الجامعة اللبنانية الوطنية تلفظ أنفاسها الأخيرة

الأربعاء 15 سبتمبر 202109:45 ص

أعترف بأن كلماتي باتت قليلة، وأحاديثي نادرة، وأحرفي تمادت في الصمت، فالمصائب عند بني قومي صارت جدليات بعيدة عن الفوائد، والمصائب تحل في كل مكان.

في جعبتي ألف نص، وآلاف الكلمات، أحملها فيّ أينما حللت، وكيفما رحلت، ولكن نصوصي رحلت عني، كما هجرتني كلماتي، وتركتني أتسابق معها، ومع الزمن، في آن واحد.

بدأ العام الدراسي، وانتهت معه احتمالات بناء وطن سوي، فأحلام الشباب بمستقبل واعد، بدأت تتبدد خلف الشاشات الصغيرة، كما تبددت طموحات الأساتذة خلف التظاهرات، والاحتجاجات، والهجرات.

هاجر أولئك الأساتذة، إما إلى بلاد أخرى، أو إلى مناطق بعيدة عن العاصمة، أو هاجروا نحو مهن جديدة قادرة على منحهم حياة أيسر.

أرى إعلانات الجامعات تتأرجح بين شعارات التغيير الإيجابي نحو مستقبل أفضل، ولكن عن أي مستقبل يتكلمون؟! فالضوء بعد النفق بعيد جداً.

وأرى إعلانات عن توسع حرم جامعي عريق، نحو الشرق، ونحو الغرب، ولكن عن أي توسع يعلنون، في وقت تعيش البلاد فيه، في ظل حصار اقتصادي محلي، واحتلال سياسي محلي، وأزمات محلية، وعالمية؟

وأرى إعلانات عن منح العلم للجميع، بغض النظر عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، في وقت بات العلم فيه، لمن استطاع إليه سبيلاً، بين الإنترنت، والكهرباء، والفيول، وطبعاً الدولار.

والمؤسف أنه، بين هذه الإعلانات المدفوعة كلها، إعلان غير مسموع الأصداء، عن تفتت الجامعة اللبنانية، بين مطاحن الفساد السياسي، وحرق مستقبل مئات الآلاف من الشباب غير القادرين على تحمل أعباء الجامعات الخاصة.

أرى إعلانات عن توسع حرم جامعي عريق، نحو الشرق، ونحو الغرب، ولكن عن أي توسع يعلنون، في وقت تعيش البلاد فيه، في ظل حصار اقتصادي محلي، واحتلال سياسي محلي، وأزمات محلية، وعالمية؟

إن الجامعة اللبنانية التي عانت لعقود، من إهمال ممنهج، طال كل حلم في بيت متواضع، باتت مهددة الآن بالزوال من الخريطة الثقافية في المنطقة والعالم، إذا ما لم توضَع لها خطة طوارئ عاجلة، وقادرة على إدارة الأزمة، على الأقل، وليس معالجتها. هذه الأزمة لا شك تحتاج إلى معالجة قد تستغرق عقوداً، أو سنوات في الحد الأدنى، ولكن المطلوب اليوم كوادر قادرة على إدارة هذه الأزمة، بهدف تخفيف حدة الأضرار، وليس حجبها. فالأزمة وقعت، والعلاج ليس في الجامعة، أو في كوادرها، بل في قرار شعبي قادر على فرض القرارات السياسية المحلية، والإقليمية، والعالمية، التي تناسب البيئة، والسياق الحاليَين.

وتلك القرارات يأخذها جمع من كوادر المجتمع، من مثقفين، وتغييريين، وجامعيين، وخبراء، وطلاب جامعيين. ولكن كيف لتلك القرارات أن تؤخذ، في وقت تتصاعد فيه هجرة الأدمغة، والمثقفين، والشباب، وطبعاً الأساتذة الجامعيين الذين أفنوا سنواتٍ، وعقوداً من حياتهم، لتربية جيل كان أملهم به، لإدارة تغيير طمح إليه آباؤهم، وأولادهم؟

هاجر أولئك الأساتذة، إما إلى بلاد أخرى، أو إلى مناطق بعيدة عن العاصمة، أو هاجروا نحو مهن جديدة قادرة على منحهم حياة أيسر، بعد جهد سنوات، بين الكتب، والأبحاث، والمحاضرات، والتدريبات، وكثيرون منهم هاجروا إلى البطالة، فاللا مدخول، حتماً أفضل من حفنة من الليرات تضيع بين ساعات الانتظار على محطات البنزين، وعلى طرقات لا تسلم منها الأرواح.

هجر أولئك الأكاديميون مؤسسات تعليمية أعطوها الكثير، وأعطتهم نعمة التواصل مع جيل الشباب، من دون فلترة، أو تسييس، في أحيان كثيرة، في غرف مغلقة، واجتماعات دورية. فتلك المحاضرات والنشاطات هي فرص موسمية لفهم ما يحاول هذا الجيل فهمه، وإفهامه -أي هذا الجيل- ما هو غير قادر على فهمه، لكي يكون قادراً على إفهام غيره ما يطمح إلى إفهامه. فالأساتذة قادرون على ترجمة أفكار الشباب لهم، من أجل مساعدتهم على إنضاجها.

أولئك الأكاديميون والكوادر، القادرون على خلق جسور جديدة في المجتمع، من أجل تطويره، لإبداعهم في ترسيخ علوم، ومعارف، متجددة، في أذهان الأجيال الجديدة، يهجرون تلك المنابر القادرة على خلق جسور شرعية بين الشباب والأجيال الأخرى. الأكاديميون يهجرون وطناً، الجامعة الوطنية فيه تلفظ أنفاسها الأخيرة، كما تعاني فيه أعرق جامعات المشرق والمغرب، من خطر تدهور مستوى التعليم فيها.

أولئك الأكاديميون والكوادر، القادرون على خلق جسور جديدة في المجتمع، من أجل تطويره، لإبداعهم في ترسيخ علوم، ومعارف، متجددة، في أذهان الأجيال الجديدة، يهجرون تلك المنابر القادرة على خلق جسور شرعية بين الشباب والأجيال الأخرى

بدأ العام الدراسي المرتبك، بين غيابٍ، وحضورٍ، وإضرابات، وتيارات، وهرب فيلق من الأكاديميين نحو إقامات ذهبية، في أمان وسلام، ووُلدت حكومة جديدة بوسامة غير مألوفة، وأسماء قد تكون مألوفة للبعض، ولكن هل يمكن أن تكون الجامعة اللبنانية على أجندات أولئك الفدائيين الجدد، وهل لديهم النية لوضع خطة، لمعالجة الأزمة التي تمر فيها الجامعة، من خلال وضع فريق من الكوادر الأكاديمية، من ذوي الخبرة، لإدارتها، وتصويب بعض الحيثيات في إدارة الجامعة اللبنانية، وتجنّب إغلاق بوابة علم عملاقة في وجه مئات الآلاف من الشباب؟

لنترقب هذه الحكومة، ولنضع من الآن آليات المساءلة، والمحاسبة، بين أيدي الشباب، علّهم أكثر بصيرة منّا جميعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard