طائر أسود يحلّق في حقل النوم

السبت 11 سبتمبر 202112:30 م

مجاز الحلم، مجاز النائم في هوى المنحدر


منذ تلك الليلة العصيبة التي عرفت فيها بوفاة صديقي الشاعر (أحمد البكار)، لم ينطبق لي جفن. لقد مات الرجل وهو نائم، دخل إلى المنزل بعد لقاء في مقهى مع أصدقاء، غيّر ملابسه، تناول عشاءه، شرب كأساً، تفرج على التلفزيون لنصف ساعة، ثم دخل غرفته لينام!

حقل النوم

وقد تبدو هذا الحكاية مكررة لكنها حدثت لي،  أقصد الاستيقاظ، والتي جرت ربما لغيري، ومن الممكن أنْ مرّت تفاصيلها على بشر هنا أو هناك، لكنها على كل حال من النوع غير المبتذل، بل النادر، حكاية يمكن روايتها دائماً لأنها تشكل انحرافاً عن الطبيعي عندما يتعلق الامر بفيزياء الجسد. أقصد أصبحت منذ أن تلقيت خبر وفاة صديقي بهذه الطريقة، شخصاً مضطرباً، تغلغل في داخله الخوف، نعم الخوف، هذا هو بالضبط ما حدث لي، فحوّل حياتي إلى ما يشبه الصورة المتصدّعة، بالقدر الذي يمكن نعتها بالحياة المأساوية.

 في البداية، الأيام الاولى  بالتحديد، كانت حالتي صعبة ومربكة، قلبي  ينبض بقوة، قدماي ترتجفان وشعور يهيمن على تفكيري ينطوي على فكرة جنونية، هي  أن عزرائيل يقف لي على الباب، لكنني بعد مرور أسبوعين، ثلاثة، أربعة، تخلصت من الأعراض التي سبّبها استيقاظي الدائم، ويبدو، وهذا ما يقوله الأطباء، أن جسدي بدأ يتصالح مع الوضع الجديد. لم أعد أشعر بالإجهاد والاضطرابات في عمل الأعضاء الحيوية، لم أعد أعاني من الترهل في الحركة بسبب نقص الطاقة.

وعلى الرغم من ذلك، هناك أمر غاية في الأهمية لم أنتبه إليه، وهو أني لم أنظر بجدية  للتغييرات الغريبة التي بدأتْ تطرأ على حياتي، اقصد أني لم أحدّد التخوم البعيدة  لما يحدث لي على المدى  الطويل، أو أني لم أستوعب العجائبية في فكرة الاستيقاظ إلى الأبد ونسيان النوم. وفي الوقت نفسه لم أنتبه لكوني في هذه الحالة، ورغم ظاهرها المأساوي، رجل استثنائي أو فريد، وما كان يشغلني حقاً هو الخوف،  فقد تعلق وجودي كله بحركة انطباق الجفن على العين، فنصف انطباق بالنسبة لي هو الذعر، وهو بوابة مفتوحة للدخول إلى العدم.

ولم أكن، بسبب هذا الخوف، أفكر بغير الوسائل التي تجعل جفنيّ مرفوعين دائماً، خاصة في الليل. وضعت مرايا في كل زاوية من البيت، في الصلة والحمام والتواليت، في المطبخ، إلى جانبيّ التلفزيون وفي مدخل البيت، مرايا كبيرة، لكني ثبتّ واحدة هي الأكبر على جدار، وضعت أمامه الكرسي المفضل لدي، كرسي  القراءة  أو الاسترخاء. وما كان يقلقني أن باب غرفة النوم ظل مفتوحاً منذ تلك الليلة، لم أجرؤ على غلقه ولا الدخول إلى الغرفة.

أرى السرير كما هو منذ شهر تقريباً كأنه يد عزرائيل المفتوحة، والتي تدعوني للدخول كي تقبض على رقبتي. والحقيقة، إن السرير بالذات كان قد شكل لي أول التهديدات، كان مصدر غواية  قاتل، وأعترف أني اشتقت إلى الوسادة الناعمة، والتي كنت قد اخترتها بتوصية طبية لإراحة رقبتي من آلام الفقرات العنقية، لقد سميتها تقديراً لفائدتها "وسادة السعادة"، لكني الآن مضطر لتغيير هذا الوصف إلى "وسادة الموت".

كان وجود المرأة، وبشكل عام، هو نوع من الخدر العاطفي الذي يقود في معظم  الأحوال إلى السرير، والنوم لا يعني بالنسبة لي سوى الموت، رغم أني لم أحسم قضية احتياجي لها... مجاز في رصيف22

حسناً، ما أريد قوله إن دلالات الأشياء التي طالما أحاطت حياتي قد انزاحت إلى معان أخرى، السرير مثلاً لم  يعد يعني لي سوى الموت، والنوم بشكل عام هو عبارة عن بِرْكة ضَحِلة وعميقة، السقوط فيها هو الذهاب إلى الظلمات بدون أية فرصة  للنجاة.

وفي أثناء ذلك، كنت أقضي النهار كاملاً في الخارج. أختار أكثر المواضع صخباً، المقاهي الشعبية، الساحات التي تمتلئ بالأولاد لاعبي كرة القدم، الباصات  المزدحمة، قبل أن أعود  مساء إلى المنزل متعباً، اختار الكرسي المفضل لي للجلوس في الصالة. المكان الآمن حيث تنتشر المرايا أينما أدير وجهي، مراقباً أي ترهّل في الجفن كي أنهض  مباشرة إلى النافذة أو المطبخ، لفعل أي شيء يوقف الخطر.

 وفي يوم هبطت علي فكرة اعتبرتها رائعة، أو أنها نوع من الكشف الذي سيجعلني أستدعي الكثير من الأفكار العبقرية الأخرى، هي أن أتخلص من أحد  مصادر التهديد الكبيرة، أن أرمي السرير في الخارج أو أن أبيعه بأي سعر. في النهاية وضعته على باب الدار، توقفت شاحنة، هبط رجل كنت أراقبه، نادى على آخر كان في يجلس في قمرة القيادة، ثم شعرت بارتياح عندما وضعاه في الشاحنة.

 فيما بعد كان أكثر التهديدات حضوراً هو احتياجي لامرأة، احتياج جسدي وعاطفي وأشياء أخرى ينطوي عليها وجود امرأة في حياة رجل، أو رجل في حياة امرأة. لقد كانت لي خطيبة، بنت  جميلة ورائعة قبل استيقاظي التام، شرحت لها كل شيء عن وضعي الاستثنائي وأنهينا الارتباط. في الواقع، وبسبب الخوف الدائم، أحاول في كل مرة التخلص من أحد مصادر التهديد.

المرأة بشكل عام ارتبطت عندي بالنوم، النوم في السرير، أو النوم بين أحضانها في لحظة محبة متوهجة، أو إغماض العين عند تبادل قبلة شهوانية، ومثلما أخبرتكم أن النوم لدي لا يحتاج سوى لانطباق جفن على عين، فأنا سريع النوم بالقدر الذي كانوا يطلقون عليّ في العائلة "زر المصباح"، لهذا كان وجود المرأة، وبشكل عام، هو نوع من الخدر العاطفي الذي يقود في معظم  الأحوال إلى السرير، إلى مضاجعة لذيذة تعقبها رغبة بالنوم، والنوم لا يعني بالنسبة لي سوى الموت، رغم أني لم أحسم قضية احتياجي لها.

طائر يحلق بين حياتين

وخلال هذه الفترة كان الأسى يتفاقم في قلبي، هيمنت على رأسي فكرة أن حياتي تشبه ما يمر به طائر لا ينام، خوفاً من هجوم أفعى أثناء إغماض عين قصير. يذكرني بطائر صغير يسمونه "صافر" ورد في قصيدة  للجواهري، طائر لا ينام طوال الليل، يصفر حتى لا ينام خوفاً من التعرّض لهجوم مباغت. أي حياة هذه؟ قارنت حالتي مع بطلة رواية "نعاس" للياباني هاروكي موراكامي، المرأة التي وجدت نفسها في ليلة أنها غير قادرة على النوم.

شعرت بالخوف أكثر أن يكون مصيري مثلها، لهذا امتنعت عن قيادة السيارة، على الرغم من أن تفاصيل حياتها، أو بعضها، كانت مغرية لي. لقد استعادت الوقت بعودتها لقراءة بعض الكتب القديمة التي مرت عليها قبل عشرين عاماً أو أكثر، وعدم النوم جعلها أكثر قرباً من نفسها بالقدر الذي كانت فيه ذاكرتها متحفزة دائماً لتقدم لها المشاهد والصور التي لم يكن بمقدورها تقديمها لها قبل هذا. لكني رغم ذلك أشعر أني لست طبيعياً، وهذا مؤلم جداً.

كنت الوحيد الذي أصمت في الوقت الذي كان فيه الجميع  يسردون مناماتهم، يعرضون أمامي أشرطتهم الدرامية المنتجة داخل هذا العالم العجائبي الساحر، العالم الذي حرمني الخوف من الدخول إليه، العالم الذي لا باب له سوى باب النوم... مجاز في رصيف22

لكن القضية المحرجة بالنسبة لي، كانت تتعلق بحياتي التي تخلو من الأحلام، نعم الأحلام، لقد كنت الوحيد الذي أصمت في الوقت الذي كان فيه الجميع  يسردون مناماتهم، يعرضون أمامي أشرطتهم الدرامية المنتجة داخل هذا العالم العجائبي الساحر، العالم الذي حرمني الخوف من الدخول إليه، العالم الذي لا باب له سوى باب النوم.

 لقد اعتدت على كوني مستيقظاً حتى صار هذا طبيعياً تقريباً، هذا صحيح وجيد من ناحية ما، وصحيح أني تخلصت من الذعر الذي كان يغمرني بمجرد أن أشعر بالنعاس، لكني أيضاً بحاجة فعلية كي أحلم، ليس بالضرورة حلماً واضحاً يمكن  أن أقرأه وأن أتحدث عنه،  فلم أكن أرفض أن يكون نشاطي منتجاً لما يسمونه أضغاث أحلام. أو "خرابيط". أعرف أن الأمر مستحيل، فلكي يحدث ذلك لابد لي أن أدخل من باب الحلم، النوم!

 والاستيقاظ الدائم في واقع الأمر لم يكن مفيداً لي، كما حدث مع البطلة في رواية "نعاس". لقد وجدت الرواية بالصدفة معروضة خلف زجاج إحدى المكتبات، كلمة نعاس وحدها كانت كافية لسحبي بقوة إلى داخل المكتبة، ودون أن أتصفح الكتاب، دون أن يكون لدي فكرة عن محتواه، دفعت الثمن وغادرت بسرعة. وفي البيت، قرأت كما لو أني أحاول البحث عن سر، أو حل معادلة رياضية معقدة.

أعدت القراءة لمرات عديدة، لكني فشلت في أن أكون  مثل البطلة التي تخلصت من كل مخاوفها، حتى من زوجها الطبيب. لقد كانت محظوظة فعلاً، ربحت الوقت أيضاً باكتشاف نفسها، والمحيط، وتجلت مشاعرها تجاه الأشياء، وتشكلت لديها رؤية صافية بخصوص العالم. لقد حصلت باختصار على حياة ثانية، حقيقية، لا علاقة لها بالأولى، أما أنا فقد بقيت معلقاً بين حياتين.

بين رغبتي بأن أعيش حياة مثل غيري، مليئة بالأحلام أو حتى الكوابيس، وبين خوفي من الموت عندما أكون نائماً. لهذا كانت حياتي هشة وعلاقتي بالعالم عابرة ومضطربة، معزولاً أجلس طوال الليل بانتظار بزوغ الشمس أمام المرآة الكبيرة في الصالة، أراقب طوال الوقت الحالة المتماسكة لجفني، أنهض مذعوراً لأي تغيير طفيف يصيبهما لأعد فنجان قهوة جديد.

وما كان غائباً عن بالي أنني، ومنذ تلك الليلة الفاصلة، قد غادرت حقل النوم فعلاً، وعلى الرغم من تصريحاتي بأن الإنسان  قادر على البقاء مستيقظاً إلى الأبد،  وأن يغادر حقل النوم، ساخراً من كل تفسير طبي يتعلق بضرورة النوم، غير مصدق لحكايات الانتحار التي يرجعون أسبابها  لذهاب النوم. لكن حكاية واحدة ظلت عالقة في رأسي، لا تغادرني كأنها الظل الذي انتجته اليقظة، كي يكون نهراً للقلق، حكاية عن الحب. لقد حدث، كما سمعت، أن شخصاً غادره النوم، عاش بشكل طبيعي لسنوات عديدة، لكنه في يوم ما، عشق امرأة، هرب من هذا العشق بكل الوسائل، في النهاية استسلم له. شرح لها كل شيء، قال بأنه رجل مستيقظ، خطبها و تزوجا، وفي ليلة حب رائعة، سهرا معاً حتى الفجر، دسّ وجهه في صدر زوجته، لم ينتبه أن عينيه تنغلقان، نسى مثل هذه الحركة، لم يكن يفكر أنها ستحدث له يوماً ما. تقول زوجته إنها تركته هكذا، لم تحب أن توقظه، ولم تنتبه أنه مات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard