تقرير صادم لديوان المحاسبة يكشف حجم الفساد في ليبيا

الأحد 14 مارس 202103:56 م

وكأن الانقسام والاقتتال الأهلي الذي يعاني منه المواطن الليبي لم يكن كافي عليه، ليأتي التقرير السنوي لديوان المحاسبة الليبي ليكشف عن حجم فساد مذهل بين المسؤولين الليبيين، في مختلف القطاعات وعلى جميع الأصعدة.

وهو ما أثار موجة استياء وجدل بين الليبيين على وسائل التواصل الإجتماعي، بين من يرى أن هذا الفساد يستلزم الملاحقة القانونية والعقاب، وبين من يعتقد أن هذا التقرير لم ينقل الحقيقة كاملة وأن الفساد مستشري بشكل أكثر قوة



التقرير السنوي لديوان المحاسبة

يصدر ديوان المحاسبة تقريره كل عام، وفقاً للقانون الليبي الذي يخول له الإطلاع على كل إجراءات وميزانيات المؤسسات الإدارية والخدمية بالبلاد، ومتابعة سير اتفاقياتها وإنفاقها وكيفية إنجاز الأعمال فيها وسير الدورة المستندية لكل مرافقها، وهو يصدر تقريره متأخراً حسب اكتمال فرق الرصد التي تعكف على جمع وتحليل وتبويب البيانات.

التقرير مثار الجدل والذي نشر في العاشر من مارس الجاري في تسعمائة صفحة يصف الوضع المالي لمؤسسات البلاد في العام 2019، والذي كان صادما للكثيرين، إذ كانت تلك السنة التي شهدت بداية الحرب في طرابلس، وكانت إحدى فصول تدهور الإقتصاد المحلي الليبي، تأخر نشر تقرير العام 2019 جاء لأسباب فنية لم يفصح عنها الديوان بشكل مباشر.

طلبات محاسبة المسؤولين في الحكومة المنتهية ولايتها لم تلق استجابة حتى الآن

 فساد في الصرف والإنفاق

يورد الديوان في تقريره  عن ميزانية ٢٠١٩ البالغة 60 مليار دينارًً أنواعاً متعددة من الفساد فيما يخص الحكومات الليبية، حيث أوضح التقرير أن مصرف ليبيا المركزي سيّل نحو 11 مليار ديناراً إلى الحكومة الليبية المؤقتة التي تسيطر على شرق البلاد، مؤكداً وجود عجز لدى الحكومة في إعداد الحساب الختامي للدولة.

كما احتوى التقرير على مفارقات صادمة منها على سبيل المثال: أنه وفقاً للثابت في الدفاتر، فإن الحكومة أنفقت أكثر من ٢٥ مليار دينار ليبي تحت بند المرتبات، رغم أن العدد الأكبر من الموظفين لا يتقاضون مرتباتهم بانتظام، بدعوى قلة السيولة النقدية.

الأمر نفسه تكرر في بند مصروفات دعم الأدوية والمحروقات، الذي أثبت أنه أنفق عليه أكثر من 7 مليارات، ومع ذلك يعاني قطاع الأدوية من نقص حاد وغلاء الموجود منها، واستمرار نقص المحروقات وارتفاع أسعارها في السوق السوداء.

 أكثر من مليون دينار ثمن عشاء لأفراد حراسة

رصد ديوان المحاسبة أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني صرف مبلغ 1.12 مليون  دينار على وجبات إعاشة لأفراد حراسة مكلفين بمهام خاصة في أحد الفنادق، وأشار إلى أن المبلغ جرى وضعه تحت بند إعلان وعلاقات عامة بالمخالفة لأحكام القانون، علاوة على عدم وجود عقد بين المجلس والفندق يتضمن الشروط القانونية وقيمة الوجبات والعدد الفعلي والأسعار والمواصفات والتفاصيل المشابهة.

 وبيّن أن هذا الإجراء تم بناء على "تأشيرة مدير مكتب الرئيس بالموافقة على الرسالة الواردة من مدير إدارة الشؤون الأمنية لرئيس المجلس الرئاسي، والتي تضمنت توفير 60 وجبة فطور وغداء وعشاء دون تحديد المدة".

 آلاف الدينارات لصيانة سيارات الحكومة

كما قام المجلس الرئاسي الليبي أيضا بتسديد مبلغ 40 ألف دينار وكذلك مبلغ 38 ألف  دينار لصالح مركز متخصص في صيانة السيارات، مقابل صيانة سيارات تابعة للمجلس.

ولفت ديوان المحاسبة في تقريره إلى التكاليف المرتفعة لقيمة صيانة هذه السيارات، حيث وصلت قيمة صيانة بعضها إلى 12 ألف  دينار. ملاحظاً كذلك عدم وجود عقد تكليف مبرم بين المركز والإدارة المختصة بالمجلس، وتحميل القيمة على بند قطع غيار ومهمات وأدوات بدلاً من تحميلها على بند الصيانة وقطع الغيار، إلى جانب عدم وجود تقارير بإتمام صيانة السيارات.

كما رصد التقرير مخالفات أخرى في مجال التعاقد على توريد مكيفات، وصيانة أخرى، وبأسعار تزيد عن أسعار السوق.

 مصاريف المسؤولين

كمثال محدد، تحدث التقرير عن وجود مبالغة في صرف مبالغ مالية للمستشار السياسي لرئيس المجلس الرئاسي وعائلته مقابل إصدار تذاكر سفر وإقامة بالفنادق، بناء على تعليمات من رئيس المجلس الرئاسي، ومن دون إصدار أي قرارات بشأنها، لافتاً إلى أن قيمة الأذونات المصروفة بلغت مليون ونص دينار فيما بلغت القيمة المصروفة للشخص المعني 369 ألف  دينار.

واختتم ديوان المحاسبة تقريره بأن الحكومة ما تزال عاجزة عن إعداد الحساب الختامي للدولة الليبية وفقاً للقانون والأعراف المحاسبية حتى الآن.

وزير الداخلية الليبي يرد

التزم أغلب الساسة والمسؤولين الصمت حيال التقرير، ولم ترد أية ردود أفعال حوله، رغم أنه يصف الكثير منهم بالفساد ويذكر وقائع وأرقام وصفات لبعضهم ضمن عرضه لهذا الفساد، عدا وزير داخلية حكومة الوفاق فتحي باشاغا الذي استغرب في تغريدة على حسابه في تويتر هذا التقرير، ورأى فيه تهجماً على شخصه ووزارته، و"محاولة من الديوان لتشويه سمعته"، وصرّح بأنه تواصل مع الأجهزة القضائية وتبين أن هذا التقرير لم يصل للقضاء ولم تقدم أي شكوى بخصوصه.

 

يقول التقرير إن وزارة الداخلية في عهد باشاغا زادت من مصروفاتها بنسبة 267%، حيث أن نفقات «داخلية الوفاق» بلغت مليارين و400 مليون دينار، هي المصروفات المسجلة في الميزانية المعتمدة، بالإضافة إلى مليار و300 مليون دينار كالتزامات قائمة حتى 31 ديسمبر من العام 2019 «لم يصادق عليها أو التحقق من صحتها»، وفق الديوان.

ولاحظ الديوان أن تلك المخصصات تتجاوز المصروفة خلال عامين مجتمعين، إذ تصاعدت نفقات الوزارة من 869 مليون دينار في العام 2016 إلى 2.4 مليار دينار في العام 2019، وهو مايرفضه باشاغا ويرى أن نشره ياتي بغية التشهير والإساءة وتصفية حسابات خاصة بسبب حزم الداخلية مع ممارسات الديوان "المنحرفة" حسب وصفه.

أزمة اقتصادية مستمرة

يأتي ذلك وسط أزمة اقتصادية معقدة تعيشها البلاد، تكاتفت فيها عدة عوامل ساهمت في تضييق الخناق على السكان، فبعد أن كان سعر الدولار عام 2019 أمام الدينار الليبي 1.30، تدهورت قيمة الدينار حتى وصلت إلى 4.28دينار مقابل الدولار الواحد منذ الثالث من يناير 2021، وانعكس هذا على مختلف مناحي الحياة في ليبيا، فلحقه ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع في بد يعتمد أساسا على استيراد أغلب احتياجاته.

يأتي الكشف عن حجم الفساد والنهب في ليبيا في ظل استمرار تضييق الخناق على المواطنين الليبين في معيشتهم 

انقسام معتاد بين الليبيين

رواد التواصل الإجتماعي والمدونين تلقفوا هذا التقرير، وتباينت لديهم ردود الأفعال حوله، فمنهم من ياس من هذه التقارير كونها لا تقود للمسائلة القانونية ومحاسبة المتورطين في الفساد، في حين يرى البعض ان هذا التقرير قد يدفع المسئولين للتوقف عن الفساد مخافة أن ترد أسماءهم بين ثنايا تقارير ديوان المحاسبة، والتي تعتبر مستندات قانونية يمكن ان يلاحقهم بها القضاء ولو بعد حين.

 







يقول المحامي حسن ناجي رصيف22، أن هذا التقرير يعتبر وثيقة مهمة، ولكنه يحتاج لجهة أو مواطن يحرك الدعوى القضائية استنادا لهذا التقرير، وهو ما لا يقع أبدا مع كل تقارير ديوان المحاسبة التي كانت تصدر دوما وعبر سنوات عديدة، فهذه البيانات التي يضعها الديوان لعامة الناس صارت مادة دسمة للحديث وسب المسئولين دون أن يبادر أحد المحتجين على تحريك الدعوى القضائية واستخدام هذا الحق وملاحقة المتورطين في الفساد.

 وهو ما تؤكده الباحثة في مركز قدرة للدراسات حميدة الدريعي لرصيف 22، إذ تعتقد ان الوضع الأمني المضطرب وانعدام الحماية هو ما يدفع الجميع للإحجام عن تحريك الدعوى القضائية ضد المسؤولين الواردة أسماؤهم في التقرير، إذ يسهل الإعتداء او اختطاف او مضايقة أي مواطن قد يقدم على هذه الخطوة، وهذا يعطي فسحة من الأمان لمرتكبي الفساد، فعلى مدار السنوات الماضية لم تقع محاسبة أي مسئول ثبت فساده، بل تتعزز مناصبهم ويواصلون أعمالهم، إلا في حال وقع الخلاف بين بعضهم، هنا يلجأون لتقارير ديوان المحاسبة لاستخدامها في صالحهم ضد خصومهم، وهنا أُفْرِغ التقرير من محتواه ورسالته السياسية حسب وصفها.

مطالبات بمنع سفر مسئولين

 مطالب بمنع  فايز السراج من السفر

تقرير ديوان المحاسبة وما احتواه من أرقام كاشفة لحجم الفساد المذهل في البلاد دفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، باتخاذ قرار عاجل  بإيقاف جميع حسابات الصناديق الاستثمارية والشركات التابعة لها إضافة إلى الشركات العامة مؤقتًا.



وعلى صعيد آخر  طالب النائب في البرلمان مصباح دومة بمنع رئيس الحكومة الليبية المؤقتة من السفر وكذلك منع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، بغرض منعهم من الإفلات من قبضة القانون، ومساءلتهم عن فترة حكمهم التي استمرت لسنوات دون محاسبة.

ولم تلق هذا المطالبة استجابة واضحة حتى الآن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard