مصادرة وسجن وقوانين مرفوضة دولياً… حصاد 7 سنوات سبقت إعلان "عام المجتمع المدني"

الأحد 12 سبتمبر 202107:32 م

"لحظة مضيئة في تاريخ مصر المعاصر"، هكذا وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لحظة إطلاق "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" التي أعلنها في فعالية رسمية يوم السبت 11 سبتمبر/ أيلول، بحضور كبار رجال الدولة. وألقى الرئيس خطاباً رسمياً تلاه حوار مفتوح أوصل خلالهما رسائل عامة، من دون ذكر تفاصيل الاستراتيجية الجديدة. وأعلن الرئيس خلال كلمته عن اعتزام حكومته تخصيص عام للمجتمع المدني، وهو ما تكرر سابقاً في إطلاق عام الشباب وعام المرأة المصرية (مرتين في 2017 و2021).

يتزامن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان مع الذكرى الـ 20 لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي كانت فاتحة النقاش حول علاقة غياب حقوق الإنسان بانتشار الإرهاب.كما تتزامن مع تصاعد الضغوط الداخلية في حزب الرئيس الأمريكي للالتزام بتعهداته في وضع حقوق الإنسان حجر أساس في علاقات أمريكا الدولية، في وقت تترقب فيه مصر الإفراج عن مخصصاتها في المعونة الأمريكية السنوية. كما يتزامن إطلاق الاستراتيجية وإعلان عام المجتمع المدني، مع بدء محاكمة مؤسسي "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات"، وهي منظمة حقوقية مصرية، وجهت السلطات إلى مؤسسيها تهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها إلى جانب اتهامات أخرى. جدير بالذكر أن إحدى مؤسساتها الخاضعات للمحاكمة هي عائشة الشاطر ابنة القيادي الإخواني المسجون خيرت الشاطر.

وتتضمن الاستراتيجية حسب بيان رئاسة الجمهورية "تطوير سياسات وتوجهات الدولة في التعامل مع عدد من الملفات ذات الصلة، والبناء على التقدم الفعلي المحرز خلال السنوات الماضية في مجال تعظيم الحقوق والحريات، والتغلب على التحديات في هذا الإطار بهدف المزيد من تعزيز واحترام جميع الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وترسيخاً لما تقوم به الدولة في مجالات دعم حقوق المرأة والطفل والشباب وكبار السن وأصحاب الهمم وجميع فئات المجتمع"، بيد أن هذه النصوص اعتبرها معارضون فضفاضة، كما أنها لم تتطرق إلى وضع خطة لتحسين أوضاع المعتقلين، وتدويرهم في قضايا طويلة الأمد.

يتزامن إطلاق الاستراتيجية وإعلان عام المجتمع المدني، مع بدء محاكمة مؤسسي "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات"، وهي منظمة حقوقية، وجهت السلطات إلى مؤسسيها تهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية

جاء إعلان "الاستراتيجية" وسط تراجع دور مؤسسات المجتمع المدني، حيث شهدت السنوات التالية لمنعطف 30 يونيو/حزيران 2013 اغلاق العديد من الجمعيات الأهلية التي احتسبت على جماعة الإخوان المسلمين واحتجاز أموال بعضها الآخر، وتعرضت عدة منظمات حقوقية ونقابات للاقتحام ومحاولات الإغلاق، بالإضافة إلى القيود التشريعية التي فرضتها السلطات ورأت فيها منظمات دولية ودول صديقة لمصر على رأسها ألمانيا والولايات المتحدة، أنها تستهدف إعاقة عمل المجتمع المدني. هذه أيضاً بنود لم تتطرق إليها الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأمر الذي دفع حقوقيين إلى المجادلة بأن الاستراتيجية الجديدة لن تصلح ما أفسدته الإدارة المصرية طيلة السنوات السبع الماضية؛ أي منذ تولي السيسي رئاسة البلاد.

السيسي والمجتمع المدني

في الأول نود أن نشير إلى أن تعريف المجتمع المدني ليس حكراً على المنظمات الحقوقية فقط، وإنما هو مصطلح عام يشمل الاتحادات المهنية والنقابات ومنظمات المجتمع المحلي، والمنظمات غير الحكومية - مثل مجموعات حقوق الإنسان، والمجموعات النسائية، والجمعيات الخيرية، ومراكز الفكر والحركات الاجتماعية، وعليه تعرض رصيف 22 أبرز المعوقات التي واجهت المجتمع المدني خلال السنوات الأخيرة.

اقتحامات وملاحقات

حسب دراسة أعدها المركز الديمقراطي العربي عن أوضاع مؤسسات المجتمع المدني في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقد تعرضت العديد من المؤسسات للمضايقات، إذ تم فرض قيود عديدة على منظمات المجتمع المدني وبخاصة الحقوقية منها، وإغلاق عدد كبير منها بزعم تبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين، كما صار احتجاز النشطاء الحقوقيين والصحفيين والاكاديميين بتهم تتصل بالانتماء إلى "جماعة إرهابية" روتينًا مستقرًا في ممارسات السلطات المصرية. وعادة ما يوجه إلى النشطاء والصحفيين قائمة اتهامات تبدأ من الانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم باغراضها، ونشر الأخبار الكاذبة وترويج الشائعات والتحريض علي التظاهر وقد اصل الاتهامات إلى تمويل الإرهاب.

ومن أبرز أمثلة الجهات الحقوقية التي تعرضت للمضايقات وأشار إليها المركز في بحثه، هي الهجوم على المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث هاجمت قوات الأمن مقر المركز، المعني بحقوق العمال والفئات المهمشة، في الأسكندرية في مايو/ أيار 2015، أثناء عقد مؤتمر لدعم نشطاء حقوق الإنسان المعتقلين، كما أغلقت السلطات بذرائع مختلفة "مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب" وهو مركز معني بتقديم الدعم النفسي للرجال والنساء ممن يتعرضون للعنف والتنكيل سواء في مراكز الاحتجاز الشرطية أو القضائية أو على يد أفراد آخرين في المجتمع نتيجة لانتشار الفقر وانعكاسه على الفئات الأضعف كالنساء والأطفال. إذ استصدرت السلطات بالاستعانة بوزارة الصحة قراراً بإغلاق المركز في فبراير/ شباط 2016، لكن المركز واصل العمل من دون مقر حتى حصل على أمر قضائي باستمرار العمل، إلا أن السلطات جمدت حساباته المصرفية.

وإلى جانب قانون الجمعيات الأهلية سيء السمعة وصدى الرفض الدولي له، هناك القضية السياسية الأشهر خلال العقد الأخير وهي قضية التمويل الأجنبي للمنظمات المصرية، والتي بسببها حكم في يونيو/ حزيران 2013، على 43 من العاملين المصريين والأجانب في بعض المنظمات الأجنبية بالسجن لمدد تتراوح بين سنة و5 سنوات، وُحكم على المديرين وكبار العاملين بالسجن لمدة 5 سنوات، وكانت معظم الأحكام غيابية، أما العاملين المصريين الذين ظلوا داخل البلاد فقد حصلوا على أحكام بالسجن لمدة عام واحد مع وقف التنفيذ. كما أمرت المحكمة بإغلاق المنظمات المعنية، وهي المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد القومي الديمقراطي، وفريدم هاوس، والمركز الدولي للصحافة، ومؤسسة كونراد أديناور.

أما المنظمات المصرية فلا يزال العاملون فيها قيد الاحتجاز أو تجميد الاموال والمنع من السفر إلى جانب الملاحقة القضائية المستمرة منذ 10 سنوات.

وشملت إجراءات هذه القضية المفتوحة حظر السفر لحقوقيين أبرزهم جمال عيد وحسام بهجت ومحمد زارع وناصر أمين، بالإضافة إلى صدور طلب التحفظ على أرصدة مديري ومؤسسي عدد من المنظمات الحقوقية تشمل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومركز هشام مبارك للقانون، والتحقيق مع عدد من العاملين في تلك المؤسسات.


وتجدر الإشارة أيضاً إلى واقعة اقتحام نقابة الصحفيين؛ حيث هاجمت قوات الأمن مقر النقابة في 1 مايو/ أيار 2016، على خلفية اعتقالات واسعة تلت التظاهر ضد قرار التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح السلطات السعودية. وألقت الشرطة القبض على الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا لاعتصامهما في مقر النقابة احتجاجاً على قرار تسليم الجزيرتين. ووجهت إليهما اتهامات التحريض على التظاهر وترويج شائعات كاذبة، ولاحقاص حكم على نقيب الصحفيين وقتها يحيى قلاش بالسجن لمدة عامين، في واقعة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الصحفية، ودفعت بالدولة إلى دعم أوسع لمرشحيها على مقعد نقيب الصحفيين وداخل مجلس النقابة.

قانون الجمعيات الأهلية

في 14 يوليو/تموز 2019، وافق البرلمان المصري على قانون المنظمات غير الحكومية، المعروف بقانون الجمعيات الأهلية، بعد تعديلات طفيفة لن تستجب الدولة فيها إلى اعتراض منظمات ودول صديقة على نصوص القانون. الأمر الذي حدا بمنظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى حث الرئيس عبد الفتاح السيسي على عدم الموافقة على القانون وإعادته إلى البرلمان لتعديله، إلا أنه صدق عليه في أغسطس / آب 2019، وقالت المنظمة في بيان سابق إن"القيود في القانون الجديد، مقترنة بسعي الأجهزة الأمنية المصرية الحثيث لقمع المجتمع المدني بلا هوادة، تُظهر نية الحكومة المصرية سحق المنظمات المستقلة. إذا كانت هناك ذرة واحدة من النية الحسنة لتمكين المجتمع المدني من العمل باستقلالية".

ويحظر القانون مجموعة واسعة من الأنشطة، مثل "إجراء استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء البحوث الميدانية أو عرض نتائجها" دون موافقة حكومية، كما حظر القانون أنشطة أخرى بموجب مصطلحات فضفاضة تحت مسمى " الأنشطة السياسية" التي من شأنها الإخلال بالأمن القومي.

وحظرت المادة 72 على جميع مؤسسات المجتمع الأهلي الاستعانة بالأجانب سواء فى صورة خبراء أو عاملين دائمين أو مؤقتين أو متطوعين إلا بعد الحصول على ترخيص من الوزير المختص.

ويتيح القانون للحكومة حلّ الجمعيات، استناداً إلى مجموعة واسعة من "المخالفات"، ويفرض غرامات تصل إلى مليون جنيه مصري (ما يزيد على 60 ألف دولار أمريكي) على المنظمات التي تعمل من دون ترخيص أو التي ترسل وتتلقى الأموال من دون موافقة الحكومة، حسبما أشارت المادتان 94 و 95 من القانون.

في مصر تعد الجمعيات الأهلية هي عماد تقديم الخدمات والإعانات المعيشية والغذائية في المناطق الفقيرة والمهمشة، في ظل تزايد اتجاه الدولة نحو التقشف وإعادة توجيه الإنفاق رغم انتشار الفقر

الجمعيات الخيرية

بموجب اتهامات تلقي أموال من جماعات إرهابية، أغلقت وزارة التضامن الاجتماعي - ذراع الدولة في ملف المجتمع المدني- 22 جمعية خيرية في عام 2017، في 2018 وضعت أموال ما يزيد على ثلاثمائة جمعية أهلية، بتهم تتعلق بتلقي تمويلات من منظمات إرهابية، فضلاً عن إغلاق العشرات من المراكز التعليمية التي تعمل تحت مظلة جمعيات خيرية.

وفي مصر تعد الجمعيات الأهلية هي عماد تقديم الخدمات والإعانات المعيشية والغذائية في المناطق الفقيرة والمهمشة، في ظل تزايد اتجاه الدولة نحو التقشف وإعادة توجيه الإنفاق نحو سد عجز الموازنة وخدمة الديون والمشاريع القومية. 

خلال الأعوام الأخيرة توجهت الدولة نحو زيادة رسوم الانضمام إلى مراكز الشباب ورفع مقابل ممارسة الرياضة فيها، حتى وصلت تكلفة الانضمام إلى 40 ألف جنيهاً مصرياً في بعض الحالات (20 ضعف الحد الأدني للأجور)

نقابات تحت الحراسة

في شهر يوليو / تموز 2020، قضت محكمة الأمور المستعجلة بتأييد حكم الحراسة القضائية على نقابة العلميين في مصر، والذي صدر في فبراير/شباط من نفس العام.

وجاء الحكم بعد خلاف بين نقيب العلميين وعدد من أعضاء مجلس النقابة، ووصل الخلاف إلى ساحة القضاء وسط اتهامات متبادلة بمخالفات مالية وإدارية. وجاء الحكم مخالفا للمادة (77) من الدستور المصري التي تنص على صراحة على أنه "لا يجوز فرض الحراسة عليها (النقابات) أو تدخل الجهات الإدارية في شؤونها".

نقابة الصيادلة لا يختلف حالها كثيراً، حيث قضت محكمة الأمور المستعجلة بقبول دعوى حل مجلس نقابة الصيادلة بسبب خلافات داخلية بين أعضاء مجلس النقابة، بينما لا تزال هناك محاولات من الحكومة ممثلة في وزارة الصحة لفرض الحراسة على نقابة الأطباء، حيث أرسلت الوزارة مذكرة إلى وزارة الصحة في يونيو/حزيران الماضي، إلى محكمة القاهرة للأمور المستعجلة تطالب بحل مجلس النقابة، بسبب ارتكابه "أفعالًا إجرامية، قوامها التحريض ضد الحكومة ووزارة الصحة واتهامها اتهامات جازفة عارية تماما عن الصحة"، وفقاً للمذكرة. وذلك على خلفية قيام المجلس بمهامه في حماية مصالح الأطباء الذين ماتوا بعد إصابتهم بعدوى فيروس كورونا المستجد خلال قيامهم بعملهم.

مراكز الشباب

لم تسلم مراكز الشباب الرياضية في القرى والمحافظات من تدخلات الحكومة، حيث نشرت جريدة الوقائع المصرية (الجريدة الرسمية) تعديلاً على لائحة النظام الأساسي لمراكز التنمية الشبابية وطرق إدارتها، في 17 أبريل / نيسان الماضي، وتضمن المنشور نص القرار الذي أصدره وزير الشباب والرياضة أشرف صبحي، الذي يقضي بأن يدير شؤون المركز مجلس إدارة يصدر بتعيينه قـرار مـن الوزير المختص، وليس بانتخاب الجمعيات العمومية للمراكز حسبما استقر الوضع منذ بدء إنشاء مراكز الشباب في خمسينيات القرن الماضي.

وجاء قرار الوزير ضارباً عرض الحائط بتوصيات لجنة الشباب والرياضة بالبرلمان التي رأت أن قرار التعيين "يمثل ردة على تعظيم دور الجمعيات العمومية"، لافتة أن اللجوء إلى التعيين "سيفتح الباب أمام عودة الواسطة والمحسوبية داخل مراكز الشباب" حسب حديث رئيس اللجنة محمود حسين.

ومراكز الشباب هي نواد اجتماعية ورياضية، تنشئها وتمولها الدولة لتوفير ساحات رياضية مقابل رسوم في متناول الطبقات الوسطى والفقيرة. إلا أن الدولة خلال الأعوام الأخيرة توجهت إلى زيادة رسوم الانضمام إلى مراكز الشباب وزيادة رسوم ممارسة الرياضة فيها، حتى وصلت تكلفة الانضمام إلى 40 ألف جنيهاً مصرياً في بعض الحالات، ما يجعلها خارج متناول شرائح اجتماعية كانت تلك المراكز تمثل متنفساً لها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard