بعد ذهاب جنوبه... هل ينفصل شمال السودان إلى دولتين؟

الاثنين 6 سبتمبر 202106:05 م
Read in English:

Now that its South is Gone... Will the North of Sudan Split Up into Two States?

عادت الدعوات الانفصالية في السودان إلى الواجهة بقوة هذه المرّة، وفيما بدأ السِجال حولها في وسائل التواصل الاجتماعي، انتقل بسرعة إلى الصُحف الرصينة وبيانات بعض القوى السياسية ورجال الدين المؤثرين، بين مؤيد ورافض ومتحفظ.

الغريب أنّ من يطالبون بالانفصال هم من أبناء شمال السودان، ينتمي معظمهم إلى جماعة الإخوان المسلمين التي أُطيحت عن السلطة في نيسان/ أبريل 2019، رغم أن قادتها ظلّوا مشاركين ثم مهيمنين على مقاليد السلطة ومفاتيح الثروة، منذ استقلال البلاد عن الاستعمار البريطاني، في كانون الثاني/ يناير 1956.

ظلّت الدعوات إلى انفصال شمال السودان تُراوح مكانها مُنذ انفصال الجنوب، هل يشهد السودان دولة شمالية جديدة؟

يطرح هذا السؤال بصيغة فظَّة سِجاليّة محدودة الأثر، بين ناشطين من شمال السودان تتزعمهم حياة عبد الملك، العضوة في حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلاميِّة السودانيِّة (إخوان مسلمون)، ونظرائهم من إقليم دارفور غربي السودان، ينتمي معظمهم إلى حركة العدل والمساواة المسلحة التي تُسيطر عليها نُخبة من الإخوان المسلمين الدارفوريين الذين انشقوا عن نظام البشير، وأعلنوا التمرد المسلح ضده عام 2001، وينتمي معظمهم إلى قبيلة الزغاوة الممتدة إلى تشاد المجاورة.

فيما تعالى صوت زعيم قبيلة الهدندوة في شرق السودان، سيد محمد الأمين تِرِكْ، بدعوته إلى حق تقرير المصير للشرق، وتأسيس دولة البجا على أنقاض السودان الحالي، مُبرراً ذلك بالتهميش الذي يعانيه الشرق منذ استقلال البلاد حتى اللحظة، قبل أن يخبو صوته وصوت مناصريه بشكل مفاجئ، فسّره مراقبون بأنه ناجم عن صفقة سياسية أبرمتها معه الحكومة الانتقالية.

الواقع الماثل اليوم يشبه تماماً ما حدث إبان المهدية، حيث يتم إقصاء الشماليين من السلطة، بالتزامن مع شيطنتهم ووصفهم بالمجرمين

المتمردون والسلطة

وكانت الحركة قد وقّعت اتفاقية سلام مع الحكومة الانتقالية، ضمن ما يعرف بـ"الجبهة الثورية" التي تضم حركات مسلحة أخرى، في آب/ أغسطس من العام 2020، تم بموجبها تعيين بعض قادتها في وزارات مهمة، إذ تولى زعيمها جبريل إبراهيم وزارة المالية، كما سمح لجيشها بكامل عدته وعديده بالوجود داخل العاصمة الخرطوم، بجانب جيوش أخرى تابعة لحركات متمردة سابقة، ومليشيات مسلحة كانت تتبع الحزب الحاكم في عهد البشير مثل قوات الدعم السريع، وقوامها من مواطني إقليم دارفور، حيث أصبحت الخرطوم ثكنة كبيرة للمسلحين الدارفوريين بجانب الجيش الرسمي للدولة، الأمر الذي سبب الرعب للجميع، خاصة لمواطني شمال السودان الذين يهيمنون على قيادة الجيش والقوات الأمنية النظامية الأخرى منذ استقلال البلاد.

خطاب شعبوي وعنصري

إلى ذلك، لم يكن الجدل الدائر بين الشماليين والدرافوريين حول مستقبل البلاد محصوراً في فئتين محدودتين منكفئتين على ذاتيهما، وتتوجس كلتاهما خوفاً من الأخرى، وتستعيدان تاريخ الدولتين المهدية والخديوية للمنافحة والمدافعة عن آرائهما، إلى أن برز من ركام هذه الحوارات شخص مغمور اسمه عبد الرحمن عمسيب، داعياً إلى انفصال الشمال وتكوين دولة جديدة أطلق عليها (النهر والبحر) تضم أقاليم شرق السودان والنيل الأبيض والجزيرة وسنار وشمال كردفان، واستبعد عنها إقليم دارفور كله وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزق، متوسلاً خطاباً شعبوياً وعنصرياً خطيراً، فوجدت دعوته رواجاً كبيراً في فترة وجيزة، ليس بين عموم شعب شمال السودان فحسب، بل بين نخبه، التي رحب بعضها بالطرح.

دولة سودانية جديدة

 وفيما يصف عبد الوهاب الضوِّي، المُحلل السياسي المؤيد لما سمّاها الفكرة العامة لدولة النهر والبحر، مُطلق الفكرة، عبد الرحمن عمسيب، بالشجاع والذكي، يقول لرصيف22 إنّ عمسيب "رغم خطابه المُتدني فكريّاً واندفاعه وشح كسبه المعرفي، تمكّن في وقتٍ وجيز عبر شعبويته وخطابته من خلق قاعدة جماهيرية كبيرة نسبياً؛ وذلك عبر خطوتين رئيسيتين، أولاهما، بث الخوف والرعب في نفوس الجمهور المُستهدف، بالإشارة إلى الوجود الكثيف لمليشيات الحركات الدارفورية المسلحة التي وقعت اتفاقية جوبا للسلام مع حكومة عبد الله حمدوك في العاصمة السودانية والمدن الرئيسية، بجانب قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"؛ وهي القوات التي أسسها الرئيس المخلوع عمر البشير. فيما الجيش مُقيّد بالوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا للسلام، فضلاً عن إضعافه وضعضعته من قبل الرئيس المخلوع نفسه ومؤيديه في الحركة الإسلامية، خشية من انقلاب الجيش عليهما".

سوق في دارفور - منشورة تحت رخصة المشاع الإبداعي - راديو هولندا- فليكر 

استدعاء التاريخ لمحاكمة الراهن

أما الخطوة الثانية، يضيف الضوّي، فهي استدعاء تاريخ الدولة المهدية (1885 - 1899) التي كان يهمين عليها الدارفوريون بشكل أساسي، وما حدث خلالها من انتهاكات جسيمة وتقتيل وإقصاء لأبناء الشمال، الواقع الماثل الذي يشبه تماماً ما حدث إبان المهدية، حيث يتم إقصاء الشماليين من السلطة بالتزامن مع شيطنتهم ووصفهم بالمجرمين الذين ارتكبوا فظاعات ومجازر وإبادة جماعية وتطهيراً عرقياً في دافور إبان سنوات الحرب الأهلية.

بالنسبة للضوي، فإنّ ما يطرحه عمسيب حقائق واقعة، لكن دعوته لانفصال الشمال بهذه الطريقة، وعدم انصافه لشعوب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان "التي حاق بها الظلم ولحق بها التهميش"، يجب أن يعيد النظر فيها. فهذه الشعوب "تستحق أن يعتذر لها من قبل النخب الحاكمة وليس من الشعب الشمالي"، وفي نفس الوقت يحق للشماليين تقرير مصيرهم، إذ رأى جلهم أنّ إمكانية العيش المُشترك مع الدارفوريين قد انتفت، وأنهم أضاعوا عقوداً طويلة في البحث عن قواسم مشتركة بينهم، "فلم يجدوا غير الحرب والدم والغبن المتبادل وتبديد الموارد والموت المجاني والتربص، فقط أن تتم تسوية انفصال الشمال بطريقة سلسلة دون إهدار المزيد من الدماء كما حدث في حرب الجنوب".

انفصال ناعم

من جهة أخرى، يستطرد الضوّي، ما كان ينبغي لعبد الرحمن عمسيب وتياره أن يتبنيا خطاباً عنصرياً ثقيلاً في الترويج لفكرته، "لأن ذلك ينسف أساسها وهو المفارقة بإحسان"، لأن دافور في الواقع لم تكن جزءاً من السودان القديم الذي أسسه الخديوي محمد علي باشا 1821 على أنقاض الدولة السنارية (1504-1821)، وإنما تم الحاقها بالسودان عام 1916 من قبل المستعمر البريطاني، "ولم يتمكن سكانها ذوو الانتماء العابر للحدود من الاندماج مع المجموعات السودانية العربية والكوشية والنوبية، وحتى الزنجية التي انصهرت مع هؤلاء"، وبالتالي ظل الدرافوريون عرباً وأفارقة "في حالة تربص بالمكونات السودانية الأخرى وشعور جمعي بالاغتراب الداخلي"، يعبرون عنه بالاستعداد للقتل والموت والتضحية، ولذلك ذهب إليهم محمد أحمد المهدي مؤسس الدول المهدية، وهو شمالي، وجندهم في جيشه. "وتمكن بفضل تضحياتهم الجسيمة والكبيرة من تحرير السودان من الدولة الخديوية".

فكرة قديمة مُحدّثة

من جهتها تقول سوزان عبد المولى الباحثة السياسية والأنثروبولوجية لرصيف22، إن استدعاء دعاة الانفصال للأحداث التاريخية يشير إلى خواء فكرتهم، خاصة إذا ما انتبهنا جيداً إلى أنّ معظمهم من أتباع النظام السابق، و"بالتالي تجدني أميل إلى أن هذه الدعوة محض فقاعة، يقف خلفها الإسلاميون لمناكفة الحكومة الانتقالية وتشتيت جهودها، أكثر مما هي تيار حقيقي يستند إلى أسس فكرية".

تضيف عبد المولي أن الفكرة نفسها ليست وليدة "لحظة عمسيب"، وهو شخص غير معروف وليس لديه تأييد شعبي كما يدعي البعض، صحيح أن صفحته على فيسبوك يُتابعها أكثر من نصف مليون شخص، لكنهم ليسوا بالضرورة من مناصريه، بل العكس بينهم كثيرون من المناوئين له من أبناء الشمال، حتى أن رجل الدين الإخواني المتشدد الهارب إلى تركيا، عبد الحي يوسف، الذي يمتلك مؤيدين كثراً في جميع أنحاء السودان، وهو من الشمال، افتى بحُرمة الدعوة إلى الانفصال، فوجدت فتواه رواجاً كبيراً بين أنصار عمسيب أنفسهم، وتنصل الكثيرون عنه بناءً على الفتوى.

فكرة فصل الشمال (ما يسمى بالسودان القديم)، ليست جديدة، وإنما قال بها عبد الرحيم حمدي، أحد قادة الفكر في الحركة الإسلامية السودانية ووزير المالية الأسبق في عهد عمر البشير

بوق الإسلاميين الشماليين

وتواصل عبد المولى: "إن فكرة فصل الشمال (ما يسمى بالسودان القديم)، ليست جديدة، وإنما قال بها، عبد الرحيم حمدي، أحد قادة الفكر في الحركة الإسلامية السودانية ووزير المالية الأسبق في عهد عمر البشير، عام 2005، إذ دعا لدولة شمالية منفصلة عن بقية جغرافيا السودان، تمتد من دنقلا أقصى الشمال إلى سِنّار في الوسط الشرقي، والأُبيِّض في الوسط الغربي". برر حمدي ذلك بـ"التجانس العرقي والثقافي والديني الكبير بين شعوب هذه المناطق"، فيما عرف لاحقاً في الأدبيات السياسية السودانية بـ"مُثلَّث حمدي"، وبالفعل بدأ هذا المشروع بفصل الجنوب عام 2011، وإشعال الحرب في دافور على أساس عرقي بين العرب والأفارقة فأطلقت الحركة الإسلامية يد مريديها من الدارفوريين الأفارقة وامتداداتهم في تشاد، مُمثلين في حركة العدل والمساواة (إخوان مسلمون)، ثم أطلقت مليشيات "الجنجويد والدعم السريع" المكونة من أبناء القبائل العربية وامتدادتهم من تشاد إلى النيجر ومالي؛ في مواجهتهم، للتخلص منهم جميعاً في حرب إبادة غبية، نادراً ما كان يتدخل فيها الجيش لقصف المتمردين الأفارقة وقراهم بالطائرات، حتى يعطي تصوراً بأن الحرب الدائرة في الإقليم محض حرب قبلية بين العرب والأفارقة من سكان الإقليم، وأنهم عنصريون يميلون إلى التنازع العنيف وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح لأتفه الأسباب، وأنهم أصبحوا عبئاً على الدولة وأوقفوا التنمية والتقدم، وبالتالي "عليهم أن يرحلوا ويغربوا عن وجه البلاد وإن ابتعدوا بأرضهم كلها".

إلا أن الثورة الشعبية أطاحت الإسلاميين قبل اكتمال الخطة، ونجم عنها وجود كثيف للحركات المسلحة والمليشيات الدرافورية في العاصمة مقابل جيش ضعيف مُفكك، ووضع سياسي واقتصادي شديد السيولة والهشاشة، فكان لا بُدّ من الدفع بهذا التيار إلى الواجهة مرة أخرى، بدعم من الإسلاميين الشماليين أنفسهم، خاصة مدير جهاز الأمن والمخابرات الأسبق الفريق صلاح قوش، ووزير الخارجية وقائد مليشيا الدفاع الشعبي الأسبق علي كرتي الهاربين خارج البلاد، خشية المحاسبة، "وبظني إنهما من يديران وينفذان انفصال الشمال وتأسيس دولة ما يُسمى بالنهر والبحر وما عبد الرحمن عمسيب سوى بوق متقدّم لهما".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard