"سنقاومهم من الجبال"... مقاتلو بنجشير يرفضون الاستسلام بعد سقوط الإقليم في يد طالبان

الاثنين 6 سبتمبر 202106:59 م


سيطرت حركة طالبان، في 6 أيلول/سبتمبر الجاري، على إقليم وادي بنجشير، وهو منطقة جبلية مضطربة ظلت - حتى ساعات مبكرة من صباح السادس من أيلول-  آخر معاقل ما يُعرف بـ"قوات جبهة المقاومة الوطنية". وعززت طالبان سيطرتها على أفغانستان بعد أسبوع واحد من مغادرة آخر جندي أمريكي البلاد. وأعلن مقاتلو حركة المقاومة في بنجشير أن سيطرة طالبان على الإقليم ليست نهائية، وأنهم سيواصلون مقاتلة الحركة "من فوق الجبال"، وسيتحولون إلى القتال على طريقة حرب العصابات. 

 وكان مقاتلون مناهضون لطالبان أعلنوا تأسيس جبهة مقاومة مسلحة ضد الحركة في وادي بنجشير "بانشير"، الذي لم تتمكن الحركة المتشددة من السيطرة عليه إبان فترة حكمها الأولى للبلاد في تسعينيات القرن الماضي، كما فشل الاتحاد السوفياتي في فرض سيطرته على الإقليم نفسه خلال فترة احتلاله لأفغانستان ما يقرب من عقد من الزمان في ثمانينيات القرن الماضي.
وأعلن القيادي الأفغاني أحمد مسعود الذي يقود المقاومين في الوادي، أنه "في مكان آمن". كذلك صرح أحد كبار المسؤولين في الجبهة، أن أمر الله صالح - وهو زعيم بارز آخر مناهض لطالبان وكان نائباً للرئيس السابق أشرف غني- قد فر إلى طاجيكستان.
وغرد المفكر ورجل الأعمال الفرنسي البارز برنارد ليفي وهو صديق قديم لأحمد مسعود وأبيه أحمد شاه مسعود، أنه تلقى "معلومات موثوقاً بها" من بنجشير، تفيد أن قوات الكوماندوز الباكستاني مدعومة بطائرات هليكوبتر "يقاتلون شعب مسعود". في إشارة إلى أن القوات الخاصة الباكستانية تقاتل إلى جانب طالبان.

لم تتمكن طالبان من الاستيلاء على بنجشير خلال فترة حكمها الأولى في تسعينيات القرن الماضي، كما فشل الاتحاد السوفياتي في فرض سيطرته على الإقليم نفسه خلال فترة احتلاله لأفغانستان في الثمانينيات

السيطرة على بنجشير

قال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد في بيان إن مقاتلي الحركة الإسلامية "احتلت بالكامل وادي بنجشير"، مضيفاً: "لقد نجحت جهودنا الأخيرة لإحلال السلام والأمن في البلاد".
ونشر مسؤولو طالبان صورة على وسائل التواصل الاجتماعي، قالوا إنها تظهر مقاتليهم وهم يسيطرون على المباني الإدارية المحلية في الأقليم المعروف إعلامياً باسم وادي بنجشير.
فيما أكد مسؤول في جبهة المقاومة أن طالبان استولت بالفعل على السلطة وسقط وادي بنجشير، بعدما سيطرت الحركة على المكاتب الحكومية ودخلوا منزل الحاكم في الإقليم.
لكن على موقع تويتر، قال أعضاء في الجبهة  إن قواتهم ظلت "في جميع المواقع الاستراتيجية عبر الوادي لمواصلة القتال" وإن "ادعاء طالبان باحتلال بنجشير خاطئ".
ونفى بعض أعضاء المقاومة أن تكون طالبان قد احتلت بنجشير. وتعهدوا في منشور على موقع فيسبوك إنه "يجب أن يطمئن شعب أفغانستان إلى أن المقاومة ستستمر حتى تتحقق الحرية والعدالة بعون الله".

بنجشير الصامد ضد الغزاة

استضاف الوادي الواقع على بعد 150 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة كابول، بعض كبار أعضاء الحكومة الفارين، مثل نائب الرئيس أمر الله صالح ووزير الدفاع السابق بسم الله محمدي.
وأعلن صالح نفسه رئيساً مؤقتاً بعد فرار أشرف غني من البلاد. وقال في تسجيل مصور قبل يومين، إنه لا يزال يقاتل في الوادي، لكن أحد المسؤولين في جبهة المقاومة أعلن في 6 أيلول/ سبتمبر، فراره إلى طاجيكستان.

ينتمي معظم سكان الوادي البالغ عددهم 150 ألف نسمة إلى الطاجيك، في حين أن غالبية مقاتلي حركة طالبان من البشتون

لعب وادي بنجشير دوراً حاسماً في التاريخ العسكري لأفغانستان في مرات عدة، لأن موقعه الجغرافي يكاد يغلقه تماماً عن بقية البلاد والعالم. ونقطة الوصول الوحيدة إلى داخل الإقليم هي من خلال ممر ضيق خلقه نهر بنجشير، ويمكن الدفاع عنه بسهولة عسكرياً.

تشتهر هذه المنطقة الواقعة في جبال هندو كوش بدفاعاتها الطبيعية، ولم تسقط يوماً في أيدي الغزاة أو حتى في قبضة طالبان خلال الحرب الأهلية في التسعينيات، ولم يدخلها السوفيات عندما احتلوا أفغانستان.
وينتمي معظم سكان الوادي البالغ عددهم 150 ألف نسمة إلى الطاجيك، في حين أن غالبية مقاتلي حركة طالبان من البشتون. كما يشتهر الوادي بأحجار الزمرد التي كانت تستخدم في الماضي لتمويل حركات المقاومة ضد من هم في السلطة.
قبل استيلاء طالبان على السلطة، طالب إقليم بنجشير بالحكم الذاتي والاستقلال النسبي عن الحكومة المركزية. وكان وادي بنجشير من بين أكثر المناطق أماناً في البلاد خلال فترة الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة والناتو التي أدارت البلاد 20 عاماً، امتدت من عام 2001 إلى عام 2021.

قيادة الإقليم

ارتبط تاريخ الوادى ارتباطاً وثيقاً بأحمد شاه مسعود، أحد أشهر المقاتلين المناهضين لطالبان في أفغانستان منذ القرن الماضي، والذي قاد أقوى مقاومة ضد الحركة من معقله في الوادي، حتى اغتياله في عام 2001 على يد عناصر عربية من تنظيم القاعدة، تنكروا في زي صحتفيين ووضعوا قنبلة في كاميرا التصوير.
ولد أحمد شاه في الوادي عام 1953، وكان يقاوم الحكومة الشيوعية المدعومة من الاتحاد السوفياتي، وأصبح بذلك أحد قادة المجاهدين الأكثر نفوذاً في البلاد.
بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي في عام 1989، اندلعت الحرب الأهلية الأفغانية، التي انتهت إلى انتصار طالبان. ومع ذلك، نجح مسعود بالاتحاد مع ما يعرف بـ"التحالف الشمالي"، في السيطرة على وادي بنجشير بالإضافة إلو كامل المنطقة الشمالية الشرقية من افغانستان حتى الحدود مع الصين وطاجيكستان، واستمد نفوذه من قدرته على حماية تلك المنطقة وحدودها الدولية من طالبان.
اعتنق مسعود أيضاً الإسلام المحافظ على غرار طالبان، لكنه سعى إلى بناء مؤسسات ديمقراطية. وكان يعتقد شخصياً أنه يجب إعطاء المرأة مكاناً متساوياً في المجتمع، لكن منظمة هيومن رايتس ووتش اتهمت قواته بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في معركة كابول أثناء الحرب الأهلية.
في الوقت الحالي، يقول نجل أحمد شاه مسعود، وهو أحمد مسعود، إنه يأمل أن يسير على خطى والده، على الرغم من أنه لا يمتلك خبرة عسكرية، سوى دراسة قصيرة في أكاديمية ساندهيرست البريطانية، التي يتوافد عليها أمراء الخليج وكبار ضباط العالم لتلقي التعليم العسكري.
مسعود الذي يشبه والده إلى حد كبير في المظهر والعادات، ويقود ميليشيا في الوادي من ضباط سابقين في الجيش وقوات الأمن، دعا في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست الشهر الماضي الولايات المتحدة لدعمه، ولكن يبدو أن دعوته لم تلق استجابة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard