مكتبة نوبل… دمشق تمحو آثارها التي صوّرها الشعراء

الخميس 23 سبتمبر 202105:56 م

قبل أسبوع، انتهيت من مشاهدة مسلسل "المال والبنون"، المنتَج في تسعينيات القرن الماضي (من تأليف محمد جلال عبد القوي، وإخراج مجدي أبو عميرة). في أحد مشاهد المسلسل، يقف دكتور الجامعة ليرمي الكتب المصفوفة في مكتبة منزله، على الأرض، في اعتراض ضمني على نكسة 1967، لأن الجيل المهزوم لم يفهم القوة الموجودة في هذه الكتب.

يبدو الحال مشابهاً في الوقت الحالي، وسط الهزائم التي مُنيت وتمنى بها المنطقة العربية، منذ سنوات طويلة. عواصم محتلة، وفشل اقتصادي وسياسي واجتماعي، وهجرة جماعية إلى "دول العالم الأول"، وأراضٍ محتلة منذ سنوات، من دون حراك حقيقي، وربما تمثّل سوريا أبشع صور هذه الهزيمة وأصدقها، والتي تمثّل نتيجة منطقية للهزائم السابقة.

ووسط هذه الأزمات المتتالية، والصور القادمة من دمشق، وبيروت، وبغداد، للأزمات المعيشية، تعلن مكتبة "نوبل" وسط العاصمة السورية دمشق، استسلامها، وترفع الراية البيضاء، وتقرر إغلاق أبوابها، بعد أعوام طويلة شكّلت خلالها جزءاً من المشهد الثقافي في دمشق، علماً أنها ليست المكتبة الأولى التي تعلن عن خطوة كهذه، في الأعوام الأخيرة، إذ سبقتها مكتبتا ميسلون، واليقظة، وغيرهما، ولكن لمَ الاستغراب؟!

هذا القرار الذي اتخذته المكتبة الواقعة في الوسط التجاري للعاصمة، بالقرب من مقر "مجلس الشعب"، ومقهى الروضة، وفندق الشام (وهي مناطق شهيرة جداً لمن يعرف دمشق)، يبدو منطقياً في ظل الانهيار الحاصل كله، اليوم، اقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً. دائماً المقدمات المنطقية تؤدي إلى نتائج منطقية، كما يقول ابن خلدون!

من يعرف نوبل، يعرف أيضاً حال الثقافة في سوريا، وليس في دمشق فحسب، ويعرف أن بسطات الكتب المنتشرة في مناطق عدة، وبعضها كانت تبيع كتباً بمحتويات جنسية، أو قصصاً وروايات من الدرجة العاشرة، كانت تحقق أرباحاً أكثر من نوبل ومثيلاتها، بكثير

انقسم السوريون حول "تشييع" مكتبة نوبل، بين الحزن على ما وصل إليه حال البلاد، وبين السخرية من هذا الحزن، والسخرية هنا في الأساس ليست موجهة إلى الحزانى، بل موجهة إلى دمشق نفسها، التي اعتدنا على موجات السخرية منها، خلال السنوات الماضية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإلى حالة النوستالجيا التي أصابت، على مدى عشر سنوات مضت، آلاف السوريين اللاجئين في تركيا، وأوروبا.

تصوّر حالة النوستالجيا هذه، دمشق، وسوريا بصورة ما، التي يصفها البعض بالدافئة، وتقترن بلم شمل العائلات، والهدوء، والاستقرار المزيف، وصوت فيروز الصباحي، وقصص الحب الرومانسية في حارات دمشق القديمة (وهي صورة عززتها الدراما السورية عبر عشرات المشاهد، كما الصورة نفسها التي أتحدث عنها، وهو موضوع يمكن أن نفرد له صفحات أخرى).

غياب "نوبل" اليوم، هو نقص في هذه الصورة المتعلقة بالذاكرة والمكان. الكثيرون ممن نعوا "نوبل"، عبر صفحاتهم، لا يعرفون موقع المكتبة الجغرافي، أو تاريخها الذي تحدث عنه صحافيون سوريون، عبر وسائل إعلام عربية. لكن التغيير في الذاكرة، والصورة، مؤلم أيضاً، خاصةً إن كانت الصورة الجديدة مقرونة بالدم، والألم، والديكتاتورية، والعنجهية السياسية، وأصوات المعتقلين المكتومة، حتى قبل عام 2011.

ومن يعرف نوبل، يعرف أيضاً حال الثقافة في سوريا، وليس في دمشق فحسب، ويعرف أن بسطات الكتب المنتشرة في مناطق عدة، وبعضها كانت تبيع كتباً بمحتويات جنسية، أو قصصاً وروايات من الدرجة العاشرة، كانت تحقق أرباحاً أكثر من نوبل ومثيلاتها، بكثير، كما أن بعض هذه البسطات كانت محتوياتها أهم من محتويات المكتبات الأخرى.

ما زلت على تواصل مع صديقَين لم تتِح لهما الظروف، الخروجَ من المدينة، يصفان حالها، ووجوه المتعبين والبائسين من سكانها الجدد والقدامى. ثم تدريجياً توقفت خجلاً عن السؤال عن الحال، وتوقفا بدورهما عن وصف وجوه الناس. ربما لا يعرفان نوبل، ولم يسمعا عنها، وإن مرّا من أمامها، لتجاهلاها بشكل متعمد.

هل هذا يعني أن قرار الإغلاق ليس مؤلماً؟ بلى، هو مؤلم، لأنه يأتي مكملاً للصورة القاتمة المرسومة لمستقبل سوريا بمناطقها كلها، بغض النظر عن القوى المسيطرة عليها، وعلى الرغم من تباين الآراء الإنسانية والسياسية، منذ عشر سنوات حول سوريا، إلا أن النعي واحد، والاتفاق موجود على مستقبل قاتم، ومن يجرؤ على الحديث عن الأمل، سيتحول بسرعة الضوء إلى مادة للسخرية.

منذ سنوات، وحال الثقافة السورية والعربية في تراجع. طال الحديث عن أزمات دور النشر، والطباعة، وجودة محتوى الكتب المنشورة خلال سنوات؛ هل سيشبع الكتاب بطون الجياع؟ بالطبع لا، ويبدو من السخرية الحديث عن الكتاب، والثقافة، والمثقفين، أمام صور طوابير أساسيات الحياة المفتقدة في دمشق؛ الكهرباء غائبة، وأزمات الوقود أسالت الحبر على أوراق الصحف، والأخبار الواردة من سوريا في الفترة الأخيرة، تتحدث عن أعداد كبيرة من المغادرين، ومعظمهم لن يعود، في تقديري المتواضع.

إذاً، إن نعي نوبل اليوم من المتسائلين عن حال الثقافة، هو نعي لحنينهم وانتمائهم، والإغلاق دعوة غير مباشرة لهم، لعدم التفكير حتى في العودة، ولو من باب السياحة، إلى مدنهم التي مُحيت بفعل الدكتاتورية، وربما هناك نعي لقدسية الكتاب، وبرستيجه، على الرغم من أنه، ومنذ سنوات، وتحديداً منذ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، قد فقد قيمته، كما فقدت المعرفة في بلادنا قيمتها أصلاً.

لكيلا أكون قاسياً، محزنٌ إغلاق مكتبة نوبل، ومحزن إغلاق أي مكتبة، لكن المحزن أكثر، هو حالنا وهزائمنا اليومية، وربما يمكن اليوم، وبعد سنوات من المماطلة، على الأقل مني شخصياً، أن يقول السوريون جميعهم: وداعاً سوريا

علينا قبل أن ننعى نوبل، وغيرها، أن نتساءل جميعنا عن معارض الكتاب، ومحتوياتها؛ ما هي نسبة الكتب العلمية؟ الكتب التي تناقش الفلسفة، والعلوم، والفيزياء؟ ما نسبة الكتب العلمية المترجمة المشاركة، بالمقارنة مع كتب الأديان، والروايات الأدبية، وكتب الأبراج، وفن الطبخ؟ لماذا ننعى نوبل، إن كان الحال كله منهاراً؟ لنعي الذاكرة؟ الذاكرة يا عزيزي ماتت منذ أول شهيد سقط في الشارع وهو يطالب بحقوقه الحياتية التي تضمنها الأمم المتحدة عبر إعلان حقوق الإنسان. سقطت فعلياً منذ أن أصبح الهرب من الانتماء إلى سوريا، هماً يومياً يهرب منه السوريون في كل لحظة.

إن كان الأمر نعياً للذاكرة، وللصورة الدافئة، فهذه مُحيت بقوة السلاح، في مناطق سوريا جميعها، وإن كانت نعياً لمكان يبيع الكتب، فهناك مكتبة كبيرة ستفتتح أبوابها في دمشق قريباً، حسب الصحافي السوري يعرب العيسى، وستحمل اسم مكتبة الورّاق، في شارع العابد، بالقرب من المكتبة المفقودة. ولمن سيفتقد الكتاب، الإنترنت يوفر آلاف الكتب بشكل مجاني.

لكيلا أكون قاسياً، محزنٌ إغلاق مكتبة نوبل، ومحزن إغلاق أي مكتبة، لكن المحزن أكثر، هو حالنا وهزائمنا اليومية، وربما يمكن اليوم، وبعد سنوات من المماطلة، على الأقل مني شخصياً، أن يقول السوريون جميعهم: وداعاً سوريا. وأن يقول الدمشقيون، رداً على موجات السخرية المتتالية منهم، ومن مدنهم، من قِبل سوريين آخرين، أن يقولوا هذي دمشق أمامكم مُحيت آثارها التي صوّرها الشعراء، اسخروا منها كما شئتم، فها نحنا منها خارجون، فقد خرجت منا منذ أجيال!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard