أبحث عن جنّي وحيد يخيف سكّان البيت

الاثنين 16 أغسطس 202112:36 م

مجاز الحميم، البيوت التي نسكنها فتسكننا

                             إعداد أحلام الطاهر

 

أحتال على بيت الدُمى

أرى بيتنا القديم في أحلامي منذ صيف 1996. تنقّلنا بين خمسة بيوت في طفولتي، أربعة منها في حي المحيط بالرباط، والخامس كان في حي السلام بسلا. لكن روحي ظلت لكل هذه السنوات متعلقة بالبيت الكائن في زنقة نابولي بحي المحيط. كنت أقفز من سريري الدافئ، من قلب أمي العامر بالحب وأساطير لا زلت أصدّقها، إلى عالم كان يبدو لي كالبيت اللعبة.

أحتال فيه على الدمى المملوءة بالقش والصحف القديمة، على دمى الخشب والطين، دمى اللحم، على الفزاعات والأقنعة البلاستيكية الرخيصة. ولكن كما اتضح بعدها، كانت "باربي" تغمز من بعيد لدمى السيليكون والدمى الجنسية، اغتباطاً بقرب تحويل عالمنا الى بيوتها اللعبة.
وحده بيتنا القديم نجا، في مناماتي على الأقل. لا زلت أجلس في حجر أمي وهي تسقيني الشاي المغربي رشفة رشفة، تنزلني من حجرها وهي تتجاهل نوبة الربو لتشجع العدّاء سعيد عويطة: "ياربي، ياربي"، فيستجيب لها الله أو يستجيب عويطة الذي يفوز بالسباق، ليُعزف السلام الوطني المغربي، في حين أنشغل أنا وأنتشي بتحسس سخونة ظهر التلفزيون.

منذ تركنا بيتنا القديم المطل على المحيط، فقدت الأمان ولم تعد تعنيني فكرة الأمكنة الآمنة. لازلت أتذكر تلك الظهيرة المزيّتة التي انتقلنا فيها. نعم تحولتُ يومها الى كائن نصفه ماء وملح ونصفه الآخر زيت. خرجت من البحر وفي يدي كالمعتاد حبات بلح البحر التي كنت أهوى جنيها قبل أن أستمتع بمساعدة الصيادين لي على فتحها، عبر الاستعانة بالنار التي كانوا يوقدونها لذلك الغرض.

وحده بيتنا القديم نجا، في مناماتي على الأقل. لا زلت أجلس في حجر أمي وهي تسقيني الشاي المغربي رشفة رشفة، تنزلني من حجرها وهي تتجاهل نوبة الربو لتشجع العدّاء سعيد عويطة: "ياربي، ياربي"، فيستجيب لها الله أو يستجيب عويطة الذي يفوز بالسباق... مجاز في رصيف22

في تلك العشية القائظة لم أجد الصيادين، وكان أن رميت حبات البلح في إحدى حاويات قمامة زنقة نابولي بحي المحيط، ثم ودعت بيتنا بالشمّ. شممت الجدران وقبلتها، ووضعت أذنيّ على الأرضية لأستمع الى كلمات مواساة غير مفهومة كانت ترسلها كائنات العالم السفلي. أعتقد أن ظهري صار أرضية مسكونة بتلك الكلمات منذ ذلك اليوم.

اتفاقية سكن مشترك مع الجن

كنت في طفولتي مأخوذة ومغرمة بتكوين صداقات مثيرة معهم. أجل، كنتُ أركض خلف الجنّ في كل مكان، في المزابل، المقابر، الخرابات، المنازل المهجورة، الحُفر، في مغارة بحرية بالقرب من حينا. حتى في غرفة بسطح بيت رفيقتي جيهان: غرفة لم تكن تنفتح إلا مرة كل شهر. كنت أنتظر انتهاء شقيقها من مضاجعة حبيبته، ومن ثم أقنعها بالصعود الى الغرفة على أمل مصادفة جنّي يهوى التلصص مثلي، لكن من سقف خشبي يقطر ليس بالماء بل بلعابه.

كانت فكرة تصيّد جنّي أو جنيّة مغرية بالنسبة إلي، غاية في الإغراء. لكنني لم أحظ بمقابلة واحد منهم، وفي تلك الفترة العمرية بالذات فقدت تماماً قدرتي على الدهشة وكنت بدأت تربية شغفي بالأدرينالين.

كان الجنّ بطلاً حقيقياً بالنسبة لي. لا أحد يستطيع إجباره على مغادرة مكان إقامته عكسي. كنت أبحث عن جنيّ وحيد لديه روح مرحة وطيبة لأقنعه بإخافة السكان الجدد لبيتنا القديم، وبعدها نتوصل أنا وهو الى اتفاقية سكن مشترك في بيتنا المليء بالحب واللعب. أضحك اليوم على نفسي، على كل تلك البراءة في الأحلام الأولى والنصوص الأولى. أضحك وأبتسم للعزلة وحدها. العزلة مناعة ضدّ الألم.

ما أقوى من اختاروها

من النهر إلى النهر

ما أشجع من تدرّبوا عليها

من موسيقى

تتقادم، إلى أرض وعرة

يخشاها الجميع.

ما أجمل من كانوها

من الشّمس إلى الليل.

ما أنبل العزلة

وهي تحاول مع بيت بعيد

ليصير مهجوراً معي.

بلكونة تطل على مقهى مراهنات

تنقلت كثيراً في السبع سنوات الأخيرة، ولست أبالغ بالمرة عندما أقول إنني كنت أتنقل كل يوم. كل يوم إلى مقر سكن جديد. كان السكن تارة فضاءات مجنونة تعج بالكائنات الليلية الصاخبة بين المقهى والبار، وتارة كان مجرد كرسي أمامي لسيارةKia picanto صغيرة.

أذكر وجهي مدفوناً في زجاج النافذة وأنا محشورة تماماً في ذلك الكرسي أحسست أنني ملمومة في قماط طفل، كأن ذلك القماط بيتي وشرنقتي.

البيت الوحيد الحقيقي هو رحم أمي. لذا في أي مكان، في أي منزل، وفي أي زاوية من هذا العالم، سآخذ وضعية الجنين، لأن كل تلك الأمكنة ليست مخبئي الآمن بالتأكيد... مجاز في رصيف22

سكنت أيضاً في غرفة رديئة في أوتيل أشبه بمطبخ إفريقي وكانت قهقهاتي مريبة لرفيقتي في السكن، خصوصاً وأننا نشاهد فيلماً فرنسياً كئيباً   Respire يحكي عن شابة مصابة بالربو مثلي، وحين أتأثر أختنق وأبحث عن بخاخ الربو في حقيبتي.

جربت أماكن مختلفة كثيرة. كأن أغفو على جدار تواليت لعشر دقائق، وكانت تلك البرودة في الجدار تتضامن مع سخونة أصابعي، أخرج وأنا أضحك، أعانق عاملة النظافة وأخبرها عن عودتي بعد دقائق ثم نقهقه معاً.

كانت أكثر تجربة سكن أحببتها هي تجربة السكن في بلكونة تطل على مقهى مراهنات تصلني منه روائح السجائر الرخيصة. نقاوة روائح سجائر كازا، أولمبيك، ماركيز... يا إلهي كانت تجربة رائعة جداً. لقد شعرت بأنني أحقق حلماً غالياً بالنوم تحت طائرة ستقلع بعد قليل والهواء سيدخل من كل جوانبي وثقوبي، وسأغرد أخيراً كطائر "مايا أنجلو" الحبيس.

لكن سكني المفضل حتى الآن في هذا القفص الكبير الواسع، هو بلكونة يتناثر بين زواياها كل حين الزغب وأصوات الطيور.

كل البيوت مؤقتة

الأرض منفى كبير. الوطن الأبدي في مكان آخر، وربما هو غير موجود بالأساس. الخلود بعد الموت وفكرة الإقامة في ركن من بيتٍ في النعيم أو الجحيم ترعبني. لا أريد سوى الانطفاء والعودة إلى فكرة مشروع كائن. ربما تكون هذه من من الأمور التي تفسر عدم ميلي إلى الاستقرار، لا في مكان ولا مع شخص. كل البيوت التي أقمت بها مؤقتة. كنت أسمي كل ركن نمت فيه أو كتبت فيه أو اختبأت فيه أو شعرت بالأمان و"الونس" والحب، أو وقفت أحضن فيه نفسي، بيتاً أيضاً، بما في ذلك غرف الخزين والغسيل.

لكنني دائماً، أقول دائماً ما كنت أحفر منفذاً للهروب من البيت المؤقت. أنتمي إلى عائلة الفأسيات، وشبيهي هنا نقار الخشب بالتأكيد. يا إلهي... أغرق في نوبة ضحك وأنا أتذكر آخر إقامة في بيت صديقة قبل ثلاث سنوات. منذ أول يوم بحثت عن منفذ للهرب لأشعر بالاطمئنان. كان ثمة شباك حديدي في الحمام، وكنت كلما دلفت إلى الحمام أقتلع جزءاً صغيراً منه، إلى أن اقتلعته كاملاً قبل يوم من مغادرتي.

البيت الوحيد الحقيقي هو رحم أمي. لذا في أي مكان، في أي منزل، وفي أي زاوية من هذا العالم، سآخذ وضعية الجنين، لأن كل تلك الأمكنة ليست مخبئي الآمن بالتأكيد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard