كيف أصبحت سوريا "المُفيدة" سوريا "المُخيفة"... إقامة ذهبية في "سجون" أبناء العم

الخميس 15 يوليو 202112:35 م

أورد قاموس Urban العالمي مؤخراً مصطلحاً جديداً اسمه رهاب سوريا أو Syriaphobia، والقاموس يعرّف المصطلح بأنه الخوف من قضاء بقية الحياة في سوريا، ويشير إلى قلق فئة كبيرة من المغتربين من أن يضطروا للعودة إلى سوريا وقلق شريحة كبيرة من الموجودين في البلد، لاسيما جيل الشباب، من ألّا يتمكنوا من مغادرة البلاد.

يا للأسى، أحقّاً أصبحت سوريا مخيفة إلى هذه الدرجة؟! البلد التي كانت جميلة سخية قوية مهيبة تستوعب كل انتماءات البشر وتؤمن الحماية لكل صاحب ضيق ولكل مهجّر حرب، أهكذا تهجّر أبناءها وترعبُهم؟ لكن ما ذنب البلاد الجميلة إذا كان الحاقدون من أبنائها قد دشنوا أعراس الدم والأوغاد منهم، يستأنفون مجازر التفقير والتجويع والعتمة لتغدو البلد التي كانت حقلاً أخضرَ هاويةً تهدد الجميع؟

الحب بالتنقيط

قبل ثلاثين عاماً، ما كانت لتخطر ببالي فكرة السفر إلى بلد آخر خارج سوريا، لا لطموحات مرتبطة باستكمال دراستي، لا لمغريات مرتبطة بجمال البلاد المتقدمة، ولا لأسباب متعلقة بالرغبة بتحقيق نقلة نوعية في المستوى المادي لحياتي الشخصية، كل ما أردته وحلمت به لنفسي كان مُفصّلاً على مقاس خريطة سوريا، مزنّراً بها، ملتصقاً بين جهاتها التصاق الرضيع بصدرٍ يألفُ رائحته، البلاد التي كانت تبتسم في وجهنا ابتسامة أمٍّ طيبة وبسيطة، تحبّنا لكنها مُقتّرة في الكلام عن حبّها، توبّخنا حين يفترض بها أن تعانقنا، لا لِعلّة فينا بل لأنها تظنّ أنّ الدلال، سواء كان قليلاً أو مفرطاً، من شأنه أن يفسد الأولاد.

أورد قاموس Urban العالمي مؤخراً مصطلحاً جديداً اسمه رهاب سوريا أو Syriaphobia، والقاموس يعرّف المصطلح بأنه الخوف من قضاء بقية الحياة في سوريا، ويشير إلى قلق المغتربين من العودة إلى سوريا، وقلق الموجودين في البلد، من ألّا يتمكنوا من مغادرتها

على طول الكورنيش الغربي المحاذي لبحر مدينة اللاذقية يمكنك أن تقيس السَّكينة بعدد الأشجار الضخمة التي توفّر ملاذاً آمناً لمئات العصافير الحائمة بثقة المالك الأصلي للخضرة والفضاء، وظلاً عبقرياً لكل المارّة والعشاق والراغبين بجلسةٍ رائقة تبقيهم على اتصال مع ذكريات الماضي الجميل.

الماضي حين كان البحر متاحاً أمام الناس، غير محجوب عن أعينهم بالمباني الحكومية التي كان يمكن بناؤها في أماكن أخرى وبالبنية التحتية للمرفأ التي مازال أهل اللاذقية بعد عقود من بنائه، يتحسرون على الإطلالة الخلابة التي حرموا منها مثلما حرموا من إطلالة أخرى كانت متاحة حتى الأمس القريب في الكورنيش الجنوبي، قبل أن يُفتح الباب للاستثمارات المتعجرفة التي أسدلت الستار على واجهة بحرية ثانية أمام سكان المدينة الساحلية مسلوبة الواجهات البحرية.

أذكر مثل الحلم يوم كنت طفلة صغيرة ترافق والديها في المشاوير اليومية، حيث الموج أقرب إلى أقدام العابرين، ونظرات الناس رائقة راضية، ونبض السلام يعمّ المكان، والآفاق شاسعة مكشوفة وصفير البواخر على مدار الساعة يعني السفن المحمَلة بأمل الذهاب والإياب، يعني الشريان الأبهر لحوض البحر الأبيض المتوسط، يعني الحياة الجميلة بكامل فرصها ومفاجآتها، المشهد التي تلاشى بعد سنوات قليلة، لكنّه بقي حاضراً في الذاكرة مثلما بقيتُ أحب المكان بعد خروجه عن طوره.

قلب المدينة المرّ

لم يتغير شيء يذكر في قلب المدينة القديم على مدى عقود طويلة، وجاءت الحرب لتكون شمّاعة حيتان الفساد، فتجاوز إهمال القائمين على الأمر للمدينة حدود المنطق والمقبول وأصبح كل ما يشغل مسؤولي المدينة منحُ الرخص والصلاحيات لتجار ومتعهدين مَرضيٍّ عنهم، فزاد التشوه وزادت ضروب التلوث البصري ، فثمة كتل اسمنتية ضخمة جديدة تخنق العقد المرورية والأحياء المزدحمة تحت مسمى "التوسع العمراني".

التوسع الذي جاء بلا مراعاة للشروط الجمالية ولا البيئية ولا الفنية حتى، عدا عن سعار الانتشار الأفقي والعمودي لعشرات الأبنية المخصصة للسكن، ذات الشقق غالية الثمن، علماً أن بعض المشاريع السكنية يماطَل بتنفيذها كي يستفيد المتعهدون والمشرفون عليها من واقع ارتفاع أسعار البناء ليرفعوا السعر ويكنزوا مزيداً من الأموال التي سبق أن جمعوها من تنفيذ خدمات المشاريع والأبنية بشكل سيء.

لم يتغير شيء يذكر في قلب المدينة القديم على مدى عقود طويلة، وجاءت الحرب لتكون شمّاعة حيتان الفساد، فتجاوز إهمال القائمين على الأمر للمدينة حدود المنطق والمقبول وأصبح كل ما يشغل مسؤولي المدينة منحُ الرخص والصلاحيات لتجار ومتعهدين مَرضيٍّ عنهم 

وبقليل من التأمل يمكن القول: ستبقى هذه الكتل الفوضوية التي صنعها الفساد والجشع وسوء التخطيط خالية تماماً من السكان وإن تمّ بيعها أو شراؤها فسوف تنتقل ملكيتها من تاجر تبييض أموال سابق إلى تاجر حرب جديد إلى فاسد يجيدُ ترديد الشعارات ومحاباة حكومتي الظل والعلن، أما فقراء المدينة ومَن تبقى من أبناء الطبقة الوسطى، فيعرفون أنهم لا يستطيعون شراء بلاطة واحدة في أرخص عقار سكني.

والمفارقة المثيرة للغيظ والسخرية والغضب في آن، أنّ الغلاء يزداد رغم سوء الواقع الخدمي، فالحدائق العامة مهملة والأرصفة مكسّرة ومحفّرة والكهرباء غائبة غالباً بكميّة تغذية لا تتجاوز ثلاث أو أربع ساعات في المدينة التي توصف بأنها سياحية وتُعامل كأنها مكبّ نفايات الأزمة.

على كل حال، البحر موجود، والجبال موجودة والغطاء الأخضر بدأ يستعيد أنفاسه بعد مجزرة الحرائق الهائلة التي أتت على مساحات واسعة من الغابات والأراضي والأشجار المثمرة، وثمة شريط ساحلي طويل جداً نجا من تغوّل الاستثمارات العمياء والقرارات النفعية لزمرة القائمين على الأمر، صحيح أنها نقمة تحرم ملايين السوريين من التنعم بإطلالات خلّابة لو أنها عومِلت بذائقة رفيعة لكانت تضاهي في أهميتها سواحل إيطاليا واليونان، حيث الجبل مجاور للبحر والغابة ملاصقة له.

صحيح أننا محرومون من رؤية هذه الطبيعة الباهرة تعامل باحترام وحب لائقين فتستقبل أبناءها وضيوفها كما يفترض بكل المدن الجميلة في العالم، إلا أنها على الأقل بعيدة عن ماكينة الفساد، كذا عدد كبير من جبال اللاذقية غير المكتشفة وغير المشهورة شهرة كسب وصلنفة والبسيط ووادي قنديل على سبيل المثال، رغم أنها تضاهيها جمالاً وقد تتفوق عليها بأشواط.

أحلام صعبة المنال

حسناً، أفهم ذلك الخوف، فأنا أكتب هذا المقال وقد تعذّر عليَّ شحنُ بطاريات الإضاءة والنت لأن فترة التغذية الكهربائية المسائية كانت ربع ساعة فقط بعد ست ساعات قطع، تفاهات الحياة صارت أحلاماً بالنسبة لي شأني شأن الكثيرين:

نظرات الناس أصبحت ساهمة ومهمومة، وجوههم مرهقة، أحاديثهم ملأى بالشكاوي والتذمر، بالخوف والغضب في آن، بعضهم يريد السفر بلا عودة فعلاً وبعضهم لا تخطر الفكرة على باله، لكنه لا يكف عن مقارنة اليوم بأمس

أحلم بأن أرى ثلاجتي تصنع الثلج وتبرد الماء وتنقذ الطعام من التعفن، ثم إنّ الرطوبة عالية جداً ولا إمكانية لتشغيل مروحة أو مكيف هواء، أحلم بأن أتخلّص من هذا الشعور الخانق للصيف، الغاز المنزلي مقطوع وأسطوانتنا الحالية قيد النفاد وهذا الأمر يشكل لسوريي الداخل فوبيا حقيقية.

لا أستطيع طهي الأصناف التي تحتاج لوقت طويل في الفرن لعدم توفر بديل طاقة، أحلم أن يعود الزمان فلا أشغل بالي بالمدة التي أستطيع فيها استخدام الفرن لتحضير الطعام لعائلتي، أيضاً هناك إشاعة حول ارتفاع جديد في أسعار المحروقات، وهذا يعني ارتفاع تكلفة التنقلات، راتبي كان يعادل 400 إلى 500 دولار قبل الحرب أصبح أقل من 20 دولاراً اليوم، ولا يكفي حاجتي من المواصلات والتنقلات مدة نصف شهر.

كما نحتاج نصف راتب كمصروف يوم واحد من الغذاء، طبعاً لا أستطيع شراء عقارات ولا سيارات ولا التجرؤ على استعادة واحدٍ من طموحات ما قبل الحرب، لأن الآفاق مسدودة تماماً؛ أحلم بأن يكفيني راتبي مجدداً..

قبل مدة قصيرة أطلق أحد الشبيحة النار على المبنى الذي أسكن فيه، لا لشيء مهم سوى لأنه يستطيع ذلك، أحلم بألا أقلق على أولادي كلما مر أمثاله في الشارع. نظرات الناس أصبحت ساهمة ومهمومة، وجوههم مرهقة، أحاديثهم ملأى بالشكاوي والتذمر، بالخوف والغضب في آن، بعضهم يريد السفر بلا عودة فعلاً وبعضهم لا تخطر الفكرة على باله، لكنه لا يكف عن مقارنة اليوم بأمس ولا نعيم الحياة الماضية بجحيم الحياة الحالية.

أما بشأن السفر، فبإمكاني تدبر نفقاته لأغادر إلى بلد تتوفر فيها الشروط الإنسانية للعيش؛ من قانون مفروض على الجميع ويحمي الفقير قبل الوزير، وخدمات متقدمة وفرص عمل كبيرة ودخلٍ شهري كريم، إلا أنّ ما يمنعني هو أنني لا أعاني من رهاب سوريا، أنا لا أخاف من هذا البلد أبداً، بل أخاف عليها، رغم كل ما قُتل ويُقتل فيها، ورغم كل ما سُرق ويسرق منها ورغم الرؤية الضبابية المديدة.

اليوم، عشرة أعوامٍ من حرب مهولة، لا أريد الهجرة إلى بلد آخر، كما لم ولن أحتفل أبداً بإقامة تفصلني عن كل ما أحببتُ وعن كل من أحببت فيها، عشرة أعوام قاسية مريرة حقاً، لكنها كافية كي أتأكد من تعلّقي بكل شبر وكل كائن فيها، هذا وإني ما زلتُ أؤمن بأنها حتماً ستستعيد بهاءها وسخاءها وألفتها الحبيبة، وحين يحدث ذلك، سوف أحدّث جميع الناس عن فتنتها وعن إقامتي الذهبية في سوريا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard