مات قبل أن أقول له كل شيء… كيف استطعت استيعاب رحيل أبي المسيء؟

الثلاثاء 28 سبتمبر 202101:47 م

بين الحب والكره، هناك آلاف المشاعر. هناك أسباب عديدة لكي أحبه، وأسباب أكثر لكي أكرهه، لكن لم أكن أعلم أنه، على الرغم من علاقتنا الملتبسة، وعلى الرغم من علمي بأنه في أيامه الأخيرة، حين أصابه الفشل الكلوي، ومرض الاستسقاء، أحد مضاعفات سرطان الكبد، وكان قد أصيب بمرض دوالي المريء، قبل خمس سنوات، وعلى الرغم من أنني استعدّيت تقريباً لوفاته، لم أكن أعلم أنه على الرغم من ذلك كله، سأصاب بصدمة شديدة، عند سماعي خبر رحيله. كنت أعيش في القاهرة، بمفردي، عندما أخبرتني أمي عبر الهاتف بأن "بابا مات". لم أنطق سوى بكلمة "ليه... ليه؟"، فقالت: "نصيبنا كده". كنت أتمنى أن أخلد إلى النوم، مثل ميرسو، بطل رواية الغريب، لألبير كامو، عندما سمع خبر وفاة أمه، فلم أكن مستعدة لمواجهة الموقف.

يخبرني الطبيب بأنني مصابة بالـthanatophobia، أو بقلق الموت.

يقول بول أوستر، في كتاب "اختراع العزلة": "على نحو مفاجئ، ودون إرسال إشارة تمهيد لمغادرة العالم، يموت الأب".

لم أرتدِ الأسود من الصدمة، وهرعت إلى ركوب سيارة إلى قريتي القديمة، التي لم أزرها منذ سبع سنوات. وما إن وصلت إلى باب البيت، حتى سقطت من هول المشهد؛ إنه بيتي الذي وُلدت فيه، ولعبت، ورأيت فيه أكثر من عزاء، ولم أكن أتخيل أن أبي سيقام له عزاء في يوم من الأيام، في البيت ذاته. رأيت الرجال جالسين عند مدخل البيت، والسيدات اللواتي يتّشحن بالسواد، يجلسن على هيئة مربع. كنت أعتقد أنني سأجد أبي جالساً في الداخل، لكنني عندما دخلتُ، وجدته نائماً مغطّى بالبياض، وبطنه منتفخة من أثر الاستسقاء، ونساء العائلة حوله. بتنا في جواره ليلةً كاملة، وخرجت الجنازة قبل الظهيرة. لم أبكِ. رأيت أبي يدخل إلى القبر، ويغلقون عليه بالطين، والإسمنت. رجعنا إلى البيت للعزاء، وأنا صامتة تماماً، ليطلب مني أهلي أن آكل شيئاً، وقد أحضروا طبّاخاً لصنع وجبات الغداء. لا أعلم كيف لا يصيب أهل الميت الذهول، ويلتفتون إلى هذه التفاصيل كلها.

لم أكن أبداً الفتاة المدللة التي تحب أباها، وكما قلت في البداية، كانت علاقتنا ملتبسة، فالأب في حياتنا، غالباً شخص غائب، أو غير موجود. لكن ما أصابني، بعد موته، هي حالة عدم تصديق، وذهول، وغضب

كنت في حالة ذهول تامة، استمرت معي مدة ستة أشهر، ولا أعرف لماذا كنت أعتقد أنه سيعود. حتى أن صديقاً لي، توفيت والدته قبل سنوات عديدة، أخبرني بأنه كان يعتقد الأمر ذاته. كنت أعتقد أنه مختبئ في مكان ما، إذ لم أستوعب كيف يمكن لشخص كان يضحك، ويأكل، قبل يومين، أن يختفي تماماً. أخذت أفكر في أفكار طفولية، مثل أين ذهب؟ ولماذا هو بالذات؟ ولماذا الآن؟ أصابتني حالة عدمية، وامتنعت عن الذهاب إلى العمل. لم أكن أجيب على الهاتف، ولم أهتم بخطابات الإنذار التي تصلني من عملي، حتى أرسلوا لي خطاب الرفت. لم أكن آكل تقريباً، ونحل جسمي، وضعفت صحتي كثيراً.

لم أعرف كيف أتعامل مع الموت، مع أن الموت تراث عائلي. كنت أتعجب من أن الحياة ما زالت مستمرة، وأن الناس يمشون في الشوارع، ويذهبون إلى العمل. لم تتوقف الحياة دقيقة واحدة، حداداً على موت أبي. بعدها، جرّبت للمرة الأولى، نوبات الهلع. كنت أتّصل بأمي لأبكيه عبر الهاتف. لم أعرف ماذا أفعل سوى كتابة بوستات حزينة على الفيسبوك، أناشده فيها أن يعود. كنت أرى طيفه في الشوارع، ويلتوي عنقي عندما أرى سيارة تشبه سيارته. كنت أسمع صوت مقبض الباب، وأتخيل أنه سيدخل منه عائداً من الموت. لم أكن أبداً الفتاة المدللة التي تحب أباها، وكما قلت في البداية، كانت علاقتنا ملتبسة، فالأب في حياتنا، غالباً شخص غائب، أو غير موجود. لكن ما أصابني، بعد موته، هي حالة عدم تصديق، وذهول، وغضب. أخذت أصنع سيناريوهات في خيالي، ربما لو لم يتربَّ أبي في قرية، لما كان أصيب بالبلهارسيا في صغره، حتى تلف كبده. لو كان سرطان الكبد قد أخطأه، ليصيب شخصاً آخر. لو كنا نمتلك الكثير من الأموال، لكي نزرع له كبداً. لو لم يُجرِ له الطبيب، الذي سمعته أمي يقول قبل العملية أنه قد فقد تركيزه، عملية فاشلة، تدهورت حالته من بعدها. سيناريوهات لا تنتهي. ما أصابني بالندم، هو أنني لم أهتم كثيراً بمرضه في حياته، منذ أن بكت أمي في المستشفى الحكومي، بعدما أخبرها الطبيب أنه مصاب بدوالي المريء في حالة متقدمة جداً. يومها، كان أبي عائداً من حفل زفاف، وتقيّأ دماً. هرعنا إلى المستشفى الجامعي ليلاً، ولم نجد طبيباً. ظللنا نصرخ، بينما النائب لا يريد النزول لإنقاذ أبي، وهددناه بتبليغ الشرطة.

بعد مدة، ازدادت حالتي سوءاً، وقررت الذهاب إلى طبيب نفسي، للمرة الثانية في حياتي. كنت مضطربة اضطراباً شديداً، وأصبحت مثار سخرية الأصدقاء، ورثائهم، وأخذوا يخبرونني بأن أتحدث في شيء آخر غير الموت.

اضطررت إلى قطع العلاج النفسي، لأنني لم أسترح للطبيب، فساءت حالتي مرة أخرى، وكنت عاطلة عن العمل، ووحيدة، أي فريسة للحزن بأنواعه كلها، بمعنى أصح.

أخبرتني إحدى الصديقات، أن الوجع سيقلّ، وبالفعل بعد حين، يحدث الاستيعاب، وتصدق أن الميت لا يعود، ثم تتقبل الموت، لكني خفت من فقدان صورة أبي، ومن أن أنساه، وعملت بنصيحة بول أوستر عندما قال: "رحل أبي، وإن لم أتصرف بسرعة، فستتلاشى حياته بأكملها". وشرعت في الكتابة عنه. أصبحت أخاف بشدة على أمي، وأراقب أنفاسها في أثناء نومها. يخبرني الطبيب بأنني مصابة بالـthanatophobia، أو بقلق الموت. ويخبرني بأن الطفل الذي يتعرض لتعنيفٍ، أو خوف، أو ترهيب، من مصدر التعلق، يكون التعلق لديه أقوى. كانت هذه لحظة التنوير بالنسبة إليّ، ربما كانت علاقتنا الملتبسة هي سبب شعوري بالصدمة الشديدة لوفاة أبي. هناك الكثير مما لم أقله له بعد، لوم، وعتاب، وغضب أيضاً.

أخبرني بأن الطفل الذي يتعرض لتعنيفٍ، أو خوف، أو ترهيب، من مصدر التعلق، يكون التعلق لديه أقوى. كانت هذه لحظة التنوير بالنسبة إليّ، ربما كانت علاقتنا الملتبسة هي سبب شعوري بالصدمة الشديدة لوفاة أبي. هناك الكثير مما لم أقله له بعد، لوم، وعتاب، وغضب أيضاً

لكن ماذا أفعل لكي أتغلّب على الموت؟ تبعاً لعالم الأنثروبولوجيا، إرنست بيكر، فإن غالبية أفعال البشر، تتم في المقام الأول كوسيلة لتجاهل الموت، أو التهرب منه. وتبعاً لنظرية السيطرة على الخوف (TMT)، فإن الوعي بحتمية الفناء البشري، يرعبنا، ويجبرنا على التكيف معه بطريقة ما. بعض الأشخاص يتجنبون تماماً التفكير في الأمر، بينما يحاول الآخرون جعل أنفسهم خالدين بطريقةٍ ما. يجعلهم ذلك راغبين بشدة في تكوين أسرة، أو يتجلى الأمر بالإيمان بالحياة الأخرى.

لكن من خبرتي في التعامل مع الموت، دعني أخبرك ببعض الخطوات التي من الممكن أن تقوم بها لمواكبة الفقد. هناك نوعان من الخوف من الفقد؛ خوف من فقد شخص يعاني بالفعل من مرض ما، وخوف من فقد شخص لا يظهر عليه المرض، أو غير متقدّم في السن. لكن القلق الوجودي يجعلك تتذكر الموت الحتمي في كل لحظة. ما فعلته أنا، هو أنني أصبحت أقضي وقتاً كبيراً مع أمي، وتحسنت علاقتي بها كثيراً، وأصبحت أعيش اللحظة بكياني كله، وأقول لملك الموت: اتركنا حتى الغد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard