"بلكي هنن الرجال بيعرفوا الله والدين، ونحنا لا"

الخميس 16 سبتمبر 202110:02 ص

ملاحظة: كل ما يرد في المقال، مقتصر على مناطق جغرافية محددة، ولا يمثل شكل المجتمع كاملاً.

اليوم، وكالعادة، كان أبي غاضباً. بدأ يصرخ في وجه أُمي صائحاً معاتباً: أليست لديك ابنة؟ لماذا لا تعلمينها أعمال المنزل! ها قد أصبح عمرها خمسة عشر عاماً، ولا تزال غير قادرة على طهو الطعام! أصبحت كبيرة! أليس من المفترض أن تتعلم في منزل والديها؟ ماذا سيقول عنّا الآخرون؟

أمي كعادتها، كانت تجابه فيض الأسئلة، والصيحات، بعبارات هادئة مطمئنة تارةً، وبالصمت تارةً أخرى. أما أختي، سبب الجدال، فكانت تستمع إلى الحديث من غرفتها، مهيّئةً نفسها للدخول في معركة من التلاسن، لا طائل منها.

في حين أن الله يتصف بالعدل، كما تقول الأديان، يبدو أن للفكر الذكوري رأياً آخر دائماً.

في الحقيقة، لم تكن أختي من النوع الذي يسكت إطلاقاً، ولا تعترف أبداً إلّا بحقها في أن تفرض رأيها على الآخرين، على الرغم من صغر سنّها. وها هي تنضم إلى النقاش بقوة. تصيح في وجه أمي: "ألا ترين نفسك؟! انظري إلى نفسك تعملين كل نهار، وتغسلين الجوارب، وتنظفين الفضلات، وتطبخين، حتى أصبحت يداك مليئتين بالحروق، وتآكلَ جلدك من كيّ مستحضرات التنظيف. أما حين تطلبين شيئاً لنفسك، عطراً، أو ساعةً، أو قطعة زينة، فتصيرين مبالغةً في نظرهم، وتصبحين امرأة متطلبةً، وربّة منزل غير كفؤة. ألا ترين صديقاتك القديمات؟ ليس لديهن من يأمرهن، ويصرخ في وجههن! لو لم تتزوجي، لما اضطررت إلى أن تفعلي هذا كله، من دون تقدير وشكر. لا أريد أن أتعلم التنظيف، ولا جلي الصحون، لأني لن اتزوج مثلك يا أمي". قالت ذلك كله بسرعة، أمام أمي وأبي، وهربت إلى غرفتها الوردية. أما أمي، فقد صرخت من بعيد، قائلةً بلهجة ساخرة، تليها ضحكة لا تخلو من المرارة: "جاييتك الأيام، بكرا منشوفك".

أنا، كعادتي، أسير أفكاري، وأراقب بصمت كل شيء، أفكر في تلك المرة التي كان لدى والدي ضيف، وكانوا جميعاً يشربون "المتّة"، وحينما ذهبت أمي لتسخين المياه، احترقت يدها قليلاً، ليعلّق الضيف ساخراً: "لا بأس... لا بأس أن تحترق أيديكن قليلاً، لكي تعتدن على ما هو قادم". قالها بسرعة، مشيراً إلى مقولة "إن أغلب أهل النار من النساء"، متبعاً طرفته غير الطريفة أبداً، بضحكة فجة عالية، مرفقة بضحكة مجاملة عالية أخرى، من أبي.

ليست أمي، وحدها، من تفكر بهذه الطريقة، من الكثير من النساء اللواتي ينتمين إلى الطائفة العلوية، إذ تنتشر القصص، والشائعات، حول نساء لمسوا، أو قرأوا كتباً دينية خاصة بالذكور، فأصابهم الجنون، أو مسهم شيء من الخرف

أمي التي اكتفت بالصمت، أسرّت لي في إحدى جلساتنا الخاصة المسائية، أنها تخاف من أن تدخل النار.

ـ لماذا عساك تدخلين النار؟ ألست مؤمنة؟

ـ "إيييه" (مصحوبة بتنهيدة)

ـ بربك! أتعتقدين أن الرجال لهم نصيب أكثر منك في الجنة؟ أي عدل ومنطق هذا؟ أوَليس الله الذي نؤمن به عادلاً، أوَلم تفني حياتك وأنت تخدمين، وتطيعين، وتحرمين نفسك من ملذات الدنيا، بينما يتمتع بها آخرون، لمجرد أنهم ذكور؟!

ـ بلكي هنن الرجال بيعرفوا الله والدين، ونحنا لا.

قالت ذلك، وتركتني لتنشر الغسيل، معلّقةً في صدري أسئلة، وأحزاناً، وسخطاً، لا أستطيع أن أتخلص منها.

ليست أمي، وحدها، من تفكر بهذه الطريقة، بل الكثيرات من النساء في منطقة الساحل، وريف حماة، وحمص، واللواتي ينتمين إلى الطائفة العلوية، إذ تنتشر القصص، والشائعات، والقصص، حول نساء لمسوا، أو قرأوا كتباً دينية خاصة بالذكور، فأصابهم الجنون، أو مسهم شيء من الخرف، أو مُسخوا حيواناتٍ وحجارة. قصص تبدو طفولية، وسخيفة، إلا أنها تلقى تصديقاً ورواجاً كبيرين، كما لو كانت حقائق ثابتة. قصص لها أبعاد، أكثر من كونها دليلاً على عدم المساواة. أبعاد تمدد لسلوك المرأة، ونظرتها إلى ذاتها، ومكانتها.

وفي حين أن الطائفة العلوية تتميز بإعطاء المرأة حرية نسبية أكبر، في مجالات معينة، وفي حين أن أغلب رجال الطائفة لا يؤمنون بمقولة أن أغلب أهل النار من النساء، إلا أن وجود حالات كهذه، في مناطق محددة، بالإضافة إلى حرمان المرأة من "المعرفة الدينية"، وإلى وجود بعض كبار السن الذين فاتهم قطار تجديد الخطاب الديني، ممّن يؤمنون بأن الرجل إذا كان سيئاً، يعاقبه الله، ويخلقه بهيئة أنثى، في الحياة التالية. ذلك كله يعكس لنا بوضوح، الدور السلبي التي يمكن للمعتقدات الدينية أن تلعبه تجاه نظرة المرأة إلى نفسها، وإلى النضال في سبيل حقوقها.

وأنا هنا، أخص بالذكر الطائفة العلوية فحسب، لأنه من الشائع أن يُنظر إليها من قِبل فئات إسلامية أخرى، على أنها أكثر تحرراً من غيرها، ولا يعني خصّها بالذكر، أن الطوائف الأخرى أنصفت المرأة إنصافاً كاملاً، إلا أن أشكال الاضطهاد لدى الطوائف الأخرى، معروفة ومنتشرة، أكثر.

لطالما رأيت والدتي تعامل أختي بدونية؛ تحطمها أحياناً، وتمنعها من الخروج من المنزل، أو تراقب هاتفها باستمرار. لا أدرى إن كان بإمكاني لومها. أمي حقاً، أول امرأة ذكورية أعرفها

لطالما رأيت والدتي تعامل أختي بدونية؛ تحطمها أحياناً، وتمنعها من الخروج من المنزل، أو تراقب هاتفها باستمرار. لا أدرى إن كان بإمكاني لومها. أمي حقاً، أول امرأة ذكورية أعرفها. أمي ليست قاسية، ولا شريرة، إنما الذي يظلم أمي، وسيظلم أختي، هو ذاك النظام الأبوي المدعوم من المنظومة الدينية، والذي تفشت أفكاره في عقول النساء، والرجال، كالسرطان، والذي يتجلى في أشكال كثيرة نراها بدءاً بالتفكير الدائم بزواج الفتاة، والصورة النمطية للذكر القوي الجثة، ذي العضلات والصوت الأجش، وانتهاء بالامتيازات الدينية.

في حين أن الله يتصف بالعدل، كما تقول الأديان، يبدو أن للفكر الذكوري رأياً آخر دائماً. فكما للرجل مثل حظ الأنثيَين في الميراث، يبدو أن له مثل حظ الأنثيَين في الجنة أيضاً. في الدنيا، وفي الآخرة، إذاً. تلك الأفكار التي ترعبني، وتجعلني أريد العودة بالزمن، لربما إلى حياة الغابة، والصيد السعيدة. إلى زمن أقدم، إلى زمن أفروديت، وإيزيس، وأثينا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard