برغم الأزمة الاقتصادية في ليبيا... الدبيبة ينفق مليار دينار على دعم الزواج

الخميس 16 سبتمبر 202102:55 م

في احتفالية اليوم العالمي للشباب، الموافق 12 أغسطس/آب، وعلى منصة أحد المسارح الرومانية العريقة بمدينة لبدة الليبية، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة برفقة عدد من الوزراء، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي الصدِّيق الكبير، ورئيس ديوان المحاسبة، عن قرار إنشاء صندوق لدعم الزواج تابع إلى وزارة الشباب.

ولادة عسيرة

وُلِدَ وعد الدبيبة لدعم 50 ألف زواج ليبي بقيمة مليار دينار، في حفل أثار جدلاً في أوساط الرأي العام الليبي بسبب تزايد موجات الإصابة بفيروس كورونا، وفرض حظر التجوال الجزئي من 6 مساءً إلى 6 صباحاً في بعض المدن الليبية.

حضر الحفل آلاف في ذروة انتشار الفيروس، وتذمر الشعب الليبي من تأثر أعمالهم الاقتصادية، وحياتهم الشخصية بسبب الحظر المفروض، ودرجات الحرارة العالية مع الانقطاع الطويل والمنهك للكهرباء.

وفي ظل المشكلة القائمة بين الحكومة ومجلس النواب والمتعلقة باعتماد الميزانية، والتي تعرقل عمل الحكومة في الوفاء بالتزاماتها الأساسية، اعتبر الكثيرون أن القرار عشوائي وغير مدروس، وأن هذه ليست الطريقة المثلى لدعم الشباب الليبي الذي يُعاني من ويلات الحروب.

أصدرت الحكومة الليبية القرار بشكل رسمي ليكون بداية انطلاق ماراثون عقود الزواج في ليبيا بغرض كسب المبلغ المادي من صندوق الدعم المقدر بقيمة 40 آلف دينار ليبي (8 آلاف دولار أمريكي تقريباً).

ورافق هذا الإعلان التفاعل الكثيف على مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا، حيث أبدى العديد من الشركات والمشاريع الخاصة نيته دعم الشباب والشابات بتخفيضات كبيرة لحفلات الزواج، كما كان هناك زخم للمحتوى الذي تناول القرار بطريقة كوميدية، مثل أخبار الزواج السريعة، وعروض البحث عن شريك أو شريكة للزواج الصوري بغرض اقتسام المال.

أصدرت الحكومة الليبية القرار بشكل رسمي ليكون بداية انطلاق ماراثون عقود الزواج في ليبيا بغرض كسب المبلغ المادي من صندوق الدعم المقدر بقيمة 40 آلف دينار ليبي (8 آلاف دولار أمريكي تقريباً)

 خلافات قانونية

وفي آخر جلسات مجلس النواب الليبي بمدينة طبرق لاستجواب ومساءلة رئيس الحكومة، كان لهذا القرار حصة من نقد النواب، الذين عارضوا نقل تبعية الصندوق من وزارة الشؤون الاجتماعية إلى وزارة الشباب، الأمر الذي اعتبروه غير قانوني، ويُخالف القرار رقم 5 لسنة 2019 الصادر من قبل المجلس بخصوص انشاء مؤسسة صندوق دعم الزواج.

صدر قرار مجلس النواب عام 2019، في ظل انقسام سياسي بين حكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة بطرابلس، والحكومة المؤقتة المعلنة ذاتياً بالشرق الليبي، وأيضاً في وقت عصيب جداً تحت وطأة حرب شرسة بين الجيش العربي الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر، وقوات حكومة الوفاق للسيطرة على مدينة طرابلس.

وسبق هذه الجلسة، في 21 أغسطس/ آب، خروج موظفي صندوق دعم الزواج التابع للحكومة المؤقتة سابقاً في بيان يعترضون فيه على نقل تبعية الصندوق لوزارة الشباب في حكومة الوحدة الوطنية، ودعوا الحكومة للالتزام بالقرار الصادر من مجلس النواب كونه الجسم التشريعي، فهو لم يصدر القرار بطريقة عشوائية، وإنما عن وعي بدوره التشريعي.

كما استغل موظفو الصندوق الفرصة للتعريف بدور الصندوق، والنشاطات التي أقامها على صفحة فيسبوك من دورات تدريبية للشباب المقبلين على الزواج، والأعراس الجماعية في بعض المناطق الليبية، والتي شملت حتى ذوي الإعاقة.

بالمقابل، استغلت منصات حكومة الوحدة الوطنية في نشر بيانات استنكار الشباب في بعض البلديات الغربية والجنوبية المنددة بعرقلة أعضاء مجلس النواب قرار الحكومة، وجهودها في التنمية.

الحكومة لا تزال مصرة

بدأ التسجيل في المنظومة الألكترونية على منصة "حكومتنا" التابعة للحكومة يوم 5 سبتمبر/أيلول وبشروط غير معقدة، مثل أن يكون عقد الزواج في الفترة الزمنية بين 12 أغسطس/آب ونهاية العام 2021، وأن يكون طرفا العقد يحملان الجنسية الليبية، وأن يكون الزواج الأول للذكور، وتشمل المنحة النساء الأرامل والمطلقات.

الثلاثاء، 14 سبتمبر/أيلول ، وزع رئيس الحكومة الدفعة الأولى من صكوك منحة الدعم رفقة رئيس الصندوق التابع لوزارة الشباب، والتي وصلت إلى 60 صكًا للشباب الحاضرين. وأكد رئيس الحكومة على استمرار دعمه للشباب، ورغبته في رؤية خيام الأفراح بدلاً عن خيام المآتم، وأمله الكبير في دور الشباب في عملية التنمية والبناء، ونوه بأن عملية دعم الزواج سترافقها مبادرة أخرى لدعم الشباب بمكان السكن، وخلق فرص عمل ومشروعات للدفع بعملية التنمية.

وتداول مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي صور ازدحام الوافدين والوافدات إلى المختبر المرجعي بطرابلس من أجل إتمام الشهادة الصحية، أحد شروط عقود الزواج في ليبيا. ورصدت منصة حكومتنا زخم التوافد على أحد المراكز الصحية، وقالت إن عدد الوثائق المستخرجة تجاوز الـ800 بشكل يومي.

سجلت محكمة واحدة فقط 17 إذن زواج لقُصّر، في يوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول، بالإضافة إلى زيادة طلبات الإذن بتزويج القاصرات من المحكمة، وهذا واحد من الآثار المقلقة للقرار

أثر القرار على زيادة تزويج القُصّر

بحسب الموظف علي الشاعري الذي يعمل في محكمة البيضاء الجزئية بدائرة الأحوال الشخصية، سجلت المحكمة 17 إذن زواج لقُصّر، الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول، بالإضافة إلى زيادة طلبات الإذن بتزويج القاصرات من المحكمة.

يستذكر الشاعري أحد طلبات الإذن، عندما تم عرض قضية طفل وطفلة على القاضي لينظر في طلب إذن زواجهما، سأل القاضي ولي أمر الطفل عن السكن والعمل بالنسبة للزوج، وقال الأب إن سكنهما سيكون في جناح يقع في آخر بيته بعد صيانته. أمّا بخصوص العمل، فرد والد الطفل عن سؤال القاضي بأنه قدم ملف ابنه إلى التعيينات الحكومية، ولا يزال ينتظر قرار التعيين.

في ظل غياب المعيل في هذه القضية التي ستتشابه معها العديد من القضايا الأخرى، يُضيف الشاعري أن أحد أكثر أسباب الطلاق في المجتمع الليبي بحسب تقرير أعده هو تزويج القُصّر، وأبلغ عن نيته إعداد تقرير آخر لمقارنة عدد حالات الطلاق بعد قرار صندوق دعم الزواج.

ويعتبر تزويج القُصّر في القانون الليبي مسموح بثغرة قانونية هي إذن القاضي، فبحسب القانون رقم 10 لسنة 1984 المتعلق بأحكام الزواج والطلاق وآثارهما، تكمل أهلية الزواج ببلوغ سن العشرين، مع إعطاء المحكمة الإذن بتمرير أي زواج تحت سن العشرين بغرض "المصلحة" أو "الضرورة".

ولكن في عام 2015 عُدل هذا القانون من قبل المؤتمر الوطني العام، الجهة التشريعية آنذاك، لتُصبح السن الأدنى للزواج هي 18 عامًر، مع إبقاء ثغرة إذن المحكمة.

العنف لا يأتي بشكل فردي.ة

في نفس القانون رقم 10 لسنة 1984، أعطى المشرع الليبي واجبات للزوج والزوجة، فالزوجة الليبية ملزمة بواجب تمكين الزوج من ممارسة حق المعاشرة الزوجية، والنفقة وتوابعها على الزوج في حالة عسر الزوج ويسر الزوجة، والاهتمام براحة الزوج واستقراره حسياً ومعنوياً، والإشراف على بيت الزوجية وتنظيم شؤونه والمحافظة عليه، وحضانة أولادها منه، والمحافظة عليهم، وإرضاعهم، وأخيراً يقع عليها الالتزام بعدم إلحاق أي ضرر مادي أو معنوي بالزوج.

أمّا عن واجبات الزوج، فهي النفقة وتوابعها في حدود يُسره واستطاعته، وعدم التعرض لأموال الزوجة، وإلحاق الضرر بها مادياً أو معنوياً.

وفي تعديل المؤتمر الوطني عام 2015، تم إلغاء إلزام انفاق الزوجة على زوجها المعسر، ولكن بقيت الوجبات الأخرى لكلا الطرفين، وظل العبء الأكبر على الزوجة، وذلك لإلزامها بالعمل المنزلي غير المدفوع الأجر بصورةً قانونيةً، مما يجعله عنفًا قانونيًا جندريًا تجاهها. ونتيجة هذا العنف القانوني، للزوج حق تطليق زوجته في حالة عدم التزامها هذه الواجبات المرتبطة بدورها الإنجابي البيولوجي.

كما أن العنف لا يأتي بشكل فردي، فمثال تزويج القُصّر الذي يزداد يومياً ستصاحبه أشكال أخرى من العنف المبني على الجندر، تحديداً العنف الأسري، ومشاكل الإنجاب المبكر، والحرمان من التعليم، وغيرها. وهذا أيضاً لن يكون مقتصراً على قضايا تزويج القُصّر، فتبعات هذا القرار الصادر بطريقة عشوائية وبدون دراسات، ستكون وخيمة على المدى البعيد في مجتمع عانى طوال عشر سنوات من الأزمات والحروب الأهلية.

هدف الحكومة كان يجب أن يكون تحقيق احتياجات الأفراد الاقتصادية والاجتماعية، فسياسيات دفع الشعب للزواج والتناسل في وقت من المفترض أن تركز أكثر على أداء مهامها وحل المشاكل الكبرى التي تواجهها، ولا سيما النجاح في إقامة انتخابات 24 ديسمبر/ كانون الأول الرئاسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard