المنسيّ الأكبر في الانتخابات البرلمانية المغربية... ماذا تنتظر الأقليات الدينية؟

الجمعة 3 سبتمبر 202103:35 م

على بُعد أيام من الانتخابات البرلمانية والجهوية (البلديات)، شرعت الأحزاب المغربية في الترويج لنفسها، سواء بالوعود "الرنانة"، أو بالاعتراف "المتأخر" بالأخطاء، وأحياناً بـ"عرقلة" المنافس، بتصريحات إعلامية، واتهامات لا تعرف صحتها من بطلانها. تُذكر مواضيع كثيرة في نقاشات الأحزاب، لكن لا أحد يذكر الأقليات الدينية المغربية. فهل هي خارج حساباتها، ولمن سيصوت أبناؤها؟

معرفة الأعداد الحقيقية للأقليات الدينية في المغرب، كان بالنسبة لرصيف22، مهمة مستحيلة. ففي الوقت الذي تتحفظ فيه السلطات المغربية عن ذكر أرقام رسمية، تجد المنتمين إلى هذه الأقليات، يمتنعون عن الرد على السؤال أحياناً، أو يبالغون أحياناً أخرى.

الجواب في أمريكا

كشف تقرير الحريات الدينية السنوي لسنة 2020، الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، وشمل نحو 200 دولة من مختلف أنحاء العالم، من ضمنها المملكة المغربية، أن عدد الشيعة المغاربة يبلغ عشرات الآلاف، وتستقر نسبة كبيرة منهم في شمال المغرب، بينما يقدر عدد الشيعة الأجانب المقيمين في المغرب، الوافدين من لبنان، وسوريا، والعراق، بألف إلى ألفي شخص. وقالت الحكومة الأمريكية إن أكثر من 99 بالمئة من سكان المغرب مسلمون سنّة، وأقل من 0.1 بالمئة من الشيعة.

كيف ترى الأقليات الدينية في المغرب الانتخابات البرلمانية. وهل تستجيب إلى تطلعاتها؟ وهل الأقليات هي الخاسر الأكبر في اللعبة السياسية؟

وأضاف التقرير، وفقاً لقادة الطائفة اليهودية، أن ما يقدر بـثلاثة آلاف إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة يهودي موجودون في المغرب، يعيش 2500 منهم تقريباً، في مدينة الدار البيضاء، مضيفاً أن "بعض قادة الطائفة المسيحية يقدّرون عدد المسيحيين المغاربة من ألفين إلى ستة آلاف مواطن، موزعين في أنحاء البلاد جميعها"، ومع ذلك، تقدر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن هناك "25 ألف مواطن مسيحي".

وأشار تقرير الحريات الدينية السنوي لسنة 2020 أيضاً، إلى أن قادة المجتمع الأحمدي يقدرون عدد الأحمديين بـ750 مواطن، فيما يتراوح عدد البهائيين ما بين 350 و400 عضو في أنحاء المغرب جميعها.

شيعي مغربي: ننتظر مراجعة القوانين

ويرى محمد أكديد، وهو شيعي مغربي وباحث في علم الاجتماع السياسي، في تصريح لرصيف22، أن الأحزاب المغربية يمكن تقسيمها إلى أحزاب ذات مرجعية إسلامية، كحزب "العدالة والتنمية"، و"حزب الاستقلال"، وهذه لا تكثرت بقضايا الأقليات الدينية والمذهبية، بل تجد لها مواقف متشنجة من التعبير عن قناعات أتباعها، وممارسة طقوسهم، وإدماجهم في المجتمع، وهناك الأحزاب الإدارية التي يرفع بعضها شعارات تقدمية، ويقدّم قادتها أنفسهم كمدافعين عن الحريات الفردية، ومنها حرية المعتقد والتدين، كحزب "الأصالة والمعاصرة" الذي فتح بعض قادته حواراً مع شيعة الخط الرسالي (في إطار الحملة الانتخابية السابقة)، فضلاً عن انخراط "حركة ضمير" التي كانت تنشط غالبية أعضائها في هذا الحزب، في الدفاع عن بعض قضايا المسيحيين. وأخيراً الأحزاب اليسارية التي تناضل من منطلق مرجعيتها، من أجل الحريات الفردية، وحقوق الأقليات الدينية والمذهبية، وأخص بالذكر هنا أحزاب اليسار الراديكالي المنضوية تحت لواء "فيدرالية اليسار الديموقراطي"، التي يرتبط عدد من مناضليها بجمعيات حقوقية، من أبرزها "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان".

وقدّر أكديد عدد الشيعة في المغرب بـ40 ألفاً، وأضاف: "في الحقيقة، لا يمكن الحديث عن عدد محدد للشيعة المغاربة، ما دام هناك تضييق على حقوقهم وحريتهم في التعبير، فضلاً عن النظرة السيئة التي كرستها الأيديولوجيا السلفية الوهابية التي تعادي الشيعة، والتشيع، وفق أجندات سياسية (الصراع على النفوذ بين إيران والسعودية التي كانت ترعى هذا المذهب، وسعت إلى بسط نفوذها في عدد من الدول العربية، منها المغرب، بدءاً من ثمانينيات القرن الماضي)، مما يدفع عدداً من الشيعة إلى ممارسة التقية، عبر إخفاء مواقفهم ومعتقداتهم".

وأضاف الناشط الشيعي: "شأن الشيعة المغاربة، كشأن المواطنين المغاربة كلهم، يبحثون عن أحزاب مسؤولة تحترم التزاماتها تجاه المواطنين، وتسعى إلى خدمة الشأن العام بمصداقية، وإلى محاربة الفساد المستشري في القطاعات كلها، بالإضافة إلى تنزيل المقتضيات الدستورية التي تكفل حرية المعتقد، والعبادة، والرأي، وكذا المعاهدات والمواثيق التي وقعها المغرب على المستوى الدولي، في هذا الشأن، في إطار إدماج الشيعة وغيرهم من أتباع الأديان والمذاهب الأخرى في المجتمع".

يعيش في المغرب شيعة ومسيحيون ويهود وأقليات أخرى. لكن برامج الأحزاب خلال الانتخابات التشريعية تتجاهلهم. كيف ترى هذه الأقليات الأمر؟

ودعا المتحدث نفسه المسؤولين المغاربة، إلى مراجعة القوانين التي تعيق إدماج الأقليات الدينية والمذهبية في الدولة، والمجتمع، كالفصل 220 من القانون الجنائي، وقوانين الأحوال الشخصية، والسماح لهم بالتعبير عن قناعاتهم، وآرائهم، وتأسيس جمعيات تعبّر عن مشاريعهم، وكذا السماح لهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية، بحرية كاملة، كما هو الشأن في بلدان العالم المتقدم. وهو ما سيخدم حتماً سمعة المغرب دولياً، على المستوى الحقوقي، خصوصاً بعد أن خرجت مؤخراً تقارير تدين بعض الممارسات التعسفية للسلطات المغربية في هذا الشأن".

قس مغربي: "افهموا إشارات الملوك"

محمد العمري (أو آدم الرباطي)، قس مغربي ورئيس اتحاد المسيحيين المغاربة، قال في تصريح لرصيف22، إن الأحزاب المغربية تركز حالياً على الصحة، والتعليم، والصناعة، وتعتقد أن الحديث عن "حرية المعتقد لم يئن أوانه بعد"، وأضاف: "بعض السياسيين المغاربة يسلطون الضوء على الحريات الفردية، وحرية المعتقد، لكن كأفراد، وليس باسم الأحزاب التي ينتمون إليها".

وقال القس المغربي إن اتحاد المسيحيين المغاربة دعا، أكثر من مرة، إلى المشاركة في الانتخابات، والتصويت لمن يمتلك الكفاءة، للمساهمة في تسيير العجلة السياسية في البلاد، وبالنسبة إليه فإن "المسيحيين المغاربة موجودون في شتى المدن، ويستطيعون التصويت لمن شاؤوا، وليست لدينا مشكلة في التصويت للعدالة والتنمية، وهو حزب بتوجه إسلامي، ما دام مرشحوه مجتهدين، وسيتعهدون بالالتزام بوعودهم، ورفع مستوى الخدمات التي سيستفيد منها المواطن المغربي، مهما كانت ديانته".

وأضاف آدم: "لا يوجد حزب مغربي لديه الجرأة، للدفاع عن الأقليات الدينية في المغرب، على الرغم من أن بعض الأحزاب، يقر بحرية المعتقد في ميثاقه الشرفي، لكنهم يتحدثون عن ذلك علناً، بخجل".

وأردف: "يحاول الشباب والحقوقيون إرسال إشارات متعددة، حول حقوق الأقليات الدينية، وحتى المؤسسة الملكية تعطي إشارات في هذا الاتجاه. ولعل أبرز مثال على ذلك، استقبال الملك الراحل الحسن الثاني للبابا يوحنا بولس الثاني في الثمانينيات من القرن الماضي، والذي كان في انتظاره أكثر من 80 ألف مغربي داخل ملعب محمد الخامس، وكذلك الحال حين استقبل الملك محمد السادس البابا فرانسيس مؤخراً، وتم الجمع بين الآذان والترانيم المسيحية واليهودية، في مشهد لقي استحساناً دولياً، وعُدّ اجتهاداً في التعايش بين الأديان". ووجه آدم إلى زعماء الأحزاب رسالة قال فيها: "لا تتركوا الضغوط الأجنبية، والمنظمات الدولية، تتمادى في تسليط الضوء على إقصاء الأقليات، من الأنشطة الثقافية، وممارسة العبادة. فالمغرب يُعد دولة تعايش بصدق، ووجبت ترجمة ذلك إلى الواقع، من خلال إصلاحات عدة، لعل أبرزها في الترسانة القانونية التي تخنقنا نحن المسيحيين".

ممثل الطائفة اليهودية: حاولوا استقطاب بعضنا

في المقابل، كشف ممثل الطائفة اليهودية المغربية جاكي كدوش، في تصريح مقتضب لرصيف22، أن عدداً من الأحزاب حاولت استقطاب بعض اليهود المغاربة، للترشح باسمها، خاصةً عقب التطبيع المعروف بالاتفاق الثلاثي بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، مشيراً إلى أن "المواطن المغربي اليهودي، كأي مواطن يبحث عن الالتزام والكفاءة. لا ننتظر الأحزاب المغربية لتدافع عنا، لكننا نبحث في برامجها عن "المْعْقُولْ"، ونشجع الجميع على التصويت، لأنه واجب وطني".

بهائي مغربي: لسنا أقلية... عاملونا كمواطنين أولاً

وفي السياق ذاته، شدد باسين بقير، عضو مكتب الاتصال للبهائيين في المغرب، في تصريح لرصيف22، على ضرورة "تركيز الأحزاب والحكومة المنتخبة، على مبدأ المساواة في الحقوق المدنية، للمغاربة جميعهم، في إطار مفهوم المواطنة"، وأوضح أنه "على الأحزاب، والحكومة المنتخبة، ومؤسسات الدولة، أن تعامل المغاربة جميعهم، كمواطنين أولاً، بحيث لا يكون الانتماء الديني سبباً في حرمان أي مواطن مغربي من حقوقه الأساسية. فمسألة حقوق الأقليات الدينية غالباً ما يُنظر إليها بتوجس عميق، من طرف المواطنين من جهة، ومؤسسات الدولة من جهة أخرى، كتهديد لاستقرار الدولة، وأمنها، وهو تخوف مشروع لو تمّ التعامل مع الموضوع بنزعة طائفية، وفئوية، كما حدث في بعض الدول".

وتابع قائلاً: "لهذا نؤمن بمفهوم الوحدة في التنوع، والمساواة بين المواطنين، من دون تمييز، إذ يجب أن تكون المواطنة في ظل الهوية المغربية، هي الإطار الجامع والضامن للحقوق والحريات. ومن هذا الباب، لا نحبذ، كبهائيين، تصنيفنا كأقلية دينية، ولا أن يتم التعامل مع موضوع حقوق المغاربة الذين يدينون بأديان مختلفة عن الإسلام، أو اليهودية، بالمفهوم التقليدي لحقوق الأقليات الدينية".

وبرر هذا الموقف بالقول: "نرى أن النظرة الحديثة للتعامل مع هذا الموضوع، هو شروع الأحزاب، والمؤسسات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، في التأسيس لإطار مدني، ولمجموعة من الحقوق. كما تعلمون، وعلى الرغم من أن القانون المغربي لا يجرّم حرية المعتقد، ويحمي حقوق المواطنين في التدين بأي دين يرتضونه لأنفسهم، إلاّ أن بعض القوانين الجنائية يمكن أن تشكل تضييقاً على حرية المختلفين دينياً، وكذلك فإنّ منظومة الأحوال الشخصية لا تعترف بالمغاربة غير المسلمين، وغير اليهود، وبذلك يُقصى مواطنون من حقوق أساسية، كالزواج، والطلاق، والإرث، والدفن، وما إلى ذلك من الحقوق التي تستند إلى تشريع ديني محدد، بالإضافة إلى بعض الصعوبات في ما يخصّ الحقوق الجماعية، وخاصةً عدم توافر إطار قانوني يسمح بتدبير بعض الأنشطة الخاصة بالمغاربة غير المسلمين، كما يدبّر المسلمون أنشطتهم في الدول غير المسلمة".

وختم بقير حديثه قائلاً: "نأمل من الفاعلين الحكوميين، أن يخصّصوا لموضوع الحقوق المدنية، اهتماماً خاصاً، عبر تصميم منظومة تكفل هذه الحقوق للمغاربة جميعهم. وهذا لا يعني بالضرورة تنحية الدين الإسلامي، أو تشريعاته، من القوانين، إذ إن هنالك أغلبية متدينة متمسكة بهذه التشريعات، وهذا يدخل ضمن حقها في التدين، بطبيعة الحال، بل المقصود هو العمل على صياغة إطار مدني مكمّل، أو موازٍ للمنظومة الحالية، كما هو الأمر في دول عدة استطاعت ضمان الحقوق المدنية لمواطنيها، سواء أكانوا متدينين، أم لا".

الأحزاب "تهاب" اختصاصات الملك

أستاذ العلوم السياسية خالد يايموت، قال في تصريح لرصيف22، إن "موضوع الأقليات الدينية في برامج الأحزاب السياسية المغربية، موضوع هامشي جداً، ولا يغري سياسياً لاعتبارين اثنين، الأول يتعلق بكون المجال الديني محفوظاً للملك، وهامش تدخل الحكومة فيه ضيق، والثاني بأن الأقليات الدينية ترتبط بمجال الحرية الدينية الذي ينص عليه الفصل الثالث من دستور 2011، والذي يكفل ممارستها بحرية. وعليه يمكن القول إن الأقليات الدينية تحضر للاستغلال السياسي والانتخابي حزبياً، وليس لوضع تصور حزبي لهذه القضية، أو معالجتها".

ويتشارك الكاتب والناشط الحقوقي أحمد عصيد الرأي مع الدكتور خالد يايموت، إذ عدّ في تصريح لرصيف22، أن الأحزاب لا تهتم بهذا الموضوع، بل تتهرب منه، وتخشاه، لأنها تربط ما هو ديني كله بالسياسة الملكية، ومؤسسة إمارة المؤمنين، وتعدّ أن هذه المؤسسة هي صاحبة الاختصاص في تدبير موضوع الأديان، كما تعدّ أن أي اهتمام بالأقليات الدينية سينعكس عليها سلباً من الناحية الانتخابية، فتفضل تجاهل الموضوع، وعدم التطرق إليه."

أما الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية محمد رضا المقتدر، فأشار إلى أن ابتعاد الأحزاب عن موضوع الأقليات الدينية، "تتحكم فيه طبيعة المجتمع المغربي، الذي يُعد في غالبيته مسلماً سنياً، وهذا ما يفسر أن الأحزاب المغربية لا تعير الاهتمام للأقليات الدينية، على عكس بعض الدول العربية التي نجد فيها أن هذه الأقليات طرف أساسي في اللعبة السياسية، كالعراق ولبنان، حيث الجماعات الدينية تنافس الأحزاب السياسية في الوصول إلى السلطة، والمشاركة فيها".

وأردف: "غير أن هذا لا يعني عدم وجود تدافع بين الأحزاب السياسية حول المسألة الدينية، خاصة ما برز مؤخراً من مطالب لأحزاب المعارضة، بمنع استخدام الرموز الدينية في الحملة الانتخابية، وعدم السماح باستغلال الدين لأغراض سياسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard