"كثر الهَم يضحّك"... عن اختفاء الصحافة الساخرة في تونس وتحوّلها إلى ميمز

الجمعة 17 سبتمبر 202101:21 م

لمحة تاريخية

تُعتبر صحيفة "الكاركوز" التي تأسّست سنة 1884، أولى بوادر لظهور صحافة هزلية ساخرة في تونس، كما يوحي بذلك عنوانها، فـ"الكاركوز" في اللغة المحكية التونسية تعني المهرّج الذي تجدر به كل سخرية. لكن سنة 1906 تعدّ -بحسب المؤرّخين-  السنة الفعلية التي تركّز فيها هذا النوع من الصحافة إثر تأسيس صحيفتيْ "المُزعج" و"ترويح النفوس".

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الصحف الهزلية الأخرى قد صدرت باللغة العبرية والفرنسية مثل "مشرح الإصدار" التي أسّسها جاكوب حايك سنة 1886، وصحيفة "المرسطان" التي تأسّست سنة 1888 على يد رفائيل سماجة، لتليهما "الضّوضاء التونسي" le charivari tunisien الناطقة باللغة الفرنسية، التي أسسها الصحفي الفرنسي والشاعر هوراس موريس، ثم "الجرس التونسي" Grelot tunisien  السّاخرة الشّهيرة، وكانت تصدر مصوّرة أسبوعياً.

ثمّة عدّة عناوين أخرى صدرت في المرحلة التاريخية نفسها مثل "أبو قشّة" و"أولاد البلاد" و"أبو نوّاس" و"تونس المصوّرة" و"المُضحك" و"النمس" و"القزدور" و"السّردوك" إلخ... إلا أن المستعمر الفرنسي أوقفها جميعها بعد ما يُسمّى "أحداث الزلاّج" التي جدّت سنة 1911، ولم تتمكن من العودة إلى الصدور إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وكانت هذه الصحف تغير أسماءها في كل مرّةٍ تمويهاً للمنع، وتعود بأسماء مستفزة كما محتوياتها، وسيبلغ هذا الاستفزاز أقصاه عندما تنخرط الصحافة الهزلية التونسية في حركة التحرّر الوطني. 

صحيفة "النسناس" والكلمة تعني "السّاعي للكشف والاطّلاع على كل كبيرة وصغيرة"

الصّحافة الهزلية التونسية اختفت ولكن الهزل لم يختفِ، بل وجد سُبلاً أخرى أكثر فعالية ورواجاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فظهرت عدّة صفحات شهيرة تعتمد نفس وسائل تلك الصّحافة من سخرية ونقد موجّهيْنِ للسياسة والسّياسيين بالخصوص

الهزلُ كوسيلة للمقاومة

الجدير بالذّكر أن كل هذه الصّحف، بعناوينها المارقة، كانت تعتمد إلى جانب اللغة العربية والسّجع والمقامة، اللهجةَ التونسية والتصوير الكاريكاتوري كدافع للإضحاك، وكانت توجّه انتقادات لمّاحة للمستعمر الفرنسي إلى جانب القصر الملكي وشيوخ الزيتونة، وتستهدف السخرية من جميع المكونات السياسية في البلاد بمختلف توجهاتها، ولا يمكننا الحديث عن صحافة هزلية تونسية منخرطة في الحركة الوطنية إلا ابتداء من ثلاثينيات القرن الماضي.

فقد ظهر أوّل عدد من صحيفة "النسناس"، التي كانت تصل الأكشاك كل يوم اثنيْن وظلت تصدر لستة عشر سنة متتالية، قبل أن تتخذ عنواناً آخر وهو "الفرززّو" الشّهيرة والتي كانت تعتمد نقداً لاذعاً موجّهاً "للفرنسيس" وسياستهم الاستعمارية الغاشمة. اختيار كلمة "فرززّو" التي تعني "الدبّور" في اللغة العربية، قائمٌ على مثل شعبي تونسي شائع مفاده "لا تنتظر العسَلَ من دُبُر الفرززو"، في تلميح للمستعمر الفرنسي آنذاك.

لكن إيقاف الجرائد الساخرة وتعرّض مالكيها للسجن ودفع غرامات تعجيزية كان مصيراً مشتركاً في المشرق والمغرب العربيين، سواء في العهد العثماني أو إبان الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، وهو ما حرمها من الانتظام.

صحيفة "الفرززو"

 الأدباء التونسيون والضحك

بلغ أوج هذه الصحافة الهزلية المنتقدة للمستعمر مع تشكّل "جماعة تحت السّور"، وهم مجموعة من الكتاب والمثقّفين الذين كانوا يلتقون في مقهى شعبي يحمل الاسم نفسه. فكان منهم القصّاص علي الدّوعاجي (1909- 1949) الذي يُعدّ عرّاب القصة التونسية، والذي أسّس صحيفة أسبوعية ساخرة تحمل اسم "السّرور" سنة 1936، ثمّ الصحفي الشّهير الذي عُرف فيما بعد حكواتياً عبد العزيز العروي، وقد أسّس أيضاً الصحيفة السياسية الساخرة "الهلال" التي ظهر عددها الأول سنة 1930.

هذا إلى جانب صحف أخرى أكثر نخبوية، ومنها "الشّهامة العربية" التي أسسها الصحفي الزيتوني محمد مختار سعادة (1894- 1962).

الصّحافة التونسية في عمومها تعيش اليوم أزمة تقبّل بعد ابتعادها على الذائقة الشعبية، ولم تستطع الخروج من هذه الأزمة رغم اعتمادها عدّة أساليب من أجل ذلك، لأنها ظلت تعتمد في معظمها على الوسائل التقليدية في الطّبع والتوزيع

وتُعدّ صحيفة "السّرور" من بين الصحف التي مثّلت مساحة هامة لبعض الأدباء التونسيين، ولعل أشهرهم الشاعر والكاتب مصطفى خريف (1909- 1967)  الذي كان يكتب زاوية أسبوعية ذات طابع أدبي نقدي، أسماها "مراجعات صحافية".

وقد اعتمدت هذه الصحيفة، كما غيرها من الصّحف التي كانت تصدر في تلك الآونة، على اللغة المحكية، لقربها من الشعب الرّازح تحت وطأة الاستعمار الذي كشّر عن أنيابه في تلك الحقبة. وكانت أسعارها للفقراء 20 فرنكاً وللأغنياء مجاناً، حسب ما ورد في زاوية الإعلانات، من باب السخرية من بؤس الحال.

عدد من صحيفة "السّرور" لصاحبها الأديب علي الدّوعاجي

لاقى هذا النوع من الصحافة رواجاً كبيراً، إذ كان التونسيون يتهافتون عليها في الأسواق لما تحتويه من نُكَت ساخرة ومواد تشفي غليلهم وهم يكابدون أزمات اجتماعية ومعيشية. ونلاحظ أن الصحافة كانت تُساير الواقع بلا مداهنة، فكلما ازدادت الأزمة اشتداداً ازدادت السخرية ضراوة وعمقاً، ولعلها سمة تونسية صرفة، فالتونسي ما زال إلى اليوم يلجأ إلى النكتة كلما ضاق به الحال.

ثمة عدّة عناوين أخرى لا يمكن تجاوزها لتنوّعها واعتمادها على نقد الأوضاع السائدة قبل استقلال تونس سنة 1956، ونذكر منها الجريدة الأسبوعية السياسية "الشاب التونسي" le jeune tunisien وهي التي ظهرت سنة 1932 واتخذت من الدفاع عن المواطن هدفاً. وبعدها "التونسي الصّغير"le jeune tunisois سنة 1934، فـ"زهو البال" و"الشّباب" و"كل شي بالمكشوف" و"المنتقد" و"الكشكول" و"الرقيب" و"النيشان" إلخ...

العدد الأوّل من الصّحيفة الهزلية "الشّباب" التي أسّسها محمود بيرم سنة 1963 وكانت تستهدف شريحة الشّباب كما تبين الصّورة" من "الشّباب إلى الشّباب"

لكن بعد الاستقلال وانفراد الزّعيم الحبيب بورقيبة بالسّلطة، تراجع هذا النوع لحساب الصحافة "الجادة" وتأسست "دار الصباح" سنة 1969، التي كانت مُسايرة ومتبنية وممجّدة للسياسة البورقيبية. وقد شدّدت السلطة الخناق على المنشورات الساخرة، خصوصاً بعد محاولة الانقلاب التي جدّت سنة 1962، لتزداد تلك الرقابة مع نظام بن علي البوليسي، الذي نزل بكل ثقله ليسيطر على كل مفاصل البلاد.

مخالب "القطوس" تُعيد الصحافة الساخرة

أسس الصّحفي والمعارض سابقاً سليم بوخذير جريدة "القطّوس" في شهر أغسطس 2011، وهي جريدة ساخرة تتوزع على أربع صفحاتٍ بين المادة المكتوبة والصّورة الكاريكاتورية. وعبر صور لقطط تنتشر على غالبية الصفحات، يلخص الكاتب التونسي المستجدات على الساحة السياسية ويوجه رسائل تتضمن في ظاهرها عبارات شكر لبعض الرموز الفاعلة في المشهد السياسي، ولكن في باطنها نقد لاذع.

تُعتبر صحيفة "الكاركوز" التي تأسّست سنة 1884، أولى بوادر لظهور صحافة هزلية ساخرة في تونس، كما يوحي بذلك عنوانها، فـ"الكاركوز" في اللغة المحكية التونسية تعني المهرّج الذي تجدر به كل سخرية

ومن بينها مقال بعنوان "بطل تونس في احترام حظر التجول" وفيه: "ترفع أسرة تحرير الصحيفة أحرّ عبارات الشكر للرئيس التونسي المؤقت الذي لم يكتف بالتقيد بقرار منع التجول في الليل، بل قرر الامتناع عن التجول حتى في النهار... فهو تقريباً لم يظهر منذ أن أصبح رئيساً"، في 15 كانون الثاني/يناير.

وعزا بوخذير إصداره للصحيفة إلى "إعادة النظام القمعي لإنتاج نفسه" في تونس موضحاً "أن الثورة قامت من أجل أن يستعيد الشعب السلطات لا سيما سلطة القضاء والمال والإعلام، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل... وكان لا بد من نظرية القطوس في شكل صحيفة لإحداث الضجيج والسعي الى تشخيص المأساة والسخرية منها كذلك من أجل الفرح الدائم".

واستعان سليم ببعض الأقلام التونسية اعتبرهم "لاجئين سياسيين في جمهورية القطوس" ممن "ضاقت عليهم فرص التعبير". وإن تم ذكر بعض الأسماء مثل الشاعر الساخر سليم ساسي، فقد اختار آخرون أسماء مستعارة مثل "أبو المخالب" و"أبو الخرابيش".

نحو الفضاء الافتراضي

نلاحظ اليوم أن الصّحافة الهزلية التونسية اختفت ولكن الهزل لم يختفِ، بل وجد سُبلاً أخرى أكثر فعالية ورواجاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فظهرت عدّة صفحات شهيرة تعتمد نفس وسائل تلك الصّحافة من سخرية ونقد موجّهيْنِ للسياسة والسّياسيين بالخصوص. وهي صفحات لا تتردّد في استخدام البذاءة والصّورة والفيديو، ما جعل متابعيها يزدادون يوماً بعد آخر، حتى أنها أثّرت على الصّحافة التقليدية سواء المكتوبة منها أو المسموعة أو حتى المرئية، فأصبحت مرجعاً يعود إليه البعض لمجرّد النقل لا غير.

لكن الصّحافة التونسية في عمومها تعيش اليوم أزمة تقبّل بعد ابتعادها على الذائقة الشعبية، ولم تستطع الخروج من هذه الأزمة رغم اعتمادها عدّة أساليب من أجل ذلك، لأنها ظلت تعتمد في معظمها على الوسائل التقليدية في الطّبع والتوزيع في ظل سريان المعلومة والمادّة السّاخرة وطفرة الميمز، كوسيلة للتداوي من الإحباط والشقاء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard