"المساعدات ليست كافية للعيش"... عن أحوال اللاجئين في إسبانيا

الثلاثاء 28 سبتمبر 202102:57 م

"تشكّل إسبانيا مركز عبور، بهدف الوصول إلى الدول الأوروبية الأخرى، وخاصةً في الأوقات التي لا تستقبل فيها إيطاليا القوارب المطاطية، فتصل قوارب المتوسط بشكل هائل إلى الشواطئ الإسبانية، كما يصل اللاجئون بشكل رئيسي، إلى مدينتَي سبتة ومليلية، الواقعتين في الأراضي المغربية، ولكنهما تتبعان حكم المملكة الإسبانية". تقول الصحافية السورية المختصّة في شؤون النساء المهاجرات، واللاجئات، والمقيمة في إسبانيا منذ العام 2014، بسمة دالي، لرصيف22، وتضيف أنّ الحكومات الإسبانية المتعاقبة لم تساعد اللاجئين بشكل كافٍ، لذلك تعمل الكثير من المنظمات لسد هذه الاحتياجات.

الموت من أجل الوصول إلى الأراضي الأوروبية

في عام 2015، وخلال مؤتمر أوروبي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قال رئيس وزراء إسبانيا آنذاك، ماريانو راخوي، إن إسبانيا ستستقبل 15 ألف عائلة سورية، كما أشار راخوي إلى أنّ أوروبا في حاجة إلى سياسة لجوء مشتركة، عادّاً أنّ أزمة الهجرة الحالية تشكّل التحدي الأكبر لأوروبا. لكن إسبانيا لم تنفّذ ما قيل، والتقديرات تقول إنّ العدد الحالي لا يتجاوز الألفي عائلة سورية.

وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد قالت إنّ 149 شخصاً قد غرقوا في الطريق البحري الواصل بين وهران الجزائرية، وألميريا الإسبانية، منذ بداية العام الجاري.

وكانت المفوضية الأوروبية قد فرضت في شهر أيار/ مايو من العام 2015، على إسبانيا، قبول 5849 لاجئاً، في الخطة التي أعدّتها المفوضية لتقسيم اللاجئين على الدول الأوروبية، إلّا أنّ إسبانيا رفضت هذا العدد، ووافقت على استقبال 2749 لاجئاً، بما يمثل 45% فقط من حصتها المفروضة من قبل المفوضية الأوروبية.

بعد ست سنوات، وبالتحديد في الثاني والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر الجاري، أعلنت السلطات الإسبانية العثور على جثث سبع مهاجرين جزائريين، جرفتها مياه البحر إلى ساحل منطقة ألميريا، في جنوب البلاد. وحسب سلطات البلاد، فإنّ 367 مهاجراً وصلوا إلى سواحل ألميريا، عبر 31 قارباً خشبياً، خلال أسبوع واحد. وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد قالت إنّ 149 شخصاً قد غرقوا في الطريق البحري الواصل بين وهران الجزائرية، وألميريا الإسبانية، منذ بداية العام الجاري، وحتى نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي، كما قالت المنظمة إنّ 1146 شخصاً على الأقل، قد ماتوا غرقاً في البحر المتوسط، خلال محاولة الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، في النصف الأول من العام 2021.

تقول الناشطة والمترجمة الإسبانية، نعومي راميريث، لرصيف22، إنّ الأسباب الرئيسية لجعل الكثير من المهاجرين/ ات، واللاجئين/ ات، إلى إسبانيا، كونها محطة على طريق الوصول إلى دول أوروبية، ولا سيما ألمانيا والسويد، هي أنّ "المساعدات في إسبانيا، ليست كافية للعيش"، وأنّ "الكثير من اللاجئين، يفضّلون الذهاب إلى السويد وألمانيا، لأن المساعدات أفضل بشكل كبير، لذلك لا يريد أحد الاستقرار في إسبانيا، إلّا في حال وجود معارف وأقرباء يعيشون بالفعل فيها، أو كانوا من المتحدثين باللغة الإسبانية".

"الكثير من اللاجئين، يفضّلون الذهاب إلى السويد وألمانيا، لأن المساعدات أفضل بشكل كبير، لذلك لا يريد أحد الاستقرار في إسبانيا، إلّا في حال وجود معارف وأقرباء يعيشون بالفعل فيها، أو كانوا من المتحدثين باللغة الإسبانية"

وصول اللاجئين إلى إسبانيا لم يتوقف

قبل سنوات، كانت الشواطئ اليونانية، ومن ثمّ الإيطالية، هي المستقبل الأكبر للّاجئين القاصدين الدول الأوروبية. وفي نهاية العام 2017، كانت إيطاليا هي المستقبل الأكبر في أوروبا لهم، لكن سياسة الحكومة الإيطالية اليمينية، واتفاقياتها المشتركة مع دول المنطقة، ولا سيما ليبيا، كبحت تدفّق اللاجئين الواصلين إلى شواطئها عبر البحر الأبيض المتوسط، حتى أنّها قامت بإعادة قوارب إلى الشواطئ التي انطلقت منها، كما رفضت استقبال سفينة "أكواريوس"، التي قامت بإنقاذ مهاجرين في البحر، لتقوم حكومة إسبانيا برئاسة بيدرو سانشيز، باستقبال السفينة بحفاوة، وكانت هذه إشارة إلى أنّ الطريق إلى إسبانيا عبر البحر، هو الطريق "الأسهل" للوصول إلى أوروبا.

لكن لاحقاً، في العام 2018، وبعد أن رست سفن إنقاذ أخرى في المرافئ الإسبانية، عارضت الحكومة استقبال سفينة "أكواريوس" جديدة، ليتم إنزال المهاجرين أخيراً، بعد تجاذبات سياسية عديدة، في جزيرة مالطا.

في هذا السياق، نُشر مقطع فيديو في العشرين من أيلول/ سبتمبر الجاري، يُظهر وصول 125 شخصاً إلى صخرة فيليز دي لا غوميرا، وهي منطقة إسبانية بالقرب من الحسيمة، بهدف طلب اللجوء والحماية.


حسب فضيلة الشامي، وهي ناشطة سورية مقيمة في إسبانيا منذ 18 سنة، وتعمل مع منظمة العفو الدولية (آمنستي)، ومع منظمة "صوت" التي تُعنى بالمرأة السورية، فإنّ إسبانيا تحاول ألا تدع أي قارب مطاطي يصل إلى شواطئها، وذلك عن طريق إغراقها، أو إرجاعها إلى الشاطئ الذي انطلقت منه، ومن يحاول مساعدة هذه القوارب من المدنيين، يتم تقديمه للمحاكمة، بتهمة تهريب البشر.

لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ استمرار وصول اللاجئين إلى إسبانيا، لم يتوقف بعد، إذ كشف تقرير حديث لوكالة مراقبة الحدود الأوروبية، نُشر في شهر آب/ أغسطس الماضي، أنّ "محور الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط نحو إسبانيا، شهد العام الجاري حتى نهاية شهر تموز/ يوليو، وصول 7040 مهاجراً غير شرعي عبر 1380 عملية وصول"، وكان أكثر من 4700 منهم، جزائريين، وفي المرتبة الثانية حلّ المهاجرون من المملكة المغربية.

"تواجه النساء المهاجرات واللاجئات، صعوبات في اندماجهن في العمل، بسبب التمييز، والاستغلال في العمل، وعدم المساواة"

يُذكر أنّ الكثير من اللاجئين/ ات، والمهاجرين/ ات، في إسبانيا، قد جاؤوا لأسباب اقتصادية، وبشكل رئيسي من جنوب أمريكا، وذلك بسبب اللغة المشتركة، إذ يمكن للكثير من الأشخاص في أمريكا اللاتينية الحصول على الجنسية الإسبانية، كما توجد برامج لاستقبال بعضهم هنا، من أجل الدراسة والعمل، فضلاً عن وجود مشاريع كثيرة في جنوب أمريكا تسهّل وصول الناس إلى إسبانيا، وذلك بسبب التاريخ الاستعماري الطويل لإسبانيا في قارة جنوب أمريكا، بالإضافة إلى هجرة الكثير من الإسبان، خلال الحرب الأهلية الإسبانية، إلى دول أمريكا اللاتينية، ولا سيما دولة فنزويلا.

وحسب نعومي راميريث، فإنّ القادمين من دول أخرى، كأفغانستان، والعراق، وفلسطين، ومن الدول الإفريقية، لم تكن أعدادهم كبيرة مثل أولئك القادمين من فنزويلا مثلاً. وتضيف بأنّها بدأت العمل مع مكتب الهجرة، بعد العام 2015، وسمعتهم يقولون إنّهم لم يروا أعداداً كبيرة مثل هذه، من قبل.

التعامل الحكومي بين سوء المعاملة والترحيل

تقول فضيلة الشامي لرصيف22، إنّ "القوارب المطاطية تصل إلى إسبانيا، قادمةً من المغرب وإيطاليا والجزائر، كما يُوصل تجّار البشر المهاجرين إلى مدينتَي سبتة ومليلية، وإلى جزر الكناري، حيث يتم وضعهم في مراكز تشبه السجون، أوضاعهم فيها سيئة جداً إذ لا طعام يكفي، والأمراض تنتشر".

خلال السنوات السابقة، تواترت أنباء عن سوء معاملة يتعرّض لها اللاجئون في إسبانيا، حتى وصل الأمر إلى ضرب بعصي كهربائية، أو تقديم خدمات سيئة، لينتهي المطاف، مثلاً، بخمس عشرة عائلة سورية، للعيش في حديقة عامة في العاصمة مدريد، وذلك حسب تقارير صحافية، كما قال تقرير آخر نُشر في نهاية العام 2019، إنّ طالبي اللجوء وأطفالهم، يعانون من البرد القارس في العاصمة مدريد، في أثناء انتظارهم خارج مكتب خدمة المساعدات الاجتماعية، وتقول السلطات المسؤولة إنّها لا تمتلك الموارد الكافية، لإيوائهم.

وحسب الناشطة والمترجمة الإسبانية نعومي راميريث، التي عملت سابقاً في مكتب الهجرة في العاصمة مدريد، فإنّ "إسبانيا لم تكن مجهزة لاستقبال هذا العدد الكبير من اللاجئين الذين قدموا بين العامين 2015 و2017. وبالتأكيد، فإن نظام استقبال اللاجئين في إسبانيا ليس الأفضل في أوروبا، ولكن أيضاً إسبانيا لم تكن مركزاً لاستقبال اللاجئين، ونقول لاجئين تجاوزاً، لأنّ الكثيرين منهم لم يملكوا صفة اللاجئين، أو لم يتم الاعتراف بهم كلاجئين".

في شهر آب/ أغسطس، وبعد سيطرة طالبان على معظم أراضي أفغانستان، أعلنت إسبانيا الاتفاق مع واشنطن على استخدام قاعدتين عسكريتين في أراضيها، لاستقبال الأفغان الذين كانوا يعملون لحساب الحكومة الأمريكية، إلى حين ترتيب سفرهم إلى دول أخرى، إذ ترفض الحكومة الإسبانية استقبال المزيد من المهاجرين.

في هذا السياق، يُذكر أنّ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان اتهمت السلطات الإسبانية في شهر أيار/ مايو الماضي، بترحيل أربعين لاجئاً يمنياً، على الرغم من أنّهم كانوا في مركز استقبال طالبي اللجوء، فيما كانت منظمة العفو الدولية قد انتقدت "استعمال" السلطات المغربية لطالبي اللجوء، بهدف "الضغط على إسبانيا لأغراض سياسية" في الوقت الذي أدانت فيه أيضاً "تعرّض مهاجرين، بينهم أطفال، للضرب من القوات الإسبانية"، مطالبة السلطات الإسبانية بالتحقيق في مثل هذه القضايا، وذلك حسب تقارير صحافية.

بحسب الناشطة والمترجمة الإسبانية نعومي راميريث، فإنّ "إسبانيا لم تكن مجهزة لاستقبال هذا العدد الكبير من اللاجئين الذين قدموا بين العامين 2015 و2017. وبالتأكيد، فإن نظام استقبال اللاجئين في إسبانيا ليس الأفضل في أوروبا"

أوضاع النساء المهاجرات الكارثية

"تواجه النساء المهاجرات واللاجئات، صعوبات في اندماجهن في العمل، بسبب التمييز، والاستغلال في العمل، وعدم المساواة"، وذلك حسب ما نقلت الصحافية بسمة دالي، عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وذلك في الموقع الإلكتروني الذي أنشأته، والذي يُعنى بشؤون النساء المهاجرات في إسبانيا.

كثيرات من المهاجرات إلى إسبانيا، لا يقدّمن طلباتٍ للّجوء، بل يقصدن البلد الواقع في جنوب غرب قارة أوروبا، من أجل العمل، مثل النساء المغربيات، اللواتي يُسمَّين بـ"نساء الفراولة"، وهن عاملات موسميات يعملن في الحقول الإسبانية، خلال المواسم الزراعية، وفق عقود يتم توقيعها بين الحكومتين المغربية والإسبانية، لاستقطاب اليد العاملة من المغرب، موسمياً.

تعاني "نساء الفراولة" من أوضاع هشّة، ومن محاولات الاعتداء الجنسي، والاتّجار بالبشر، وارتكاب جرائم مختلفة في حقهن، فضلاً عن عدم حصولهن على المبالغ المُتفق عليها، والتي تكون عادة أقل من الحد الأدنى من الأجور.

هناك أيضاً الكثيرات من النساء، قدمن إلى إسبانيا من إثيوبيا، حيث يعمل الكثير منهن كعاملات جنسيات، لأنهن ضحايا لعمليات الاتّجار بالبشر. أُولئك النساء لا يقدّمن طلبات لجوء، وبعد سنوات من البقاء في إسبانيا من دون الحصول على أوراق، يحصل بعضهن على قرار الطرد من إسبانيا، لكنهن عادة في حاجة إلى سداد أموال للمهربين الذين أوصلوهن إلى هناك، وبالطبع تعاني الكثيرات من تهديدات أولئك المهربين لعائلاتهن. لذلك، فإنّ الحل الوحيد أمام معظمهن، هو تقديم طلب لجوء، من أجل الحصول على أوراق تحميهن، ولو لفترة مؤقتة، ودائماً ما كنّ يقدمن القصة نفسها، لدى مقابلة تقديم اللجوء، حسب راميريث.

تعيش إسبانيا أزمة اقتصادية منذ العام 2008، والحياة صعبة بالنسبة إلى الكثير من الإسبان، ومعدلات البطالة في البلاد من الأعلى أوروبياً. ذلك يدفع أحزاب اليمين المتطرف، وجماعاته، إلى رفض تقديم المساعدات للّاجئين/ ات

التعامل الشعبي غير المرحّب باللاجئين

تعيش إسبانيا أزمة اقتصادية منذ العام 2008، والحياة صعبة بالنسبة إلى الكثير من الإسبان، ومعدلات البطالة في البلاد من الأعلى أوروبياً. ذلك يدفع أحزاب اليمين المتطرف، وجماعاته، إلى رفض تقديم المساعدات للّاجئين/ ات، والقول إنّ المساعدات كلها تُقدَّم لأولئك الذين لا يقدّمون أي شيء للمجتمع، وهذا أثّر على صورة اللاجئين/ ات، كثيراً عند المجتمع، حسب ما قالت نعومي راميريث، لرصيف22.

توافق الصحافية بسمة دالي، على ما سبق، وتقول إنّه "لا توجد توعية من قبل الحكومة، ومن قبل المنظمات، عن قضية اللجوء واللاجئين، لذلك هناك استياء واضح من اللاجئين، وهو في ازدياد، بسبب بروباغندا الأحزاب اليمينية المعادية للاجئين، ودائماً ما يُلام اللاجئون على كلّ شيء". وتضيف أنّ "الصور النمطية عن اللاجئين، منتشرة بشكل كبير، كما أنّ الحكومة والمجتمع بشكل عام، لا يعملون على إدماج اللاجئين في المجتمع، بالشكل المطلوب".

"إسبانيا تحاول ألا تدع أي قارب مطاطي يصل إلى شواطئها، وذلك عن طريق إغراقها، أو إرجاعها إلى الشاطئ الذي انطلقت منه"

"هنالك مهاجرون غير شرعيين، يدخلون البلاد، ولا يقدّمون طلبات لجوء، ويعملون بشكل غير قانوني، وبشكل رئيسي في تنظيف البيوت، وفي مساعدة المسنين. أولئك يتعرضون لاستغلال فاحش، إذ يحصلون على نقود تكاد لا تكفي للطعام والشراب"، تقول بسمة دالي لرصيف22، وتضيف أنّه لا يوجد نظام لجوء واضح في إسبانيا، ولا يوجد نظام اندماج، وأنّ دورات اللغة سيئة، وعدد ساعات تعليمها قليل جداً.

كذلك تقول فضيلة الشامي، لرصيف22، إنّ "الأوضاع الاقتصادية الصعبة في إسبانيا، تلعب دوراً في عدم تقبل اللاجئين، كما أنّ الأحزاب اليمينية قامت بتنظيم مظاهرات معادية للاجئين، بالإضافة إلى أنّ برامج الاندماج غير متوفرة، والمجتمع يرفض ثياب النساء (المحجبات) مثلاً، ومن الصعب أن يحصل اللاجئون/ ات، على بيوت للإيجار، بسبب العنصرية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard