"إخوان" في عيون اليسار و"شيوعيون" في عيون الإخوان... تجربة "الإسلاميين التقدّميين" في تونس

الجمعة 17 سبتمبر 202102:18 م

عرفت تونس بين نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي حراكات سياسية وفكرية واجتماعية كبيرة تأثّرت بالمتغيرات التي تشهدها المنطقة والعالم، وبرزت خلال تلك الفترة الحركة الإسلامية باعتبارها لاعباً سياسياً وثقافياً جديداً اقتحم المشهد في فترة وجيزة، حتى أصبح عنصراً أساسياً فيه.

لكن رغم أن المرجعية الدينية في تلك الفترة كانت تدعو إلى وحدة الصف إلا أن الاتجاه الإسلامي في تونس عرف انشقاق مجموعة من المؤسسين والأعضاء ليشكلوا في ما بعد تيار "الإسلاميين التقدّميين" أو ما يُعرف في الساحة الفكرية العربية بـ"اليسار الإسلامي".

أصدر تيار الإسلام التقدّمي في بداية الثمانينيات مجلّة عنوانها "15/21"، في إشارة إلى القرن 15 الهجري والقرن 21 الميلادي اللذين لم يكونا قد انطلقا، في محاولة من المجموعة للمزج بين التراث والحداثة وبين الإسلام والغرب.

وحاول أعضاء هذا التيار أن يبرزوا أفكارهم الجديدة، ثم أصدروا كتاباً في منتصف الثمانينيات تحت عنوان "المقدمات النظرية للإسلاميين التقدميين"، ورغم أنّ كل القيادة شاركت في التأليف إلا أنّ الكتاب نُسب إلى صلاح الدين الجورشي ومحمد القوماني وعبد العزيز التميمي.

تأسيس التيار وجذوره

انسحب المفكران البارزان حميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي من الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة لاحقاً) في نهاية السبعينيات ليؤسسا مع مجموعة من المثقفين تيار "الإسلاميين التقدميين"، ولتبرز حركة إسلامية ثقافية نقدية للفكر التقليدي.

يقول القيادي في ذلك التيار محمد القوماني لرصيف22 إنّ الإسلاميين التقدميين هم التجربة التونسية لليسار الإسلامي الذي ظهر لأوّل مرّة في مصطلح للدكتور محمد فتحي عثمان، في أول افتتاحية لمجلة كانت تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية ثم الكويت، اسمها "المسلم المعاصر"، في بداية الثمانينيات.

ويضيف أنّ "الإسلاميين التقدميين هو التعبير التونسي عن اليسار الإسلامي الذي تبلور بين نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، في نسخة تونسية صرفة، اختار لها المؤسسون اسم ‘الإسلاميون التقدميون’، محاولين الابتعاد عن اسم اليسار تجنّباً لشبهة الشيوعية آنذاك".

ويشير إلى أن الفكرة الرئيسية التي بُني عليها اليسار الإسلامي هي الاهتمام بالقضايا التي يهتم بها اليسار مثل الملفات الاقتصادية والاجتماعية والنقابية، يعني مزج بين الأفكار اليسارية والإسلامية.

ويعتبر القوماني أن "الإسلاميين التقدميين جزء من التيار النقدي في الفكر العربي المعاصر الذي خرج من قضايا نقد الإخوان المسلمين إلى نقد الفكر العربي المعاصر، لأن هذا التيار أصبح منفتحاً على كتابات المفكر العروبي والإسلامي حسن حنفي وكذلك على كتابات محمد عابد الجابري وبرهان غليون ورضوان السيّد وكثيرين من الوجوه المحسوبة على الفكر النقدي في الفكر العربي المعاصر، والتي خرجت من مربّعات الأيديولوجيات المغلقة إلى البحث عن مُشترَك عربي معاصر متحرر من السلفية الإسلامية أو السلفية الماركسية اللينينية أو التروتسكية أو حتى السلفية العروبية".

وفي سياق متصل، يقول صلاح الدين الجورشي في كتابه "الإسلاميون التقدميون في تونس"، والصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عام 2000، إنه "عندما قرر التيار النقدي في مطلع سنة 1980 التحوّل تنظيمياً من مستوى المنتدى الفكري، أي صيغة الحركة المهيكلة، تم البحث عن تسمية تعبّر عن التوجهات الفكرية والمضامين السياسية التي تحملها وتبشّر بها، وبعد النقاش والفرز تم الاتفاق على ضرورة الاحتفاظ بالصفة الإسلامية وإعطائها الأولوية في التسمية وذلك لكون الإسلام هو المرجعية المعرفية المعتمدة من قبل التنظيم".

أفكار التيار

حرص الإسلاميون التقدميون على التميّز عن مختلف الحركات الإسلامية الأخرى، فنسج أبناء هذا التيار رؤى مختلفة عن السائد، حتى اعتبرهم البعض ثورة على الفكر الإسلامي التقليدي، خاصة في مسائل العلاقة مع التراث الفقهي والعقادي والكلامي وفي رؤيتهم للاجتهاد والسيرورة التاريخية للنصّ.

يقول القوماني لرصيف22 إن "الفكرة الأولى التي بُنيت عليها أفكار الإسلاميين التقدميين هي ضرورة التمييز بين الإسلام والفكر الإسلامي، فالإسلام هو مرجعية الوحي متمثلاً في القرآن والسنّة النبوية، بينما الفكر هو قراءات في تلك المراجع، لذلك فإنّ أبناء التيار غير ملزمين بقراءة السلف للنص رغم أهمية الاستفادة من بعض القراءات وكذلك الانفتاح عن الفكر الحديث".

كما ارتكز فكر التيار الإسلامي التقدّمي حسب محمد القوماني على "ضرورة إعطاء أهمية للقضايا الحياتية مثل المسائل الاجتماعية والاقتصادية ومسألة العدالة الاجتماعية، في ظلّ اهتمام الفكر الإخواني بالمسائل الدينية والتربوية والتراثية والسياسية فقط".

"كان هنالك احتراز من تكوين الأحزاب، وكانت أفكارنا الدينية تتميّز بحرية التأويل، فليست هنالك مقولات نهائية، ونص الوحي قابل للتأويل في جوانبه العقائدية والفقهية، وبالتالي فإن الموقف من الميراث أو الأحكام الشرعية نعتبرها قابلة للمراجعة حسب المجتمع"

وفي ذات السياق، يُبرز القوماني مميّزات الفكر الإسلامي التقدّمي مشيراً إلى إلمامه بالمسارات التاريخية وبسنن التاريخ وتطوّر الزمن، وإدراكه أن الأفكار قابلة للمراجعة و"هذه كانت ثورة على التقاليد والمقولات التي يعتبرها البعض مقولات السلف".

ويتابع: "كنا مقتنعين بأن التغيير الحقيقي للأمّة يمرّ عبر تغيير الفكر والثقافة وليس عبر الإمساك بالسلطة، لذلك كان هنالك احتراز من تكوين الأحزاب، وكانت أفكارنا الدينية تتميّز بحرية التأويل، فليست هنالك مقولات نهائية، ونص الوحي قابل للتأويل في جوانبه العقائدية والفقهية، وبالتالي فإن الموقف من الميراث أو الأحكام الشرعية نعتبرها قابلة للمراجعة حسب المجتمع".

وفي السياق نفسه، يقول حميدة النيفر، في تقديمه لكتاب "الإسلاميون التقدميون في تونس" لصلاح الدين الجورشي: "ما زهّد الحركة السلفية بتونس وخارجها في مشروع الإسلام التقدّمي هو حرصه على تنسيب الأمور والبحث في ما كان يبدو أنّه من الأمور المحسومة التي تُعتبر كالمعلوم من الدين بالضرورة".

ويتابع: "مثل هذا المسعى النقدي من قبل الإسلاميين لم ينظَر إليه بالجدية الكافية من قبل قوى يسارية وعلمانية كانت في غالبها لا تقلّ وثوقية من التيار السلفي في التعامل مع كل مَن يولي مسألة الهوية والثقافة الدينية أولوية في المشروع التنموي".

ويؤكّد النيفر أنّ "ما هو أهم من بقاء مشروع الإسلاميين التقدميين في تونس هو أنّ إعادة قراءة التراث الإسلامي لتقويم المواقف والاعتراف بالأخطاء وفهم الآليات مشروع مستمرّ في عالم يزداد صغره يوماً عن يوم وتبرز فيه مكانة الآخر أكثر فأكثر، أي عالم العقل المُحاوِر والهوية المنفتحة".

من جانبه، يعتبر صلاح الدين الجورشي في كتابه "الإسلاميون التقدّميون في تونس" أن "خصوصيات تجربة الإسلاميين التقدميين تمثلت في انفتاح أفرادها تدريجياً على مختلف تيارات الفكر العربي والإسلامي ومدارس الثقافة العالمية".

ويتابع: "وُلدت المجموعة احتجاجية بطبيعتها متناقضة مع النظام السياسي خاصة في اختياراته الاجتماعية الطبقية وفلسفته السياسية الإقصائية والقمعية".

وأكّد الجورشي أن "الإسلاميين التقدميين بلوروا برنامجاً سياسياً... وقد جنحوا إلى تحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع التونسي... كما تبنوا مسألة الدفاع عن الحريات العامة، خاصة حرية العمل النقابيي".

ويعتبر الجورشي أنّ "السياسة إذا انفصلت عن الأخلاق ولم تَعُد تعبّر عن مشروع نهضوي وأصبحت هدفاً لذاتها... عندها تتحوّل السياسة إلى نشاط حزبي يهدف إلى خدمة مصالح الحزب قبل مصالح الشعب".

الإسلاميون التقدّميون والغرب

كانت الجماعة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي تنظر إلى الغرب بعين الريبة والشكّ وتخشى أن تنصهر المجتمعات العربية في الحداثة، وهو ما قابله الإسلاميون في ذلك الوقت بنوع من الصدّ، خاصة في السياق المرتبط بالصراع السياسي والأيديولوجي في أغلب الدول العربية.

وفي خضم ذلك الصراع، كان الإسلاميون التقدميون يسعون إلى بناء رؤية جديدة مختلفة تختلط فيها الأصالة بالحداثة وتمزج بين الإسلام والحداثة. لذلك، فإنّ مؤسس هذا التيار حميدة النيفر يقول في تقديمه لكتاب الجورشي إن "ما أفهمه اليوم من هذا المشروع هو أنّه يمكن تسميته بـ‘المشروع/ الجسر’، فمن أهم ما يبرز في سعي الإسلاميين التقدميين هو الرغبة المعقلنة في الذهاب إلى ‘الآخر’، في محاولة فهمه كما هو وليس كما يراد له أن يكون أو يُظَنّ أنه هو. ما أقصده بالآخر هنا ليس الغرب والحداثة فحسب بل هو أيضاً الثقافة الإسلامية والفكر الوطني والقومي العلماني".

ويضيف: "في ما يتصل بالطرح السلفي في تونس، كان الإسلاميون التقدميون حريصين على التميّز عما يؤكّده الاتجاه الإسلامي في خصوص العلاقة مع الغرب عموماً والتحديث البورقيبي بصفة خاصة".

"حافظ الإسلاميون التقدميون على موقف نقدي تجاه الغرب، فرأوا في الدعوات التي تطالب بالتماهي الكلّي مع الغرب دعوات لاتاريخية... لكنهم رفضوا القول بأنّ الغرب هو مصدر كل الشرور وأنّه واقع تحت تأثير مؤامرة عالمية"

ويشدد الجورشي في كتابه على ضرورة إيجاد رؤية متوازنة تجاه الغرب لا تعاديه ولا تتماهى معه تماماً. كتب: "حافظ الإسلاميون التقدميون على موقف نقدي تجاه الغرب، فرأوا في الدعوات التي تطالب بالتماهي الكلّي مع الغرب، دعوات لاتاريخية على الخصوصيات التي تشكّل واقعاً قائماً فعلياً ولا يمكن القفز فوقه أو إلغاؤه بمجرّد رفع شعار أو تبني خيار الاندماج، لكنهم رفضوا القول بأنّ الغرب هو مصدر كل الشرور وأنّه واقع تحت تأثير مؤامرة عالمية تقودها اليهودية العالمية، والصليبية والشيوعية سابقاً".

الفكرة نفسها أشار إليها محمد القوماني في حديثه لرصيف22. قال إنّ "الإسلاميين التقدميين يرون بضرورة الانفتاح على الغرب وتجاوز القطيعة التي بناها الفكر التقليدي مع الغرب وخلطه بين الحداثة باعتبارها مناهج في التفكير وبين الجوانب الأخلاقوية في الغرب مثل التبرّج"، مبيّناً أنهم كانوا يرون أن "الحداثة جزء من هويتنا الجديدة بقطع النظر عن الفوارق بين المجتمعات الإسلامية والغربية".

العلاقة مع النهضة... من الانشقاق إلى الصدام ثم الالتقاء

انشقت المجموعة الأولى المؤسِّسة لتيار الإسلاميين التقدميين عن الاتجاه الإسلامي في نهاية السبعينيات بعد بروز اختلافات ظهرت إلى العلن آنذاك على صفحات مجلّة المعرفة التي كانت تعبّر عن آراء الجماعة الإسلامية.

وعرفت العلاقة بين هذا التيار والاتجاه الإسلامي (النهضة لاحقاً) مدّاً وجزراً وتراوحت بين الصدام والانفصال ثم الالتقاء في السنوات الأخيرة بعد أن عادت مجموعة من "التقدميين" إلى حركة النهضة يتقدّمها محمد القوماني وعبد العزيز التميمي.

يقول محمد القوماني إنّ العلاقة في بداية الثمانينيات عرفت نوعاً من الاحتكاك لأن السائد كان آنذاك أن الجماعة واحدة ولا يجوز شق الصف والتنظيم وكانت هنالك كتابات تنشر أن الإسلام واحد وليس هنالك إسلام يمين وإسلام يسار، لكننا كنّا نرد بأن الإسلام فيه يمين ويسار وفيه التقدّمي والرجعي وفيه مَن يساند الاستبداد وفيه مَن ينكر ذلك.

ويضيف أن "الإسلاميين التقدميين ابتعدوا عن ممارسة السياسة في آخر الثمانينيات واهتمّوا بالفكر والثقافة، لذلك أسسوا جمعية منتدى الجاحظ سنة 1990، ثمّ قرروا سنة 1991 التوقّف عن إصدار مجلّة 15/21 لأنهم رفضوا الدفاع عن حركة النهضة وعن أفكار وآراء لا يقتنعون بها، وفي المقابل أرادوا تجنّب أن يقع توظيفهم من قبل السلطة لمهاجمة النهضة".

وبعد سنوات من الانشقاق والتباعد السياسي، عرفت العلاقة بين رموز اليسار الإسلامي وحركة النهضة بعض التقارب تُوّج بالتحاق أحد رموز هذا التيار، محمد القوماني، بحركة النهضة، سنة 2016، ليُنتخب عضواً في البرلمان التونسي في سنة 2019.

وبخصوص التحاق بعض رموز اليسار الإسلامي بحركة النهضة خلال السنوات الأخيرة، قال القوماني إن حركة النهضة تطوّرت خاصة في القضايا الفكرية لا سيما بعد المؤتمر العاشر (تقرر فيه فصل الدعوي عن السياسي) ثم إنّها أتاحت للملتحقين الجدد أن يحافظوا على أفكارهم بكلّ حرية.

وأضاف القوماني أن "حركة النهضة أصبحت أكثر انفتاحاً، وهنالك تيار كبير داخلها يتبنى مرجعيات حقوق الإنسان".

"لم تخرج من جلباب الإخوان"

في قراءة أخرى للأمور، يرى المؤرّخ عميرة عليّة الصغيّر أن تيار الإسلاميين التقدّميين لم يخرجوا أصلاً من عباءة الإخوان المسلمين، ويقول إنهم "كانوا مجموعة بقيت في إطار ضيّق أنهكتها ردّة فعل السلطة وأخذت منحى فكرياً نقدياً للواقع دون التورّط في تنظيم سرّي أو في مغامرات مسلّحة أو في محاولة تغيير النظام المجتمعي بطرق ملتوية أو غير ذلك، لذلك تعاملت معها السلطة بمنطق المنفعية والانتهازية من أجل مواجهة الطرف الآخر داخل الحركة الإسلامية".

ويضيف لرصيف22 أن "السلطة كانت تنظر إلى هذا التيار على كونه حركة إسلامية سياسية لكن الفرق بينه وبين حركة الاتجاه الإسلامي هو كيفية التعامل مع السلطة القائمة رغم أن الحركتين كانتا سليلتان لحركة الإخوان المسلمين".

ويعتبر الصغيّر أنّ الإسلاميين التقدميين لم يخرجوا من جلباب الإخوان المسلمين وظلّوا أوفياء للفكر الإخواني الذي بناه حسن البنّا وسيد قطب، رغم اهتمامهم بمسألة العدالة الاجتماعية، إذ إنّهم، برأيه، حافظوا على رؤية الإخوان في النظرة إلى المجتمع والسلطة والميراث الديني وفهم النصّ وكيفية تنزيله وتمسكهم بالشريعة وإعادة تدوير الماضي واستعماله في الحاضر.

كما يعتبر المؤرخ التونسي أنّ التيار كان تنقصه شجاعة الإقرار بأنّ النص الديني هو وليد مسار تاريخي معيّن وأحكامه تبقى مرتبطة بذلك الظرف والواقع الاجتماعي الذي ظهر فيه.

ويتابع أنّ المنبت العقائدي لليسار الإسلامي كرر بناء حركة إسلامية تقليدية أعادت إنتاج الماضي وأظهرت عدم قدرة على الانسجام مع منجزات الإنسانية.

ويشير إلى أن الإسلاميين التقدميين تقاربوا بشكل نسبي مع التيار القومي باعتبارهما يلتقيان في مشترك الدفاع عن الهوية الموروثة بينما اختلفا تماماً مع اليسار التقليدي الماركسي والقومية الناصرية اللذين كانا يرفضان أي تقارب مع تيارات إسلامية عقائدية.

مآلات التيار

لم يستطع الإسلاميون التقدّميون فرض أنفسهم كتيار جديد في الساحة السياسة وبقوا تياراً نخبوياً فئوياً اهتمّ بالجوانب الفكرية والثقافية دون أن يمتدّ شعبياً. ويرجع محمد القوماني ذلك إلى أن التيار كان تحت المراقبة المستمرّة من النظام رغم أنه لم يدخل في مواجهة معه.

كما يلفت القوماني إلى أن "التيار كان في مرمى النقد من الاتجاه الإسلامي وأتباعه و الأحزاب اليسارية، وعبّر عن ذلك الدكتور المصري حسن حنفي عندما قال في أحد الحوارات الصحافية إنّ اليسار الإسلامي تنظر إليه الحركة الإسلامية على كونه تياراً شيوعياً وينظر إليه اليسار على كونه من الإخوان المسلمين بينما ترى السلطة أنّه كيان إخواني شيوعي".

ورغم أن الفرصة كانت مؤاتية بعد الثورة التونسية عام 2011 لتأسيس حزب يترجم آراء وأفكار الإسلاميين التقدميين إلى برنامج واضح المعالم، إلا أن قيادات التيار اختلفت حول مشروع معيّن وأسس محمد القوماني مع بعض الإسلاميين التقدميين وغيرهم حزب الإصلاح والتنمية بينما رفض البعض فكرة الحزب السياسي على غرار حميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي ولم يعمّر الحزب كثيراً، إذ حُلَّ عام 2016.

ورغم عدم نجاح هذه التجربة جماهيرياً وانضمام بعض رموزها إلى حركة النهضة في تونس إلا أنها بقيت تجربة ثريّة ساهمت في اقتحام مجالات في الفكر الإسلامي لم يتطرّق إليها أحد.

وفي هذا السياق، يقول صلاح الدين الجورشي "إن الأهمية الحقيقية لتجربة الإسلاميين التقدميين ليست في كونها رقماً تنظيمياً انضاف إلى رقعة الحركات الإسلامية التونسية. لو اقتصر الأمر على هذا البعد التنظيمي، لما استحقت المحاولة الوقوف كثيراً عندها، لأنها من هذه الزاوية كانت تجربة فاشلة ومتعثّرة لم تصمد كثيراً مقارنة بغيرها، كما لم تتميز التجربة بتضخم عدد بناتها وأنصارها فهي لم تخض غمار الصراعات السياسية الكبرى".

ويشير حميدة النيفر إلى أنّ "بعض الأطروحات التي اعتمدها الإسلاميون التقدميون أصبحت اليوم في أماكن أخرى من العالم العربي والإسلامي متداولة أو مقبولة"، ويتساءل: "أية نخب كان يمكن أن تظهر في هذه الجهة من المغرب لو أمكن لهذا المشروع/ الجسر أن يتسع أو يتدعّم؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard