الحلم باختزال المسافات... أن تجلس خفيفاً على بساط الريح

الثلاثاء 23 مارس 202103:36 م

أنجز الفنان العراقي، محمد غني حكمت (1929-2011) عام 1989، منحوتة تحمل اسم "البساط السحري"، العمل البرونزي يتربّع في ساحة الفردوس في بغداد، ضمن شارع أبي نواس، أما طول البساط فـ 7 أمتار، وعرضه 3 أمتار ونصف، وحُجب عن النظر لفترة عبر جدران كونكريتية، أقيمت لحماية ما حوله من فنادق وأبنية. ويقول حكمت في لقاء معه عام 2009، أن أعماله مستلهمة من الأساطير العربية في ألف ليلة وليلة، خصوصاً بساط الريح، بوصفه حلماً بالطيران والرحيل والتغيير.

المفارقة، أن حكمت يستخدم كلمة "أساطيرنا" حين يتحدث عن البساط الطائر، هذه الـ"نا" تعود إلى الحكايات التي تحويها الليالي وتتضمن البساط السحري، والتي عرف لاحقاً أنها تنتمي إلى الليالي "اليتيمة" (orphan tales)، تلك التي نجدها في ألف ليلة التي قدمها الفرنسي أنطوان غالاند، والتي يقال إنه اقتبسها من راهب حلبي اسمه "حنا دياب" (يمكن الرجوع إلى كتاب صدر حديثًا عن مكتبة الأدب العربي Library of Arabic Literature، حقق فيه يوهانس شتيفان مخطوطة للراهب الحلبي بعنوان كتاب السفر  The Book of Travels

وتشير مصادر أخرى إلى أن غالاند قام هو بروايتها لتتناسب مع "الذوق" الأوروبي في تلك الفترة، وأشهرها قصص علاء الدين وعلي بابا والأمير أحمد، التي يوظف فيها غالاند رمزين شرقيين "المصباح السحري" و"البساط الطائر"، ما يدفعنا لإعادة النظر في الـ"نا" التي يوظفها حكمت والرمز الذي تبناه، والذي تحول إلى تمثال في أحدى أقدم الحواضر العربية.

في المخيلة العربية الحيوانات الطائرة، كالبراق، هي ما تفيد في معنى السفر، لكن البساط السحري وتنويعاته المرتبطة بالراحة والاتكاء، لا تقترح السفر بالمعنى الحرفي، بل التأمل والسرد والتخييل

كيف ظهر البساط في الليالي؟

تختلف التأويلات حول سبب اختيار هذين الرمزين، ففي المخيلة العربية الحيوانات الطائرة، كالبراق، هي ما تفيد في معنى السفر، لكن البساط وتنويعاته المرتبطة بالراحة والاتكاء، لا تقترح السفر بالمعنى الحرفي، بل التأمل والسرد والتخييل. الأهم، يظهر البساط لأوّل مرة في قصة لثلاثة أبناء لملك الهند، والتي لا تظهر في المخطوطات العربية، وفي النسخة الفرنسية نقرأ أن الأخوة الثلاثة تنافسوا على قلب "نور النهار، ابنة اخ السلطان... الأرملة التي تسكن حصناً قديماً... وتعلّمت مع الأخوة الثلاث في القصر". لاحقاً، يقرر السلطان إرسال الأخوة الثلاثة (أحمد وحسين وعلي) في رحلة لإيجاد ما هو غريب، دون أن يترك للأميرة أي حظ في اختيار من تريد.

ما يهمنا من الحكاية أن الأمير حسين، حين وصل إلى بلاد غريبة لا يعرفه فيها أحد، سار في أسواقها ولم يجد ما هو غريب، وبعد أن مرّ على كل المحلات، أراد أن يستريح في أحد الدكاكين، وهناك رأى منادياً يحمل بساطاً بطول 6 أقدام محاولاً بيعه، حين ناداه حسين لرؤية البساط، فوجئ بغلاء ثمنه بالرغم من حجمه الصغير ورداءة صناعته. المثير للاهتمام في الحكاية أن حسين لم يحلّق على البساط، إذ قال له المنادي أن عليه أن يجلس عليه و "يرغب" بأن ينتقل من مكان إلى آخر، وهذا ما حدث أول مرة حين انتقل من الغرفة الخلفية في الدكان إلى غرفته في الخان الذي كان ينزل فيها، وتكرر الأمر حين انتقل من الخان إلى قصر والده.

تحيلنا هذه العناصر "رجل وحيد، غرفة مظلمة، رغبة بالانتقال" إلى أشهر حوادث الطيران في التراث العربي، المتمثلة بقصة الإسراء والمعراج، التي ما زالت محط جدل، فهل طار محمد بن عبد الله فعلياً إلى بيت المقدس أم كان الأمر حلما ورؤية من نوع ما؟ التفصيل الدقيق والمثير للمخيلة في الحكاية، أن البساط أو مكان الذي كان يجلس عليه النبي كان حاراً حين عودته من رحلته، أي وكأن النبي لم يغادر مكانه، أو غادر لثوان ثم عاد، هذا التفصيل الذي يخلق أثر الواقع، يرتبط أيضاً بطبيعة الرحلة الجوية، سرعتها، المسافة المقطوعة وهل التحليق على ظهر البراق فعلي أم رؤيا من نوع ما؟

هل البساط الطائر خدعة مشعوذين؟

وصلتنا الكثير من الحكايات عن بساط سليمان الطائر، وأخرى عن مخطوط مشكوك في أمره، ليهودي يدعى إسحاق بن شريرا، يحكي فيه عن كيفية صناعة البسط الطائرة واستخدام خصائصها، لكن بالمقابل، هناك تراث وحكايات وكتب عن "ألعاب الخفة" و"النيرنجيات"، تلك الخدع والشعبذات التي كان يقوم بها البعض لإذهال الناس وسرقة أموالهم.

إذ كان أصحاب الحيل يدّعون العجب أو الإعجاز، وبعض هذه الحيل تكشف لنا عن حقيقة بعض المعجزات، إذ يخبرنا ابن شهيد في كتابه "الباهر في عجائب الحيل" عن حقيقة معجزة النبي إبراهيم والنار التي كانت برداً وسلاماً، في خدعة بعنوان "إن أردت أن تأخذ النار بين يديك ولا تحرقك"، ويشير لاحقاً إلى أنواع الحيل التي تصنع الخيالات في الغرف المظلمة سواء على السقف أو الجدار، وغيرها من الحذلقات التي من الممكن أن تتسلل للأدب والمرويات الشعبية، خصوصاً أنها كانت منتشرة في الأسواق والأماكن العامة.

المثير للاهتمام أن ابن شهيد نفسه، في رحلته إلى عوالم الجن في رسالة "التوابع والزوابع"، يروي أن زهير بن نمير من أشجع الجن، حين زاره على حصانه، وأخبره بكيفية استحضاره من أجل الانتقال، لم يركب معه ابن شهيد "الأدهم"، إذ يخبرنا ابن شهيد أنه حين أراد الانتقال ردد أبياتاً شعرية و"أدرك بقريحته ما (يطلب)"، ذات التمني والرجاء الذي قام به حسين في قصة ألف ليلة وليلة الموضوعة، أي لا يوجد طيران، بل تمنّ ورغبة بالانتقال من مكان لآخر.

ذات الأمر مع بعض معجزات الملك النبي سليمان، وعلاقته مع النمل التي نكتشف كيف وظفها المخادعون في كتاب "المختار في كشف الأسرار"، تحت فصل "في كشف أسرار من يمشون في النملة السليمانية"، وهم أيضاً من العابرين في الطرق والمخادعين، الذين يشكك بأمرهم، كحالة المنادي الذي أقنع حسيناً بأنه يمتلك بساطاً سحرياً.

البساط السحري... ليس دابة نركبها كالإسراء والمعراج، ولا سفاً خشبياً كحالة بساط سليمان، بل ربما مجاز من نوع ما يفعّل المخيلة حتى تصبح حقيقة

الفرضية التي نحاول أن صياغتها مفادها أن البساط السحري أداة "عجائبية" وسردية، تظهر في الحكايات بوصفها أسلوباً للانتقال بالبصيرة لا للسفر والتحليق، هي تأخذ الفرد من مكان إلى آخر، بالاعتماد على النية والتخيل، بشرط أن يكون وحيداً وأن ينوي الانتقال، وهذا ما يجعلها مميزة، هي ليست دابة نركبها كالإسراء والمعراج، ولا سفاً خشبياً كحالة بساط سليمان، بل ربما مجاز من نوع ما يفعّل المخيلة حتى تصبح حقيقة.

ربما كان هناك لعبة خفّة "يطفو" فيها البساط، خصوصاً إن إسحاق بن شريرا يخبرنا، في مخطوطه المشكوك بأمره، عن كيفية صناعة هذه البسط والمعادلات الكيمائية لجعلها تطفو، هذه المرجعية الصناعية-الشعبذية للبساط الطائر، ربما هي ما تدعم انتقاله من لعبة خفة إلى أداة سردية تختزل المسافات وتكشف عجائب الأرضين.

نود أن نشكر الدكتور Sean Anthony من المكتبة العربية للأدب، الذي أثار اهتمامنا في سلسلة من التغريدات عن الموضوع، ذكر فيها مصادر اعتمدناها في هذه المقال. 

صورة المقال Portrait of Leonilla, Princess of Sayn-Wittgenstein-Sayn

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard