في ذكرى 30 يونيو... ما هو الحد الأدنى للحديث عن انفراجة حقوقية في مصر؟

الثلاثاء 29 يونيو 202111:00 ص

تحل الذكرى الثامنة لـ30 يونيو هذا العام، ولا تزال الانتقادات لحالة حقوق الإنسان في مصر حاضرة بكثافة. ولا تقتصر هذه الانتقادات على الصعيد المحلي، بل دأبت منظمات حقوقية دولية على انتقاد تردّي أوضاع حقوق الإنسان في مصر دورياً.

آخر الانتقادات كان البيان التي أصدرته 31 دولة في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في آذار/ مارس الماضي، وطالبت فيه مصر "بالتوقف عن اللجوء لقوانين مكافحة الإرهاب لتكميم أفواه المعارضين، والصحافيين، وإبقاء المنتقدين قيد الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى".

وبينما وجهة نظر الدولة الرسمية تقوم على أن مصر لديها مفهوم مختلف عن حقوق الإنسان، وهو شامل لمجالات مثل التعليم والصحة اللذين ترى أنه أُحرز تقدّم كبير فيهما، يعتبر فاعلون في المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية أنه يجب ألا يتم إغفال مجال الحقوق والحريات.

قبيل ذكرى 30 يونيو هذا العام، أعادت خمس منظمات حقوقية مصرية، وهي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومؤسسة حرية الفكر والتعبير ومركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، المطالبة بسبع خطوات ترى أنها تمثّل الحد الأدنى قبل الحديث عن أي انفراجة حقوقية في مصر.

يقول مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد لرصيف22 إن هذه الخطوات التي أعلنت عنها المنظمات في الرابع من أيار/ مايو، هي الحد الأدنى من المطالب الحقوقية التي تتبناها المنظمات المُشاركة في الدعوة، موضحاً أنها "المطالب الأكثر إلحاحاً، وتُعتبر البداية... وأقل من ذلك بعيد عن البداية، وأما تحقيق أكثر من ذلك فيُعتبر برنامجاً طويل المدى للإصلاح".

ويُضيف عيد أن هذه الخطوات لا تحتاج إلى ميزانيات تثقل على الوضع الاقتصادي، وكذلك لا تحتاج إلى تعديلات تشريعية وقانونية، بل فقط إلى إرادة سياسية و"(مكالمة) تليفون"، مُشيراً إلى أن النظام لديه فرصة ذهبية كي يقلل من حدة الغضب الموجودة وليُحسن صورته الداخلية والخارجية، ويعيد ثقة المصريين في أنه لا تزال توجد سيادة للقانون في مصر، "حتى لو ضعيفة".

الخطوة الأولى: الإفراج عن السجناء السياسيين المحبوسين احتياطياً أو المحكوم عليهم من جميع التيارات السياسية بالآلاف بسبب نشاطهم السلمي.


هذه أولى المطالبات التي تُنادي بها المبادرة، ويُعَدّ الحبس الاحتياطي أحد أكثر الوسائل المستخدمة في العهد الحالي من الحكم، لحبس المعارضين السياسيين، كبديل عن الاعتقال الإداري الذي كان موجوداً إبان عصر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قبل إلغائه.

رغم عدم وجود إحصاء يحدد إجمالي عدد المحبوسين احتياطياً في مصر على ذمة قضايا سياسية، إلا أن هناك مؤشرات تقدّمها إحصاءات لإجمالي عدد المحبوسين احتياطياً في بعض الأحداث الكبرى، فمثلاً في تظاهرات أيلول/ سبتمبر الثانية عام 2020، كان العدد 1920 متهماً على ذمة القضيتين 880 و960 لسنة 2020، بحسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

كما أن المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو جهة رسمية، طالب في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 بإيجاد حلول لـ"مشكلة تجديد الحبس الاحتياطي لمدد طويلة دون الإحالة لمحاكمة جنائية"، وأكّد على ضرورة الإفراج عمَّن انتهت مدة حبسه الاحتياطي (ستة شهور في الجنح؛ سنة ونصف في الجنايات، وسنتان إذا كانت العقوبة المؤبد أو الإعدام) حتى لا يتحوّل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة بدون حكم قضائي.

أما السجناء السياسيين من التيارات السياسية المختلفة، فيُقصد بهم السجناء الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن بمدد مختلفة على ذمة قضايا مختلفة تصفها تلك المنظمات الحقوقية بالسياسة، مثل بعض القضايا المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين كـ"فض اعتصام رابعة" التي حُكم فيها على المئات بأحكام تتراوح بين خمس سنوات وحتى الإعدام، وكذلك قضايا الألتراس، ومنها قضية "ألتراس وايت نايتس" المُشجع لنادي الزمالك، والتي سُجن فيها أعضاء من الألتراس على ذمة القضية التي تُوفي فيها زملاء لهم في ستاد الدفاع الجوي.

الخطوة الثانية: إنهاء الحبس الاحتياطي المطول ومفتوح المدة ووقف "تدوير" السجناء السياسيين كمتهمين في عدة قضايا لإبقائهم في السجون.


إلى جانب التأكيد على مطلب "إنهاء الحبس الاحتياطي المطول ومفتوح المدة"، تُشير الخطوة الثانية إلى مصطلح انتشر حديثاً في آخر عامين وسط محامي وأهالي المحبوسين احتياطياً، وهو "التدوير"، ويعني إدراج المتهم المحبوس احتياطياً الصادر قرار بإخلاء سبيله على ذمة قضية أخرى وتعطيل الإفراج عنه، ويكون ذلك بإخفاء قوات الأمن له ثم إظهاره في نيابة أمن الدولة العليا على ذمة قضية جديدة، أو إدراجه في قضية أخرى أثناء حبسه، لكي يُجدد حبسه على ذمة القضية الجديدة عند بلوغه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي على ذمة القضية الأولى.

سبعة مطالب حقوقية ملحّة "تُعتبر البداية"، و"أقل من ذلك بعيد عن البداية"

هذا الأمر عانى منه عدة متهمين مثل مدير مركز عدالة للحقوق والحريات محمد الباقر، والمحامي محمد رمضان، والمحامية ماهينور المصري، ورئيس حزب مصر القوية عبد المنعم أبو الفتوح. ورصدت عدة منظمات حقوقية محلية ودولية، منها "هيومن رايتس ووتش"، ظاهرة "التدوير" وسبق أن أدانتها.


الخطوة الثالثة: رفع حالة الطوارئ المفروضة منذ 2017 بالمخالفة للدستور والمستخدمة في تعطيل كافة الحريات الأساسية وحقوق المحاكمة العادلة.


هناك ثمانية آثار لحالة الطوارئ المفروضة من قِبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، أبرزها، وهو ما يثير دوماً مخاوفَ حول حقوق المحاكمة العادلة وتعطيل الحريات الأساسية، عودة محاكم أمن الدولة طوارئ، وهي تحكم في الجرائم التي يُحيلها إليها رئيس الجمهورية لمخالفة القانون العام، أو لمخالفة الأوامر العسكرية في حظر التجول، وأحكامها نهائية لا استئناف فيها، ولدى المُدان أمامها فرصة فقط لتعديل حكمه بتقديم تظلم للحاكم العسكري، أي رئيس الجمهورية.

ويُعَدّ آخر المحكومين في قضية سياسية أمام محكمة أمن دولة طوارئ الباحث أحمد سنطاوي، المُدان بأربع سنوات سجن في 22 حزيران/ يونيو 2021، على خلفية اتهامه بنشر أخبار كاذبة من خارج البلاد على حساب منسوب له على فيسبوك.

كذلك، تسمح حالة الطوارئ للرئيس بمراقبة الرسائل أياً كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم، وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها، وإغلاق أماكن طباعتها.


الخطوة الرابعة: تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة في قضايا جنائية أو سياسية وعرضها على لجنة مختصة للعفو الرئاسي قبل تنفيذها.


تزايد على مدار الأعوام الماضية إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام في مصر. ففي عام 2020، كانت مصر ثالث أكثر دولة في العالم تنفّذ أحكام إعدام بعد الصين وإيران، وفي شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2021، صدر على الأقل 77 حُكم إعدام.


الخطوة الخامسة: إنهاء الملاحقة الجنائية للمدافعين عن حقوق الإنسان وإغلاق القضية 173 لسنة 2011 ضد منظمات المجتمع المدني.


تُعرف القضية 173 لسنة 2011، بقضية "التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني". بدأت عندما أمر مجلس الوزراء، في تموز/ يوليو 2011، وزير العدل بالنظر في التمويل الأجنبي التي تتلقاه تلك المنظمات، ثم انفصلت تلك القضية إلى جزء يتعلق بالمنظمات الأجنبية، وجزء بالمنظمات المحلية، ومنها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. ويُمنع مديرو هذه المراكز من السفر، كما جُمّدت أموالهم، فيما لم تنتهِ تلك القضية حتى الآن بعد مرور عشرة أعوام عليها.


الخطوة السادسة: سحب مشروع قانون الأحوال الشخصية وإطلاق حوار مجتمعي بشأن قانون عادل للأسرة يكفل الحقوق المتساوية للنساء.


طُرحت تعديلات قانون الأحوال الشخصية في مجلس النواب في آذار/ مارس الماضي، ولاقت جدلاً شديداً ورفضاً من منظمات حقوقية تهتم بشؤون المرأة، إذ طالب أكثر من مئتي منظمة وشخصية عامة بـ"الاستناد للدستور المصري ومبادئ حقوق الإنسان، وإقرار الشخصية القانونية والأهلية الكاملة للمرأة المصرية".

بينما تقوم وجهة النظر الرسمية على أن مصر لديها مفهوم مختلف عن حقوق الإنسان، وهو شامل لمجالات مثل التعليم والصحة اللذين ترى أنه أُحرز تقدّم كبير فيهما، يعتبر فاعلون في المجتمع المدني وناشطون سياسيون أنه يجب ألا يتم إغفال مجال الحقوق والحريات

أكثر ما آثار الجدل في التعديلات هو عدم منحها الأهلية القانونية للمرأة، ما أدى إلى إطلاق نشطاء عبر فيسبوك وتويتر حملة كانت واسعة الانتشار حينها، بعنوان #الولاية_حقي.


الخطوة السابعة: رفع الحجب عن مواقع الإنترنت والصحف الرقمية والتي تجاوز عددها 600 موقع بالمخالفة للقانون وبدون حكم قضائي.


في أيار/ مايو 2017، فوجئ أكثر من موقع صحافي مصري بحجبها، دون إعلان أي جهة حتى الآن عن مسؤوليتها عن الحجب، أو عن سببه، وسرعان ما ارتفع العدد إلى أكثر من 600 موقع محلي وأجنبي دون عِلم السبب.

"مطالب متوافقة مع الدستور والقانون"... لماذا لا يُستجاب لها؟

تنقسم الرؤية لملف الحقوق والحريات ما بين الرؤية السائدة في الدوائر الرسمية ودوائر النواب والمؤيدين للنظام، وترى أن هذا الملف فيه معلومات كثيرة مغلوطة، ومشكلته ليست بالحجم الذي يُصوّره البعض، وبين مَن يراه ضرورة مُلحّة.

فرئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب طارق رضوان انتقد في آذار/ مارس الماضي البيان الذي أصدرته 31 دولة بشأن حالة حقوق الإنسان في مصر.

وقال: "مَن وقّعوا على البيان حصلوا على معلوماتهم من جماعات وجمعيات مأجورة وهذا خطأ جسيم لأنهم لم يستندوا إلى مصادر دقيقة، ولم يلتفتوا إلى الإنجازات التي قامت بها الدولة المصرية في كافة المجالات".

يقول مدير "الشبكة العربية" جمال عيد لرصيف22 إنه حتى الآن لا يوجد تواصل رسمي مع المنظمات المتبنية للمبادرة، لكنه يرى مؤشرات على وجود وجهات نظر تحاول التعاطي مع بعض مطالبها، ويظهر ذلك في صدور بعض قرارات إخلاء السبيل، "لكنها لا تكتمل على أي حال"، كما أن أحكام الإعدام بالرغم من استمرار صدورها، لكن تنفيذها في الشهر الماضي كان أقل من قبله، فضلاً عن "قلة اللجوء للتدوير مؤخراً".

يُضيف عيد أن بعض الإعلاميين المقرّبين من النظام، ورؤساء الأحزاب السياسية، نقلوا أن بعض أطراف النظام ترى المبادرة جيدة، لكن المشكلة في وجود صراع بين الأجهزة لا يجعل هناك موقفاً واحداً متفقاً عليه بشأن التعاطي معها. "الكرة في ملعب النظام"، يستطرد عيد الذي يرى أن هذا الصراع يقف وراء عدم الاستجابة للمبادرة حتى الآن.

ويعتبر عيد أن الخطوة القادمة للمبادرة هي توسيع دائرة الداعمين لها، ما يعطيها الثقة، وفي نفس الوقت يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: "هل تحترم القانون مثلما تقول، أم لا؟"، متمنياً أن يظهر صوت يختار سيادة القانون والدستور.

ويشير عيد إلى أن المشكلة في أن "النظام يرى أن استجابته ستكون دليل ضعف أو أنه يخضع للإرادة الشعبية، وكأن ذلك أمر خاطئ، مع أنه يبدو وكأننا نقدّم له فرصة لكي يجد مخرجاً لتحسين سمعته دولياً، وتبييض ماء وجهه، ويظهر استجابة لمطالب قانونية، لأن سجله في الخارج من الانتقادات أسود".

وعلى المستوى الداخلي، برأي عيد، ستخفف الاستجابة للمبادرة من مستويات الغضب، لأن أسر المحبوسين احتياطياً والسجناء السياسيين، والمتأثرين بالمحاكمات غير العادلة، لن ييأسوا طالما أن أقرباءهم وذويهم في السجون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard