منهج تاريخ إسرائيلي يدفع بالطلاب إلى التفكير في السردية المؤسسة لدولتهم

الأربعاء 22 سبتمبر 202112:23 م

"خمسة أيام فقط تفصلنا عن اليوم الموعود، 15 أيار/ مايو، ورأينا أن هناك حاجة إلى تنظيف الجليل من الداخل لكي ننشئ مساحة يهودية بالكامل تمتد حتى الجليل الأعلى". التنظيف الذي يتحدث عنه إيجال عالون، قائد عصابة بالماخ الصهيونية، وقائد الجيش الإسرائيلي لاحقاً في مذكراته "كتاب البالماخ"، كان موضوع سؤال في امتحان منهج التاريخ الخاص الذي أداه طلاب من 55 مدرسة في إسرائيل هذا الصيف، حين سئلوا عن الأسباب التاريخية لـ"مشكلة اللاجئين" الفلسطينية، وإن كانت إسرائيل قد لعبت دوراً في خلق هذه المشكلة.

السؤال المطروح على بعض طلاب الثانوية العامة في إسرائيل يمثل انقلاباً صغيراً على قرارٍ اتخذ عام 2009 يقضي بحظر استخدام كلمة "النكبة" في الكتب الدراسية، ومحو الحقائق حول جرائم الحرب والمجازر التي قامت على أساسها دولة إسرائيل خلال ما يسمى بـ"حرب التحرير"، في إطار محاولات الاحتلال المستمرة لمحو السردية الفلسطينية بشكل كامل.
في كتاب البالماخ المقرر ضمن منهج التاريخ الخاص الذي تدرسه نخبة من الطلاب المتميزين في بعض المدارس الثانوية الإسرائيلية، يحكي عالون بفخر عن "حرب نفسية" استطاع من خلالها أن يطلق هروب "عشرات الآلاف من العرب المتوحشين الباقين في الجليل، الذين يتصورون أن بإمكانهم أن يهاجمونا من بيوتهم". نشر عالون شائعة مفادها أن تعزيزات يهودية ضخمة آتية في الطريق وأنهم سيحرقون بيوت قرى الحولة بمن فيها من سكان.
امتثالاً لقرار حظر استخدام تعبير "النكبة"، يتيح السؤال، لأول مرة، للطلاب فرصة التعبير عن الدور الإسرائيلي في "المشكلة" الفلسطينية، ما يعد سابقة في المدارس الإسرائيلية.
السؤال المطروح على بعض طلاب الثانوية العامة في إسرائيل، يمثل انقلاباً صغيراً على قرارٍ اتخذ عام 2009 يقضي بحظر استخدام كلمة "النكبة" في الكتب الدراسية، ومحو الحقائق حول جرائم الحرب والمجازر التي قامت على أساسها الدولة

ما فعله اليمين



دائماً كانت "حرب التحرير" الإسرائيلية تدرَّس في المدارس باعتبار أن ما فعلته العصابات الصهيونية ضروري لـ"استعادة الحق" في أرض إسرائيل التاريخية، وكان يسمح للفلسطينيين بتدريس سرديتهم تحت رقابة في المدارس العربية، إلا أن الأعوام العشرين الأخيرة شهدت تضييقاً متواصلاً من وزراء التعليم في الحكومات اليمنية الإسرائيلية على الفلسطينيين في الداخل المحتل وفرض السردية الإسرائيلية بالتدريج.
بدأت تلك الاعتداءات بقرار حظر استخدام كلمة "النكبة" للتعبير عما شهدته الأراضي الفلسطينية من جرائم تطهير عرقي بدءاً من عشرينيات القرن الماضي حتى الإعلان عن دولة إسرائيل فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة. القرار جاء من رأس الحكومة مباشرة، بنيامين نتنياهو.
في العام نفسه 2009، أصدر وزير التعليم اليميني جدعون ساعر قراراً بسحب كتاب عن التفكير النقدي في التاريخ من خلال قراءة المصادر المتعارضة التي تعود إلى نفس الفترة التاريخية، وكان الكتاب يطرح "مشكلة" اللاجئين الفلسطينيين من خلال مصادر فلسطينية وإسرائيلية متزامنة. منها نص عربي يتحدث عن عصابات الهاجاناه التي انضوت تحت لوائها معظم العصابات الصهيونية، وتضعها السرديات الإسرائيلية في مكانة تقارب محاربي العهد القديم، التوراة، ويذكر النص الذي يتحدث عن قضية اللاجئين أن الهاجاناه كانت خطتها "استغلال الفرصة التاريخية المتاحة أمام اليهود لتطهير البلاد من العرب، ونفي الوجود العربي من خلال محو العرب أنفسهم".
بسبب هذا النص ونصوص أخرى مشابهة، أجهض تدريس هذا الكتاب أو مجرد إتاحته للطلاب كي يطلعوا عليه في القراءات الحرة". وتم جمع الكتاب وإتلافه.
الأعوام العشرين الأخيرة شهدت تضييقاً متواصلاً من وزراء التعليم في الحكومات اليمنية الإسرائيلية على الفلسطينيين في الداخل المحتل وفرض السردية الإسرائيلية بالتدريج
بروفيسور سافرير جولدبيرج الأستاذ بجامعة حيفا، في الأراضي المحتلة عام 48، هو مؤلف الكتاب الذي جرى إتلافه، أبدى تفاؤله بالمنهج الإضافي للتاريخ الذي يطرح السردية الإسرائيلية للمساءلة، ويلفت إلى أن رئيس الوزراء اليمني، نفتالي بينيت، هو من أصدر توجيهات بأن يوضع امتحان التاريخ على أساس تحفيز التفكير النقدي والمراجعة.


يتناقض هذا مع حقيقة أن بينيت أشرف بنفسه على تعديلات في الكتب الدراسية فيما يختص بنشأة دولة إسرائيل، في الفترة التي تولى خلالها منصب وزير التعليم في حكومة بنيامين نتنياهو عام 2016. في تلك التعديلات اعتمدت نصوص تلقي بـ"مشكلة" اللاجئين الفلسطينية على عاتق الفلسطينيين أنفسهم الذين "فروا من بيوتهم وبلدانهم استجابة لدعوات من قادتهم ومن قادة الدول العربية الأخرى".   
استطلعت صحيفة هآرتس الإسرائيلية رأي البروفيسور إيال نافي الذي تعرضت كتبه لانتقادات حادة من اليمين الإسرائيلي في التسعينيات بسبب تبني عناصر من السردية الفلسطينية في تاريخ قيام دولة إسرائيل. ورأى نافي أن مجرد طرح هذا السؤال في الامتحان ووضع تهيئة الطلاب للنظر إلى تاريخ دولتهن بعين ناقدة يعد "تغيراً تربوياً" جديراً بالإشادة، خاصة أن الامتحان يضع النص "السردية" الإسرائيلية مقابل النص الفلسطيني ممثلاً في تغطية صحيفة محلية فلسطينية للاعتداءات الصهيونية على القرى الفلسطينية.
بسبب هذا النص ونصوص أخرى مشابهة، أجهض تدريس هذا الكتاب، أو مجرد إتاحته للطلاب كي يطلعوا عليه في القراءات الحرة". وتم جمع الكتاب وإتلافه.

يرى نافي أن تلك المقابلة بين النصين الفلسطيني والإسرائيلي "تجعل الطلاب يدركون أنه ليست هناك رواية واحدة ولا حقيقة واحدة".

يطرح المنهج الخاص في التاريخ كذلك سؤال قانونية الهجرات اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية أثناء الانتداب البريطاني للأراضي الفلسطينية ومدى قانونيته وما ترتب عليه من استيلاء هؤلاء المهاجرين  على البيوت والأراضي الفلسطينية بزعم الحق التاريخي.
بحسب نافي، فإن نفتالي بينيت ربما يدفع بشكل شخصي إلى هذه المراجعة، وذلك على الرغم من ميوله اليمنية المعادية للحقوق الفلسطينية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard