ثمن الأمومة في عالم البطولات الوهمية

الجمعة 10 سبتمبر 202112:53 م

لا يبجّل هذا النص الأمومة، بل يعيدها إلى سياق الواقع والحقيقة.

تحت أشعة الشمس الخفية، التي تتسلل إلى سمائي الأوروبية المرسومة في لوحات مونيه، تدغدغ خدّيّ نسمات لطيفة. أستلقي بجسدي على العشب كي تحملني الأرض، كما حملت فوقها، وفي جوفها، ما مرّ، وما سيأتي، كله. أغمض عينيّ بارتياح، وأنا أعلم أن طِفلَيّ يلعبان على مقربة مني، في لحظة نادرة من الهدوء الذي لا يتخلله صخب، أو بكاء، أو طلبات ملحة، أو أي رغبة، أو مصيبة قادمة.

"لا يمكننا أن نموت من أجل من نحب، الأفضل أن تقولي: بعيش فيكم".

عندما أفكر في أمومتي، لا أعلم ما الذي أحبه أكثر: لحظات السكينة القليلة التي تمنحني إياها الأرض، التي تتيح لطفلين صغيرين أن يعبثا بهوائها، ومخلوقاتها، وكائناتها الرهيفة، أم تلك اللحظات التي أضطر فيها إلى حمل ثقل همومهما، وهمومي، على ظهر مثقل بالحرب، والفقدان، والشوق أيضاً إلى أمي؟ أمي التي تحرمني منها اليوم، أوراق، وشروط، وحدود، وقوانين لا تسمح للأبناء والبنات بلقاء أمهاتهم/ ن.

في نظرة سريعة إلى العالم الأزرق في فيسبوك، أقرأ ما يلي في مجموعة للنساء السوريات القاطنات في ألمانيا: "أمي ماتت في الشام، ادعوا لها، صرلي سبع سنين ما شفتها".

يعتصر قلبي هذا الظلم، والعمق، لما تعنيه مشاركة الألم مع مجموعة من الغريبات. هل نقتسم خوفنا، وألمنا، وشوقنا أيضاً، فيخف الحنين، ويتضاءل الألم المتجذر فينا، عندما نشاركه مع غريبات، نعلم أنهن حتماً يدركن حجم المأساة في غربة مشتركة؟

تعيدني أمومتي إلى شتى الحاجات التي أردتها من أمي، ولم أحصل عليها، وإلى تلك التي أرادتها أمي، ولم تحصل عليها، وإلى رغبتي في الانعتاق عن السكة المرسومة للأمهات جميعهن، في كل مكان، وإلى الطريق التي لا تُعاقَب فيها النساء على ما يمكن لأجسادهن أن تصنعه. وأيضاً إلى رغبات ابني وابنتي كلها، التي لم ولن أتمكن من تحقيقها.

تكرّس المجتمعات فكرة تقديس الأمومة، وترفعها عن الآثام، بطريقة تجرد النساء من إنسانيتهن، ومن حقهن في ارتكاب العثرات، أو التصرفات البشرية، أو حتى الشغب

ماذا تصنع الأمهات في بيوتهن بعيداً عن أبيات الشعر؟

فرش الأدب الجنان، تحت أقدام الأمهات، شعراً ونثراً وتقديساً، يقترب من كونه تمهيداً لصور آلهة محتملة، تهدد بمهاراتها الإعجازية، توازن العالم.

فيمكن لمن تُخلق الحياة من جوفها، أن تخلق الطاقة، والقوة، والجبروت، في مكان ما. وأن تخلق الحياة، والنبض الأول، وأن تملك هبة الولادات الجديدة، وأن تكون، في ما تكون، الأقوى هُنا.

تكرّس المجتمعات فكرة تقديس الأمومة، وترفعها عن الآثام، بطريقة تجرد النساء من إنسانيتهن، ومن حقهن في ارتكاب العثرات، أو التصرفات البشرية، أو حتى الشغب. فلهن في الأدب، واللغة، وفي المجتمع، توصيفات ملائمة لما هو متوقع من وظيفتهن، التي تفقدهن جزءاً من عفويتهن، وشغبهن.

يشبّه الشعراء الرحم بالخالق، ويوظفونه لخلق الثورات، وانبلاج الحرية، وولادة الربيع، ويشيرون إلى الخصوبة على أنها دليل المقاومة المستمر، وليمون النضال الذي لا ينضب. كما يوكل إلى الأم، حمل المجتمع، وتقويمه، وتعليمه، وتغييره، وتصحيح مساره.

ويبدو أن ذلك كله، واجب مرتبط بمهامها المقدسة التي أُنزلت عليها، لحظة ولادتها للطفل الأول، وانعتاقها من متاع الحياة، فهي الآن أم. وعليها، أمام المجتمع، وأمام قريناتها، أن تثبت صلاحيتها، وحجم تفانيها، من أجل خلق عالم أفضل.

في مفارقة عميقة، ليست للأم حقوق واضحة في ميزان العطاء الذي عليها أن تبذله، فتُستخدم أمومتها ضدها، في الصراعات العائلية والمجتمعية، إذ يصبح الأبناء والبنات أداة لذل الأمهات، وقانوناً مجحفاً لقهرهن. والأكثر من ذلك، هو الثمن الذي تدفعه الأمهات كنساء أولاً، ثم كوالدات في الحروب، والصراعات العظمى.

هل علينا إذاً، أن نتخلى عن مهامنا الصعبة؟ لا يبدو ذلك ممكناً ما دمنا نرغب في الإنجاب، وفي خوض التجربة، بحلوها ومرّها، ولكن العالم يبدو محبِطاً في هذا المكان، فالأمهات لا يتمتعن في حقيقة الأمر، بأي قوى خارقة، أو قدرات سحرية. بل لهن قسط من التعب، والإرهاق، وحتى اليأس أحياناً، بينما تفشل الأنظمة العالمية في تأمين الدعم، والسند، والمساعدة، والإرشاد، للأمهات المنهكات. ومواجهة حقيقة أن هناك أمهات، في الواقع، يفشلن في تحقيق ما كُتب عليهن كله، فمن يحدد كيف نربي أبناءنا وبناتنا؟ ومن يمنحنا خلاصة تجربة ناجحة؟ ومن تحكي لنا عن ذلك النبع الذي لا ينضب، من رحلة الشعور بالذنب التي تولد بولادة الطفل الأول، والتي تصاحبنا ما دمنا أمهات؟ لا أحد. علينا أن نقتلع أشواكنا بأيدينا، حتى ونحن مريضات، ومتعبات، ووحيدات، في نهاية أيام طويلة مضنية.

ليس هناك كتاب إرشاد للأمهات، للتصالح مع الأخطاء الصغيرة والكبيرة، في الأمومة، لتقبّل الذات الجديدة التي تخلق مع ولادة الطفل الأول، ولاستيعاب الحياة التي تغيرها بضع ساعات من الولادة، واستقبال المولود الصغير.

وعلى الرغم من أن الأمر يبدو فطرياً، إلا أن الحياة "العصرية" تعامل الأمهات بقسوة، ضمن النظام الرأسمالي، ومتطلبات النجاح، وإثبات الذات، ومواجهة كل شيء بسرعة قصوى، حتى مشاعرنا الكثيفة، ومنافينا القاسية، وحاجاتنا الملحة كأمهات، إلى يدٍ حنونة تشبه أيادي أمهاتنا، أو بديلاتهن في حياتنا.

كما أن تربية الأطفال جزء مهمل من الأمومة في الفضاء العام، فالمهم هو خلق صورة الأم المقدسة، الحنونة والمعطاءة، بعيداً عن شخصيتها، وطموحاتها، وأحلام طفولتها. ويتخلى المجتمع عن مهامه في دعم الأمهات، حتى تبدو الدول التي تمنح إجازات أمومة طويلة، وتؤمن دعماً مادياً لهن، في غياب حضورهن عن ساحات العمل، والدراسة، دولاً متقدمة إلى درجة مفرطة، تقترب من كونها نادرة.

إن الحياة "العصرية" تعامل الأمهات بقسوة، ضمن النظام الرأسمالي، ومتطلبات النجاح، وإثبات الذات، ومواجهة كل شيء بسرعة قصوى، حتى مشاعرنا الكثيفة، ومنافينا القاسية، وحاجاتنا الملحة كأمهات، إلى يدٍ حنونة تشبه أيادي أمهاتنا، أو بديلاتهن في حياتنا

آخر الكلام

نستلقي أنا، وابني، وابنتي، في ليلة مقمرة، على سرير واحد، نتمتم أسرارنا قبل النوم، ونتأمل قمر آب، من نافذة تطل على حديقة صغيرة، نعدّها غابتنا السحرية. تتلألأ هناك النجوم، ويعبث نقّار الخشب بأغصان الأشجار، وتقطف السناجب حبات الجوز من الشجرة العتيقة، ويغني الشحرور لمحبوبته البعيدة. نرنو إلى تلك المساحة التي ترسم قصتنا معاً، وأقول في لحظة حب غامرة: "بموت فيكم"... يسود الصمت لبرهة، قبل أن يقول ساري، وهو مفكّري الصغير: "لا يمكننا أن نموت من أجل من نحب، الأفضل أن تقولي: بعيش فيكم".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard