في الأردن… القصر يتحرك من أجل "ركبة" وموت "لين" يمرّ في بيان

الأربعاء 15 سبتمبر 202106:23 م

أخيراً صدرت نتائج التحقيقات في ملابسات وفاة الطفلة لين أبو حطب، البالغة من العمر خمس سنوات في مستشفى البشير الحكومي بالعاصمة عمّان. ودانت التحقيقات خمسة أطباء بتهمة "التقصير في تشخيص حالة الطفلة".

وكانت الطفلة لين قد توفيت، في الخامس من سبتمبر/أيلول الحالي، نتيجة تشخيص طبي خاطىء من قبل كوادر مستشفى البشير، حيث تم إبلاغ ذويها بأنها تعاني من التهاب مسالك بولية، لكن تدهور حالتها الصحية دفع أسرتها إلى التوجه إلى طبيب خاص اكتشف أنها بحاجة لإجراء جراحة فورية لاستئصال الزائدة الدودية، وتقرر إعادتها إلى مستشفى البشير، لكن للأسف كانت الزائدة الدودية قد انفجرت وأصيب الطفلة بتسمم في الدم أودى بحياتها.

غضب واستجابة متأخرة

لاحقاً تصاعدت موجة الغضب العارم على صفحات التواصل الاجتماعي عبر وسم #لين أبو حطب، لتشمل فراس الهواري وزير الصحة الأردني، مطالبة بإسقاطه لفشله في تحسين الخدمات الطبية في المستشفيات والمراكز الصحية بالمملكة. وهو ما دفع وزارة الصحة إلى إصدار بيان (بعد تسعة أيام من وفاة الطفلة)، أعربت فيه عن حزنها الشديد على وفاة لين، مضيفة أنها قررت إجراء تحقيق حول حادثة الوفاة، وهو التحقيق الذي دان خمسة أطباء في المستشفى بتهمة التقصير.


وقبل أن تخمد نيران الغضب على الطفلة لين أبو حطب، تكررت القصة مرة أخرى مع الطفلة غنى (خمسة أعوام) حين أعلن مساء الثلاثاء، بشكل مفاجئ، عن تشكيل لجنة تحقيق ثانية تبحث في أسباب وفاة طفلة أخرى في مستشفى الأميرة رحمة بمحافظة إربد بسبب انفجار الزائدة. وصرّح مدير المستشفى الدكتور زيدون الشرمان بأن الحادثة وقعت قبل 10 أيام، بعد أن راجعت الطفلة المستشفى وهي تشكو أعراضاً في بطنها وتم تشخيصها من الكادر الطبي والتمريضي. علماً أن حالة غنى وقعت بالتزامن مع حالة لين.

وبرغم الغضب الشعب الجارف البادي على صفحات التواصل الاجتماعي تجاهل الوزير الهواري حضور اجتماع لجنة الصحة النيابية صباح الأربعاء 15 سبتمبر/ أيلول، مكتفياً بالتصريح أنه "واثق من إصلاح الأخطاء في وزارة الصحة"، وأن الإجراءات التي اتخذها لهيكلة الوزارة والمستشفيات بدأت قبل وفاة الطفلة لين، و"ستستمر لمعالجة الأخطاء في المستقبل".

خبير استراتيجي: الغضب البادي على وجه الشعب الأردني لم تعد تستوعبه الدولة، وتزايد الأزمات يثبت أن هناك خللاً حقيقياً في القطاع العام

تحرك الوزارة لتشكيل لجنتي التحقيق "لا يعدو كونه ذراً للرماد في العيون لإسكات الموجة الغاضبة على صفحات التواصل الاجتماعي. لكن عملياً لم يحدث أي شيء حقيقي"، هكذا علق ناصر الجابر (45 سنة من إربيل) لرصيف22 مضيفاً: "في بلاد أخرى تحترم مواطنيها يستقيل الوزير وتشكل لجنة حقيقه لبحث سبل تطوير المستشفيات".

"ركبة" روبي حبش قضية قومية

أداء الوزير المتعالي والتجاهل الرسمي لغضب المواطنين تجاه وفاة الطفلتين دفعا الكثيرين إلى مقارنة تفاعل السلطة الحاكمة مع مثل تلك القضايا بالتفاعل مع قضايا أخرى أقل قيمة على صفحات التواصل الاجتماعي. وقارن المغردون بين موقفي الأمير علي بن الحسين والملكة رانيا إزاء موجات لغط أثيرت على تلك الصفحات تعليقاً على بعض القضايا، إذ اشتبك الأمير علي مع قضية لاعبة كرة السلة الأردنية روبي حبش، التي قالت إن التلفزيون الأردني رفض ظهورها على شاشته، بسبب ارتدائها بنطالاً ممزقاً من جهة الركبة، بعد دعوتها إلى مقابلة. وهو ما أثار جدلاً بين مؤيد للاحتشام خصوصاً عبر شاشات الدولة، وبين رافض للحجر وتقييد النساء.

محلل سياسي: استمرار السلطات الأردنية في استخدام المسكنات ينذر بفقدان السيطرة

ودخل الأمير "علي بن الحسين" على الخط ناشراً صورة له وهو يرتدي بنطالاً ممزقاً من جهة ركبته، متضامناً معها ومغرداً "معك يا روبي!"

الأمر ذاته، ولكن بصيغة مختلفة، تكرر مع الملكة رانيا التي نشرت على حسابها الرسمي صورة للقمامة في غابات "برقش" في محافظة عجلون، قائلة: "شي بيقطع القلب.. هاي المنطقة بتجنن لكن لماً بتطلع على الأكياس البلاستيك كلها على الأرض". فهرع على الفور المسؤولون الحكوميون لتنظيف المنطقة.


وكما توقع نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، نفّذت حملة نظافة من قبل الجهات الرسمية والمؤسسات الأهلية، مماً أثار سخرية الشارع الأردني، خاصة من صورة عدد المسؤولين الذين حضروا حملة التنظيف.

قضيتان ووفاتان وأكثر

التشابه الحاصل في الملفات الأربعة السابقة يستدعي سؤالاً حول مدى استجابة الدولة الأردنية لغضب الشعب الحانق على تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، فيما تقابل الدولة هذا كله بالكثير من التجاهل والنسيان، بل في "الضحك عليه أيضاً" كما حدث في احتجاجات الشارع الأردني خلال رمضان عام 2018، حينما طالب المعتصمون بإلغاء قانون الضريبة وتغيير نهج الدولة في توريث المناصب، حينذاك حضر ولي العهد الأردني إلى موقع الاحتجاج قرب الدوار الرابع، ثم رحلت الحكومة وأقر قانون الضريبة نفسه في عهد الحكومة اللاحقة، واستمر النهج ذاته في الدولة.

الغضب الذي بات واضحاً على وجه الشعب الأردني، "لم تعد تستوعبه الحكومة أو الدولة"، كما يقول الخبير الإستراتيجي والمحلل السياسي عامر السبايلة، مشيراً إلى تزايد الأزمات "التي تثبت أن هناك خللاً حقيقياً في القطاع العام".


 السبايلة يبين في حديثه لرصيف22 أن هذا الخلل "يزيد من تهاوي الحكومات في أعين الناس، وعدم القدرة على تقديم خدمات حقيقية"، ما يشكل "هوه حقيقية تتسع كل يوم"، خاصة أن مستوى الخطاب والتواصل لا يستوعب حجم الغضب المُتشكل عند الناس، وبالتالي "نحن أمام مشكلة مُعمقة لا يمكن الخروج منها بسهولة".

غضب الأردنيين موسمي لا يستمر طويلاً، ينتهي مع انتهاء معالجته من الدولة، أو مع ظهور أزمة جديدة ليتم التعامل معها في نفس الطريقة السابقة، هذا ما يراه الكاتب عمر شاهدين في حديثه لرصيف22، مضيفاً أن الساحة الأردنية "تعيش حالة صمت سياسي مطبق أشبه بعقد الثمانينيات"، فلا أحزاب ولا حراك في الشارع ولا برلمان يتناسب مع الوضع الاقتصادي الصعب جداً، فضلاً عن غياب دور الحكومة".

ويؤكد شاهين أن الغضب المعبر غير موجود، ولا يحمل الشارع بادرة ضغط على الحكومة، وأن مجلس النواب وجد لإكمال أي مهمة صعبة كي يكون ضامناً لإتمامها، كما أن "الحراك السياسي تعب وهو يصرخ وحيداً، إذ كان هو الضاغط الوحيد في السنوات العشر الأخيرة لكنه جف بحق".

ويشير الكاتب إلى أن "الحكومات الأردنية في وسط ذروة الربيع العربي لم تستجب لأي مطلب سوى تغيير حكومات انتهت صلاحيتها، فكيف الآن؟ لكن هذا لا يعني الاستمرار بالضغط المتواصل على رأس المواطن حتى لا يدخل الأردن بحالة فقدان السيطرة".

وفاة الطفلتين وتعالي الوزير وتجاهل السلطة الحاكمة في الأردن، تشي بأن الحال باق على ما هو عليه، وأن غضبة المواطنين وهبات السوشيال ميديا لا تعدو كونها زوابع في فنجان تكلس من فرط الاستقرار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard