في عيدهن، أيصلكم صدى بكاء الأمهات؟

الأربعاء 24 مارس 202111:24 ص

مرنت نفسي على عدم مبالاتي، كما لم تفعل أمي. لي عبرة من موت أخي ومن ضجيج المعزين؛ جميعهم كانوا زائرين لوقت محدد، هو عدد الساعات التي يحتاجها أخي في منزله قبل دفنه، اللحظات الأخيرة في رثائه على مرأى من الناس والغرباء. أعاود استرجاع الوجوه النادبة حول سريره، فيستحضرني وجه الأم المفجوعة على غرق صبيها الوحيد أمام الحاضرين، من بينهم من لديه وظيفة السؤال عن الحادثة دون تمهل. جميعهم يؤكد عليها أن ترحم نفسها من الصراخ. كانوا زائرين ينتظرون موعد التكبير للصلاة على الميت فيتقدمهم أخي في نعشه المضيء، وقد تهيأ لي أنه حرك ساكناً ليطمئن الأم الحزينة. لم يجرؤ أحد على الاستئذان من أمي والطلب منها بالابتعاد عن السرير كما تجري العادة بالسماح للرجال بالاقتراب وحمله إلى مثواه الأخير. كانت على أمل بأن يستفيق، كانت تلومه على خيانته لها، فهو غادرها صباحاً ليعود بعد انتهاء الدراسة. يومها، تعاون المحبون على إنهاء هذا اللقاء؛ أبعدوها عن جسده بالقوة، فهو لن يستفيق، وهي لن تصدق موته السريري، وهم ملّوا الوقوف وراء امرأة تكفر بمشيئة الرب.

يخصصون لها في عيدها إطلالة لاعتقادهم بأن لهذه المواساة سحر يمد الأم الثكلى بالعمر الطويل، الذي لم تعد ترغب به

هذا الأسبوع جاء عيد الأم؛ عيدها، الذي يرتكبون فيه تلك الحماقة بإعطائها وردة علهم معها يغفرون لقسوتهم عليها في ذلك التاريخ المشؤوم. ينظرون إليها تمسح دموعها ويعاودون طرح تلك الأسئلة التي عكرت صفو راحتنا فغلبني ثقلها. يطرقون بابنا لإعطائها وردة. الزائرون أنفسهم، الذين واسونا في موت أخي. يعلمون بأنهم يكسبون في زيارتهم "أجراً"، وهي تعلم بأن لتلك الوردة دافع وصِفة؛ صفة الأم التي حرمت من صوت ولدها في عيدها. يخصصون لها في عيدها إطلالة لاعتقادهم بأن لهذه المواساة سحر يمد الأم الثكلى بالعمر الطويل، الذي لم تعد ترغب به. تلك الزيارة وتلك الأحاديث تحيي حادثة اختناق أخي تحت الماء والساعات المربكة قبل انتشاله هامداً لا حيلة له ولا روح. قصة مشوقة لا تحييه أو تحيينا.

لننظر إلى السماء يا أمي، التلويح له من هنا حيث نحن وحيث الأرض والتراب، لن يدخلنا الجنة. في السنة إثنا عشر شهراً، وشهران فقط للذاكرة؛ تاريخ ولادته على قالب الحلوى وتاريخ وفاته عند شاهدة قبره. وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا. للتاريخين سكون تبعثه أنفاسنا، رأيته كم هو جميل هذا المولود حديثاً، بشّرك بصراخه عند ولادته ونعيته للعالم بصراخك. اليوم أمي تشتاقه وتهديه تلك الوردة فتضعها عند قبره. في عيدها تنحني وتؤنبه على خيانته عند كل مناسبة، وهم يعاودون مطالبتها بالصبر كأن لهم مصيبة مشتركة معها تجعلهم في موقع من يحق له أن يعطيها دروساً عن الحياة بعد الخسارة والصدمة والانكسار. الحياة التي كانت تستحقها مع صبيها كما عاهدت نفسها فاستغفرت ربها في مناجاته طالبة الرحمة بإعفائها من كل هذا البلاء. الحياة التي صاغها أولئك الزائرون على شكل الببغاء الخالي من المشاعر والتعاطف. فيسجل بطولته في إحدى الجمل التي لقنوه إياها؛ "هم السابقون ونحن اللاحقون" وكأن هذا الببغاء لا يهاب الموت.

في عيدها، أيصلكم صدى بكاء الأمهات؟ صدى أمهات ارتكبن خطيئة عشق أبنائهم بعد رحيلهم؟

لم يعد البحر يختال بأمواجه. ولم تعد الأشجار تختال بظلها، فتبوح بوجوده في عمق الغوص. سنحرك الأسماك يا أخي لتعلم بأنك مخلوق مثلها فلا تكترث لطعمك. كنت في حوض السمكة تحرك الرجلين وتنفخ في الماء فتتطاير منك ألوان مائية تغفر للياسمين اصفراره على عتبة منزلنا. لنرسم خطاً أسود يشبه حاجبيك. لنحفر في الأرض ونسقي عطشنا. أم سنحفرها ولن نجدك؟

ذاك الرجل المعمم يا أمي، ناداك من على منبره بالتوقف عن العتب ومساءلة الرب "لماذا أنت"، فطلب من الحضور طردك خارخ القاعة لأن موعظته لم تردعك عن الصراخ. طردوك خارج قاعته. ولو يعلم ويعلمون بأن صراخك لم يتوقف بعد ذلك.

للماء لون الأزرق أحياناً، للسماء أمطارها الباردة، وللبحر أمواجه الجذابة تلاعب ذاك الصبي فتغدر به ليستقر في أسفل أسفل البركة. تآلفنا مع عداوتنا للبحر رافضين النظر إليه والتواطئ مع أمواجه. نعم يا أمي قلتيها: "توقف كل شيء عندما توقف نبض قلبه".

الطائر في الهواء يفوح منه عطر ولدك. أراوغ مكاني، أتدسس وجعك وأبلل بخورك بالماء لينطفئ. لنتستر بالله يا أمي، فالله يدور مع الطيور ولا وجود له. لنكرر في عيدك "أجمل الأمهات التي ندبت فقيدها وأجملهن التي راقصت صورة شبابه حتى السقوط". لنتذكر حاجبيه، لنتنفس مثل السمكة، لنتوشح بغيابه ونتخلى عن الله.

في عيدك، ومن قلب الفاجعة، أسمعهم يمررون أسئلتهم عليك، فتمتنعي عن الحلم بصبيك المتيم في حبك. لموت أخي قصة "آلان الكردي" مرمياً على الشاطئ مبللا بغرقه. لرحيل أخي قصة "ست الحبايب"؛ من شاهدت ثياب آلان في الصورة فاسترجعت طفولة ولدها المبهور باللون الأحمر. حكاية الغريق وأخي وواجب لعن أسئلتهم ومجالسهم.

في عيدك ليتني استطعت رجم موعظته ولم أخجل، فانتقمت لك ولموت أخي. في عيدك ليتني لم أتغيب عن الحديث عنه معك فحرمتك يا أخي من فاتحتي عند ضريحك.

ليتني استطعت يا أمي حمايتك من أسئلتهم عند كل مناسبة. وليتك فعلت فعلي ولم توبخيني عند صمتي وعدم اكتراثي للآخرين، لكنت أنت اليوم يا أمي غير آبهة بهذه الوردة، لكنت اليوم يا أمي مثلي تماما: ليس لديك جواب. لما اضطررت في عيدك، وعند كل مناسبة، الى إحصاء عدد السنين التي مرت على تلك الحادثة. في عيدها، أيصلكم صدى بكاء الأمهات؟ صدى أمهات ارتكبن خطيئة عشق أبنائهم بعد رحيلهم؟ هنيئاً لك يا أمي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard