على استمرار ناصر في منصب الرئاسة بعد تنحّيه في أعقاب نكسة الـ 67. كيف يتنحّى رئيس بلاد ويورِّث رئيس آخر الحكم لولده من بعده؟ بدا الفرق بين جمال عبد الناصر وحافظ الأسد مهولاً.

كيف يتنحّى رئيس بلاد ويورِّث رئيس آخر الحكم لولده من بعده؟ بدا الفرق بين جمال عبد الناصر وحافظ الأسد مهولاً.

وبدأتُ في مرحلة لاحقة أسمع عن عبد الناصر كلاماً كثيراً يناقض كلّ ما سبق لي سماعه، سألتُ جدّي عن صحّة الأخبار التي تقول إن عبد الناصر كان ظالماً وأنّه تسبَّب بحروب في اليمن وفي مصر، وأنه اعتقل آلاف المصريين بدعوى انتمائهم لمجموعة الإخوان!! تركَ جدّي في إجاباته (كعادته دوماً) فسحة لقبول الأخبار أو ردِّها أو مناقشتها، لكنّه عاد ليؤكّد أنّ ما فعله عبد الناصر كان عظيماً في المجمل.

(وكان جدّي كلّما استطرد واستفاض معي بالكلام السياسيّ، ختم كلامه بالتنبيه بأنّه يُكلّمني لأفهم فقط، لكن لا لأتحدّث بالسياسة مع أحد).

لا أذكر أيّ خطاب أو مقابلة للرئيس حافظ الأسد (سِوى مقولاته الخالدة في كتاب التربية القومية)، لكني لا أنسى يوم وفاته. كنا في بيت جدي لأمّي في بانياس. الجميع أمام التلفاز.

لا أذكر شعورنا آنذاك، هل كان حزناً أم فرحاً أم لا مبالاة (الكلام بسركم/ن، لم يكن حزناً أبداً كما لم يكن فرحاً)! أرجِّح الآن أنّ أهلي كانوا مُدركين وعارفين بمجيء نجل الرئيس الراحل ليحكم البلاد. كان الأمر بالنسبة لهم محسوماً، وكأنّ موتاً للقائد (الخالد) لم يكن، والولد سرّ أبيه. ما حصل أنّ بموت الأب القائد تبدَّل معنى الخلود، من المجاز إلى الحقيقة والواقع.

فلسطين ولبنان

لذكريات طفولتي السياسية جميعها صلة بالموت بشكلٍ أو بآخر. عرفتُ فلسطين وامتلأ وعيي بالقضية الفلسطينية مع مشهد محمد الدرّة ووالده في الانتفاضة الثانية. ربّما هي أكثر الذكريات غضباً ومأساوية. أغضبني مشهد محمد الدرّة، كانت المرّة الأولى التي أغضب لشيء لا تربطني به علاقة مباشرة. البدايات مهمّة جدّاً، فكيف إذا بدأت معرفتك بقضية بمشهد كمشهد الدرّة.

الدرّة طفل وقاتله محتل وفلسطين أرض عربية والقدس مدينة مقدّسة. بدأت المعاني جميعها تدور في فلك الموت، الموت ظلماً والموت دفاعاً والموت خوفاً والموت حماية، وموت محمد الدرّة الذي وضع معاني الموت جميعها في مشهدية واحدة.

وكان أوّلَ تعرُّف لي بلبنان مع مشهد لازلت أذكره للرئيس اللبناني فؤاد السنيورة. أذكر أنّه كان يلقي خطاباً (أمام الجامعة العربية ربّما) ثمّ بدأ بالبكاء، عرفت بعد ذلك أنّ الجيش الإسرائيلي شنَّ حرباً على جنوب لبنان، وعرفت قانا وتعرَّفت على مفردة "المجزرة" التي أُضيفت إلى معجم مفرداتي (هذا قبل مجزرة بانياس في بلدي) إلى جانب مفردات أخرى مثل الاجتياح والاستيطان وغيرها.

بدأت الثورة السورية، وبدأت أسمع هتافات سياسية لأوّل مرّة، غير هتافات انتفاضة الحجارة وهتافات "سقوط بغداد". كانت المرة الأولى التي أسمع فيها اسم قائدنا المُفدّى، لكن دون الصفة الأخيرة، ومع صفات أخرى...

وفي هذا السياق عرفت الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، ورفعنا أعلام الحزب الصفراء على شبابيك منازلنا. لا أذكر الآن كيف وصل العلم إلى قريتي ولا أذكر كيف حصلت عليه (أكاد أُرجّح أن أخي هو من أحضر العلم إلى الدار). وما أذكره من هذه الأيام هو مشهد انقسمت فيه الشاشة إلى نصفين، النصف الأيمن كانت فيه صورة نصر الله مُبتسماً والنصف الآخر كان لبارجة إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية. أوعز الأوّل بقصفها فبدأ الدخان يتصاعد من السفينة. كان المشهد من الذكريات السياسية القليلة التي ترافقت مع الدهشة الـمُضحكة والفرح والشعور بالانتصار.

بدأت الثورة السورية في بدايات عام 2011، ولأنّ شباك غرفتي يأخذ إطلالته على المدينة بأكملها، كنت أشاهد المظاهرات كلّ يوم، وبدأت أسمع هتافات سياسية لأوّل مرّة سوى هتافات انتفاضة الحجارة وهتافات "سقوط بغداد". كانت المرة الأولى التي أسمع فيها اسم قائدنا الـمُفدّى لكن دون الصفة الأخيرة، ومع صفات أخرى.

وكانت الثورة السوريّة بصورتها الأولى، وبدأت أسمع للمرّة الأولى عن أحداث حماة 1982، صار الناس يستحضرون تاريخ النظام البعثي في سوريا في سياق التساؤل عن ردّة فعل النظام المحتملة ومدى قدرته على القتل والتدمير. وعادت أسماء (خالدة) قديمة إلى المشهد السوري، أظهر رفعت الأسد نفسه قائداً منفيّاً، وظهر عبد الحليم خدّام في طرف الثورة وكأنّه لم يكن مرّة في طرف النظام وأحد ألويته.

وكان اسم حمزة الخطيب اسماً جامعاً لسنوات كثيرة من الموتى والقتلى والشهداء. الأسئلة في مخيّلاتنا، نحن السوريين، كثيرة، وأكثرها إلحاحاً على مخيّلتي الآن: إلى أين؟ وإلى متى؟ وكيف نخرج اليوم من الموت إلى الحياة؟ ومن الاستبداد إلى الحرّية؟ كان الاغتراب جواباً سحريّاً لأسئلة كثيرة وحلّاً شافياً لكثيرين، أصابنا اليأس، وصارت مفردة "الوطن" أكثر المفردات غموضاً وضبابية في معجماتنا السورية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard