مشروع "ملقى في أدراج البرلمان"... متى تجرّم مصر العنفين، الأسري والزوجي؟

الأحد 5 سبتمبر 202103:40 م

أصبح روتيناً شبه يومي، أن تستيقظ مصر على حادثة عنف أسري وزوجي، تهز مواقع التواصل، وتحتل ساحة النقاشات، أياماً متتالية.

آخر هذه الحوادث، كان الشروع في قتل شابة عشرينية على يد والدتها، دهساً بسيارة الأخيرة، الأمر الذي بررته بأنه محاولة لتأديبها، لأنها أرادت خلع الحجاب، وقبلها خبر إقدام سيدة على قتل زوجها، بعد أن حاول خنقها، محاولةً الدفاع عن نفسها.

وفي كل مرة، يتحول الجدال من مجرد التعليق على جريمة قتل، أو الشروع فيه، لفتح نقاش موسع حول العنف الأسري والزوجي ضد النساء بشكل خاص، لتتجدد مطالب التيارات النسوية المصرية بسن قانون يجرّم تلك الأفعال، ومنع الخطاب المشجع على ممارسة العنف ضد النساء، بهدف "تأديبهن".

الملفت، هو أن هذه الأصوات التي نسمعها مؤخراً، ليست الأولى التي تطالب بتجريم العنف الأسري، بل إن هناك مشروع قانون كامل وشامل، لمواجهة العنف ضد النساء، "ملقى في أدراج" البرلمان.

هناك مشروع قانون كامل وشامل، لمواجهة العنف ضد النساء، "ملقى في أدراج" البرلمان.

ففي عام 2018، عملت سبع منظمات نسوية وحقوقية، على صياغة "القانون الموحد لمكافحة العنف ضد النساء"، والمؤلف من سبعة أبواب، شملت وضع تعريفات واضحة ومحددة لأنواع العنف، وإجراءات التقاضي، والجرائم الجنسية، وجرائم إسقاط الحوامل، والجرائم الخاصة بخطف النساء واستغلالهن، وجرائم العنف الأسري، والإجراءات الوقائية. تبنّت القانون حينها النائبة السابقة، نادية هنري، وقامت بتقديمه إلى اللجنة المختصة، لكنه غاب بين أدراجها، فلم تتم مناقشته، ولا الموافقة عليه، وانتهى البرلمان السابق، وانعقدت انتخابات برلمانية جديدة، وتشكل برلمان جديد، ولم يعرف أحد مصير القانون.


"الوضع يحتاج إلى خطة عمل متكاملة"

عند سؤالها، قالت النائبة السابقة نادية هنري، إن "مقترح القانون الموحد لمواجهة العنف ضد النساء، والذي تقدمت به في 2018، خلال الدورة السابقة، تم قبوله، وتحويله إلى اللجان المختصة، لمناقشته، وكل لجنة تضع خطتها في جدولة مناقشة القوانين حسب الأولوية. وأعتقد أنه من الممكن أن تتم مناقشته في المجلس الحالي، أو أن يتم العمل على تقديم مشروع قانون مماثل".

وتابعت هنري لرصيف22: "لا أعتقد أن هناك إهمالاً في مواجهة العنف ضد النساء، ولكن هناك حاجة إلى الإسراع في إصدار هذا القانون. المشكلة لا تقتصر على إصدار القانون فحسب، وعلى الرغم من أن القوانين تساهم في تشكيل الثقافة والوعي الجمعي، إلا أن الوضع الذي تعاني منه النساء، يحتاج إلى خطة عمل متكاملة من مؤسسات الدولة جميعها، والتعليم، والثقافة، والمؤسسات الدينية، ولا بد من العمل على تغيير ثقافة التعامل مع هذه القضايا، من جانب الجهات التنفيذية، وإنفاذ القانون، مثل الشرطة، وتأهيل الأشخاص العاملين فيها، للتصدي لهذه الجرائم، واستحداث وحدة في أقسام الشرطة كلها، تختص بقضايا العنف ضد النساء".


لا يوجد اهتمام كافٍ

أما انتصار السعيد، رئيسة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، وهي من المؤسسات المشاركة في صياغة القانون الموحد، فأفادت في حديثها لرصيف22، أن "القانون المقترح تم قبوله من قبل البرلمان المصري عام 2018، وأحيل إلى اللجنة المختصة، والآن نحاول مناقشته في البرلمان الجديد، بعد تعديله بما يتوافق مع المستجدات الحالية، وكانت المنظمات التي صاغت القانون قد نظمت أولى اجتماعاتها قبل عيد الأضحى مباشرةً، ولكننا ما زلنا في البداية، ولم نتفق أو نحدد المواد التي سنعمل على تعديها".

ولا ترى السعيد أن ما يحدث من تباطؤ في إصدار القانون، "إهمال متعمد"، خاصةً مع تعديل قوانين أو مواد ضمن قانون العقوبات، تتعلق بالتحرش، وحماية المبلِّغات عن العنف الجنسي، "لكن هناك حالة أشبه بعدم الاهتمام، وعدم الاستيعاب لحجم الخطر والعنف الذي تواجهه النساء".

وبحسب المتحدثة، فإن "القانون أحد الأضلاع الأساسية والمهمة في حماية النساء. عندما يكون هناك قانون واضح، ومختص بتجريم العنف ضد النساء، ويشمل أشكال هذا العنف وأنواعه كافةً، سيكون رادعاً إلى حد ما، وسيشكل فزاعة قانونية للمعنّفين من الرجال".

الوضع الذي تعاني منه النساء، يحتاج إلى خطة عمل متكاملة من مؤسسات الدولة جميعها، ولا بد من العمل على تغيير ثقافة التعامل مع هذه القضايا، من جانب الجهات التنفيذية، وإنفاذ القانون، مثل الشرطة، وتأهيل الأشخاص العاملين فيها، للتصدي لهذه الجرائم

وتتابع: "مثلاً، نجد طوال الوقت ضغطاً على المبلِّغة عن تعرضها للعنف، للتنازل عن القضية، بحجة الحفاظ على البيت، والحياة الزوجية. وعليه، فإن عدم وجود قانون يجرّم العنف، يجعل الأغلبية لا تستوعب الموقف من الأساس، حتى لو كانت النيابة العامة متفهمة، وتمت صياغة الاتهامات بأنها شروع في القتل، فهناك حالات نرى فيها عدم تفهم النيابة والشرطة للموقف، أو أخذه على محمل الجدية، فنجد البلاغ قد تحول إلى قضية جنح، وتقابلها أحكام مثل الحبس لمدة شهر وغرامة 10 جنيهات، في حين أن الضحية مصابة إلى درجة إجراء جراحة في رأسها، أو في أماكن متفرقة من جسمها، وذلك لأن القوانين القديمة غير متناسبة مع الجرائم المنتشرة حديثاً".

وعلى الرغم من أهمية القانون الجديد، تقف عقبات عدة أمام خروجه إلى النور، كما تقول السعيد، تأتي على رأسها المادة 60 من قانون العقوبات، والتي تنص على أنه لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتُكب بنية سليمة، عملاً بحق مقرر، بمقتضى الشريعة الإسلامية. "هذه المادة الكارثية تعطي ضوءاً أخضر لتعنيف النساء، بغرض التأديب، كما يبرر ويدّعي البعض، والاغتصاب الزوجي، وغيرها من الجرائم، وكذلك الأعراف، والعادات، والتقاليد، التي توصم الزوجة، وتعيبها، مهما كانت معنَّفة، وضحية عنف، إذا أقامت دعوى، وسجنت زوجها".

وتختم المتحدثة بأنها لا ترى أي إرادة سياسية حقيقية لإصدار هذا القانون، في الوقت الحالي، "ولكننا نأمل أن يوافق عليه البرلمان في دورته المنعقدة حالياً".


"جوهر القانون سيبقى هو نفسه"

ومن جانبها، قالت رئيسة مؤسسة المرأة الجديدة، نيفين عبيد، إحدى المشاركات في صياغة مقترح القانون، لرصيف22، "إن التعديلات المقترحة على القانون الموحد، لمواجهة العنف ضد النساء، تتعلق كلها بالصياغة، واللائحة التنفيذية، والأمور الشكلية. أما جوهر القانون، وروحه، ومواده، وأبوابه، فسيتم الاحتفاظ بها كلها كما هي، ومن المقرر أن تتبنى القانون في الدورة البرلمانية القادمة، النائبة نشوى الديب".

هناك حالة أشبه بعدم الاهتمام، وعدم الاستيعاب لحجم الخطر والعنف الذي تواجهه النساء.

وتتابع: "العائق الوحيد الذي يقف بيننا، وبين تمرير القانون، هو البرلمان نفسه، فيجب أن يوضع على أجندة البرلمان، وأن تكون لدى المؤسسة التشريعية المنتخبة إرادة حقيقية، ورغبة رسمية، لمناقشة القانون، وتمريره، وهو ما نأمل أن يحدث خلال الدورة المقبلة".


القانون ليس رفاهية

لم يعد إصدار قانون لتجريم العنف ضد النساء، رفاهيةً، بل أصبح ضرورة لإنقاذ أرواح النساء.

ففي 2020، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة، نتائج مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتي أظهرت أن "هناك خمسة ملايين و600 ألف امرأة، يعانين من عنف على يد الزوج، أو الخطيب، سنوياً، وهناك مليونان و400 ألف امرأة أصبن بنوع واحد، أو أكثر، من الإصابات، نتيجة العنف على يد الزوج، أو الخطيب، وأن مليون امرأة يتركن منزل الزوجية، نتيجة العنف على يد الزوج، وتصل تكلفة السكن البديل، أو المأوى، عندما تترك النساء منازلهن بسبب العنف، إلى 585 مليون جنيه سنوياً، وتتعرض نحو 200 ألف امرأة سنوياً، لمضاعفات في الحمل، نتيجة العنف على يد الزوج".

وعلى الرغم من هذه الأرقام الضخمة، والمفجعة، لم يتجاوز عدد النساء اللواتي يبلّغن الشرطة عن حوادث العنف، 75 ألف امرأة، وفق نتائج المسح.

أما في تقرير الجهاز، عام 2019، فتقول نتائج المسح إن 34 بالمئة من النساء اللواتي سبق لهن الزواج، تعرضن لعنف بدني، أو جنسي، من قِبل الأزواج، بالإضافة إلى تعرض نحو 90 بالمئة من السيدات للختان، وزواج أكثر من ربع النساء المصريات قبل بلوغهن الـ18.

نجد ضغطاً على المبلِّغة عن تعرضها للعنف، للتنازل عن القضية، بحجة الحفاظ على البيت والحياة الزوجية. عدم وجود قانون يجرّم العنف، يجعل الأغلبية لا تستوعب الموقف من الأساس، فنجد البلاغ قد تحول إلى قضية جنح، في حين أن الضحية مصابة إلى درجة إجراء جراحة في رأسها

وبعيداً عن الأرقام الصادرة عن مؤسسات رسمية، فإن الأسبوع الأخير من شهر تموز/ يوليو الفائت، شهد، وحده، عدداً كبيراً من جرائم قتل الأزواج لزوجاتهم.

ففي بني سويف، اعترف رجل ثلاثيني بقتل زوجته، بعدما طعنها في رقبتها، وصدرها، وبطنها، عقاباً لها على رفع قضية خلع ضده.

وفي الدقهلية، قُتلت طبيبة على يد زوجها الطبيب، إثر طعنها 11 طعنة أمام أطفالها الثلاثة.

أما في الغربية، فقد تربص زوج بزوجته، وقام بتهشيم رأسها بعصا خشبية، ثم ذبحها بآلة حادة أمام أعين أطفالها، بعد زواج دام عشر سنوات.

وفي أسيوط، لقيت سيدة حتفها على يد زوجها، بعد أن طعنها بسكين مطبخ.

لم ننتهِ بعد، ففي المحلة، أقدم زوج على قتل زوجته، بعد أن طعنها بسلاح أبيض في الرقبة.

وفي الجيزة، أنهى زوج حياة زوجته المريضة بالسرطان، بعد أن ضربها ضربات متتالية على الرأس، وفي أماكن مختلفة ومتفرقة من جسمها.

هل تلك البشاعات كلها، وأرواح النساء التي تذهب هباءً، ليست كافية بعد للفت أنظار الدولة المصرية بمؤسستها التشريعية، لتتحمل مسؤوليتها عن حماية النساء من مواجهة بطش ذكوري، يتمثل في جرائم عنف زوجي، وأسري، لمناقشة قانون يجرم ويعاقب على تلك الجرائم، وسنّه؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard