عقدٌ من التعنيف... "أنا محامية لكنني لا أستطيع الدفاع عن نفسي"

السبت 16 مايو 202005:21 م

عندما كنت في الـ16 من عمري، لم أكن أعرف ما هو الزواج، ولا كيف يكون، ولا حتى لماذا هناك زواج بالأساس، لكنني تزوجت. أنا واحدة من الفتيات اللواتي يُسرقنَ من بين ألعابهن. نُقلت إلى حضن رجل يكبرني بـ13 سنة.

أنا ضحية تقاليد "النهوة"، وهو عرف عشائري يعطي الحق لأحد أبناء عم الفتاة بأن يمنع زواجها من رجل غريب ليتزوجها هو حتى وإنْ كانت ترفضه.

أعيش في مدينة وسط العراق، يغلب عليها الطابع العشائري، وعائلتي من تلك العائلات التي ترى كل شيء يخص المرأة "عيباً". عيب أن يراني أحد، عيب أن أرفض الزواج من ابن عمي، عيب أن أبدي رأياً يخصني، عيب إنْ لم ألطخ قطعة قماش بيضاء بالدم ليلة الزفاف.

كنت أسمع عن فتيات في مدينتنا تزوجن بحسب "النهوة"، لكنني لم أكن أتوقع يوماً بأني سأكون ضحيتها، وضحية خلافات ومشاكل وعِناد عائلي. تزوجت ابن عمي الذي كان يعاملني معاملة طفلة قبل سنوات، بسبب الفارق العمري بيني وبينه.

في الأسبوع الأول من الزواج، اكتشفت علاقاته النسائية وحاولت معرفة تفاصيل أكثر من هاتفه. ضربني كثيراً وبدأت قصتي مع التعنيف. لم أستطع التفكير بأي شيء. هل أنا في حلم، أم حقيقة؟ خيانة وضرب بعد أسبوع من الزواج؟!

أخبرت أهلي ليكونوا سندي في المشكلة التي أملت أن تنتهي، لكن ذلك لم يحدث. أهلي كانوا هم الخذلان الحقيقي. زاروني في المنزل، وجلسوا معي ومع أسرة زوجي وكأن شيئاً لم يكن. كنت أنتظر أن يقولوا كلمة، أو يطلبوا عودتي للمنزل، لكنهم لم يفعلوا.

مرّت أشهر وسنوات، لكن معاناتي لم تنتهِ. لم يخل جسمي من أثر الضرب. كل شهر أتعرض للضرب مرتين أو ثلاث مرات دون سبب، أو لأسباب تافهة. حتى عندما أريد أن أتقرب منه وأكسبه وأغيّره، يعنفني ويقول لي: "أنت لا تصلحين كزوجة". يقول لي ذلك وأنا أوفّر له كل احتياجاته الشخصية، والزوجية، وأهتم به وبأهله!

كنت أحرص دائماً على أن أوفر له الهدوء في غرفتنا التي نعيش فيها، في منزل أهله، وأن أكون لطيفة مع عائلته وأخدمهم قدر المستطاع، لكن كل هذا لم يأتِ بنتيجة. يمارس عليّ العنف اللفظي كلما رآني. وصل الحال حتى إلى سماحه لشقيقه في إحدى المرات بضربي.

في إحدى المرات، ضربني لأن الطعام الذي أعددته لم يعجبه. لثلاثة أيام ظللت أتعرض للضرب. أهله يسمعون صراخي لكن لا أحد يتدخل. كان هذا عام 2014. حينها قررت أن أنتحر لأنني لم أجد مَن يساندني، لا أهلي ولا غيرهم.

أخذت جرعات كبيرة من الإنسولين، ومجموعة حبوب أخرى مختلفة، حتى فقدت الوعي ووجدت نفسي في المستشفى. كنت أتمنى الموت، لكن حتى هذه الأمنية لم تتحقق.

لم يقتصر العنف الذي مورس ضدي على العنفين الجسدي واللفظي. وصل عنفه إلى إجباري على ترك الدراسة عندما كنت طالبة في مرحلة الخامس الإعدادي. كنت من الطالبات المتفوقات.

كثيراً ما رحت أحاول إقناعه بأهمية الدراسة وضرورتها، لكنه كان يرفض. كنت أقول في نفسي: لو كان من غير الخريجين، أو غير المتعلمين، ماذا كان سيفعل؟ كان يقول لي: "آني أضحك على عقلج من تذكرين الدراسي".

"في الوقت الذي تخرّجت فيه من كلية القانون وأحلم فيه بالدفاع عن حقوق النساء، لم أتمكن من الدفاع عن نفسي. لم يبقَ أي طريق أمامي. أفكر بالانتحار للمرة الثالثة، فموتي قد يكون أهون من العيش تحت رحمة زوج جلاد ومع عائلة تعتبر المرأة ‘عاراً’"

عندما تحدثت مع والدته عن أهمية الدراسة وضرورة عودتي لها، كانت ترفض أيضاً، لكنني عدت إليها صدفة. تزامن إلحاحي مع عودة حبيبته السابقة إلى دراستها. لا أعرف لماذا ربط حياتي بها، لكن الأهم أنني عدت، بيد أنه اشترط عليّ ألا أعود للفرع العلمي بل الأدبي.

لم تنه عودتي للدراسة المأساة التي أعيشها معه. مررت بأوقات صعبة كان لها تأثير كبير على نفسيتي. عندما كنت أدرس كان يأتي وينتزع الكتاب من يدي بعنف ويقول لي: "شراح نحصل من دراستج؟". أثناء إجرائي الامتحانات النهائية وصلتني ورقة تبليغ من المحكمة بشأن زواجه من امرأة ثانية.

عندما أجلس لوحدي أتذكر اللحظات التي أبلغوني فيها بالزواج وأنا في الـ16 من عمري. ارتبطت بشخص لا أعرفه، ولا أحبه، ولا أعرف أساساً ما هو الزواج. في الأسابيع الأولى من الزواج، كنت أزور بيت أهلي، فأرى ألعابي بيد أطفال أخي. كنت أشتاق للعودة إلى تلك اللحظات.

نجحت في امتحانات الباكلوريا بتفوّق، وواصلت الدراسة الجامعية. خلال فترة امتحانات المرحلة الأولى في الجامعة نسيت في إحدى المرات كيّ ملابسه، فأخذ كل كتبي وأوراقي ورماها. اضطررت للاستعانة بزميلاتي.

"في مرات عديدة، كان يستخدم الهراوة الخاصة بعمله في جهاز أمني لضربي، هذه الهراوة التي نشاهدها في الأفلام، أو في التظاهرات"

استمر في محاولاته لإيقافي عن الدراسة، عنف لفظي وجسدي وتخريب لمستلزمات الدراسة، لكنني أصريت على إكمال الامتحانات النهائية وبعدها أقمت دعوى نفقة كبداية للوصول إلى الطلاق.

عندما رفعت دعوى النفقة وعدت إلى بيت أهلي، جنّ جنونه. بدأ يفكر كيف قمت بهذه الخطوة التي لم يتوقعها، وبدلاً من الاعتذار مني، بدأ بتهديدي بنشر منشورات في الكلية لتشويه سمعتي، أو بسجن والديّ بحكم علاقاته ونفوذه في واحدة من المؤسسات الأمنية.

حاول مواجهتي بدعوى "بيت الطاعة"، وقال لي بالحرف الواحد: "راح أسكنج بمكان زبالة، ومتعيش بي بس الساقطات وبنات الشارع". بدأت أشعر بقلق وخوف كبيرين، لذا أقمت دعوى "أثاث"، وطالبته بمستمكساتي الثبوتية وبحضانة ابني، وأمام القاضي أنكر امتلاكهن، بل اتهمني بسرقة أثاث البيت.

في يوم ما وبينما كنت أسير مع صديقتي في الشارع خلال عودتنا من الجامعة، أخبرتني صديقتي بأن زوجي يسير خلفنا. طلبت منها ألا تعير له أية أهمية، وأعطيتها هاتفي وطلبت منها ألا تعطيه إياه إذا ما حدث لي شيء. أعرف تصرفاته وسلوكياته، فهو لا يأبه لأي شيء ومستعد لضربي وإهانتي في أي مكان.

بقي ينادي عليّ ويطلب مني التوقف، لكنني رفضت. هو يعمل في السلك الأمني برتبة ضابط، ويحمل السلاح في كل مكان، وعندما رفضت التوقف هددني بأنه سيطلق الرصاص عليّ، فتوقفت.

كانت مجموعة من الناس قريبة منّا، لكنها لم تتدخل، ربما لأنهم رأوه بزيه العسكري وخافوا منه.

سحب حقيبة يدي وأخذها وذهب، وعندما عدت إلى بيت أهلي رويت لهم القصة، فذهب أقاربي له، فأنكر ذلك وقال: "لم أرها أصلاً"، وشكك بأخلاقي عندما قال: "ربما شخص آخر تعرفه سحب حقيبتها وظنته أنا".

ذهبت حتى أشتكي عليه، فوجدت عليّ دعوى قضائية كان قد رفعها عليّ بتهمة سرقة 2000 دولار منه وخاتم من الذهب. بعد صراع وتدخل عشائري طلب مني التنازل عن الدعاوى حتى يتنازل هو أيضاً. دمّر حياتي ويساومني على حقوقي.

كان ذلك كله خلال فترة ثلاثة أشهر، وبعدها عدت إلى منزل الزوجية رغم زواجه عليّ. عدت مكسورة، فلا قانون أنصفني، ولا أهل ساندوني، ولا عشيرة وقفت إلى جانبي.

في مرات عديدة، كان يستخدم الهراوة الخاصة بعمله لضربي. هذه الهراوة التي نشاهدها في الأفلام، أو في التظاهرات. كان يؤلمني جداً بضربه. حاولت أن أنتحر للمرة الثانية، لكنني فشلت، وبعدها حبسني ليوم كامل في الغرفة، لا طعام، ولا شراب، ولا أي شيء.

أنا أعرف أن المشكلة ليست به فحسب، بل بأهلي وتقاليدهم الرجعية التي تسيء للمطلقة. أخي قال لي مرة: "موتك أهون من أن تعودي إلينا مطلقة".

هذه حياتي التي أعيشها. في الوقت الذي تخرجت فيه من كلية القانون وأحلم فيه بالدفاع عن حقوق النساء، لم أتمكن من الدفاع عن نفسي. لم يبقَ أي طريق أمامي. أفكر بالانتحار للمرة الثالثة، فموتي قد يكون أهون من العيش تحت رحمة زوج جلاد ومع عائلة تعتبر المرأة "عاراً".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard