وأخيراً امرأة تشبهنا! شكراً لتجاعيد مونيكا بيلوتشي

الاثنين 6 سبتمبر 202110:40 ص

هل رأيتم صور مونيكا بيلوتشي الأخيرة؟ أعني تحديداً الصور التي بدا فيها وجهها على طبيعته، مليئاً بالتجاعيد، من دون تدخّل برامج الفوتوشوب والفلترة المعتادة؟ هذا الوجه البديع الذي استأثر بقلوب مئات الملايين من البشر، بملامحه الساحرة الهائلة الجاذبية، لصاحبته التي بلغت الخامسة والخمسين، بدأت أخيراً تظهر تجاعيده، غير آبهةٍ بسمعة هذه المرأة التي وُصفت بأنها ربّة، وبأنها أكثر نساء التاريخ جمالاً، وعدّها خبراء جمال مختصون ثالث أجمل النساء في تاريخ إيطاليا. هكذا وبكل بساطة نتفاجأ بأنها مِثلنا، تكبر، وتتأثر، بفرشاة الزمن الذي يخط تجاعيده، من دون إذن، ولا اعتذار!

ولكن، أليس هذا هو السياق الطبيعي للحياة؟

ولماذا لا ننظر إلى الأمر، بعين تستطيع تذوّق العذوبة التي تمنحها التجاعيد، لكون أنها تعتّق بين طياتها التجارب، والأفراح، والمسرّات، والخبرات، وعلاقات الحب؟

مهلاً،

إنّ هذا المقال، ليس عن بيلوتشي التي درج الغوغاء على استخدام صورها، عندما كانت في العشرين، والثلاثين، من عمرها، ليغيظوا بها بقية نساء الأرض، حين تُرفق صور صباها تلك بعبارة "انظروا إليها، إنها في الخامسة والخمسين"، بل ويمعن البعض في هذا الحمق، حين يقومون بفلترة وجهها، ليصبح أقرب إلى شخصية خيالية من فيلم ثلاثي الأبعاد، وكأن كمالها لا يكفي، طالما بالإمكان استخدام وسائل إضافية لجعله خارقاً من فرط الإبهار، مع العلم أن جمالها بالذات، انتقل إلى مرحلته الموجعة، وشهرته الواسعة، بعد تجاوز صاحبته الأربعين عاماً، ولو تأملنا قليلاً، على العموم، لأكّدنا أنه كان لا بد من الاستعانة بها، في هذا المقال، لنضرب مثالاً، لا سيما أنها أيقونة الجمال الأشهر في العالم.

 هكذا وبكل بساطة نتفاجأ بأنها مِثلنا، تكبر، وتتأثر، بفرشاة الزمن الذي يخط تجاعيده، من دون إذن، ولا اعتذار

يُصدّق الناس الصور الجميلة للنجوم والمشاهير. الصور كونها وجبة سائغة لا تحتاج إلى عُصارات فكرية، ولا فلسفية، لتهضمها النفس، وتتناولها العين بترحاب شديد، وتنزعها من إطارها الجاهز، لتخلق لها عالماً موازياً فيه الكثير من الفانتازيا، والخيال، والتصورات المرتبطة بالمُشاهد، أكثر من ارتباطها بالشخص، أو الأشخاص الموجودين في الصورة. لا أحد يشغل باله بأنّ ما تقدمه الصورة مجرد لقطة توثيقية للحظة عابرة، لحظة غير معنية بتقديم الواقع، بلا تزييف، ولا بطبيعة المشاعر التي تخفيها الوجوه المبتسمة، احتراماً للكاميرا، ولا بعدد العتبات والمطبات البشعة التي يترتب على الأشخاص الموجودين في الصورة تجاوزها في الكواليس، قبل تموضعهم بطريقة فاتنة ومؤثرة تخطف الألباب، وتبث الغيرة والحسد في نفوس العامة.

ولأن الجمال المرتبط بالترف الذي تجسده صورة النجوم والمشاهير أصبح حلماً، ومسعىً أساسياً لعدد كبير من الناس، فمن الطبيعي أن يسلك الكثيرون الدرب المفترض للوصول إلى تحقيقه. الدرب الذي تمّ تخيله، لا التأكد من خريطته وعقباته. درب مرتبط بثقافة الناظر، وبتركيبته الذاتية، وطريقة تفكيره، الأمر الذي يدفعه في أحوال كثيرة إلى اتخاذ قرارات، غالباً ما تكون خطأ، وسطحية، فلا يقطف صاحبها منها عنب الشام، ولا بلح اليمن.

لكن، ما هو أسهل طريق نحو الشهرة والنجومية والثراء، حسب تصور أولئك الذين يتعاملون مع الصورة المثالية بهذه الذهنية المستعجلة، أو الساذجة، في حال طرحنا السؤال من دون مجاملة، أو تزويق؟ بالأحرى، ما هي الوسيلة التي تعتمدها نساء وفتيات شرقيات كثيراتٌ، لتحقيق أحلام اليقظة التي تثيرها لديهنّ صور النجمات، والفنانات الجميلات، حول العالم؟

من المؤسف أن يكون الجواب البديهي على هذا السؤال: عمليات التجميل.

أبرز ملامح الألفية الجديدة، تطور علاقة الناس مع مفهوم جمال الشكل، والمظهر، إلى آفاق غير مسبوقة، فعلى الرغم من قِدم هذه العلاقة، وعراقتها عبر التاريخ، لم يحدث أنها تحوّلت إلى صناعة قائمة ورائجة في حد ذاتها، مثلما حدث في العقود القليلة المنصرمة، فمن الدنوّ الناعم إلى وجه الإنسان، وجسمه، عبر سبل العناية الكلاسيكية، من مساحيق تجميل، ومشدّات، وفيتامينات، ومستحضرات، وارتياد الصالونات والأندية الرياضية، إلى تلك الثورة التي نراها اليوم في عالم التجميل، والتي جذبت زبائنها، بغض النظر عن الجنس، نساء ورجالاً، والتي لم تتردد في إحداث تغييرات جذرية أحياناً، في هيئة الشخص، لتبدو الحالة أقرب ما يمكن إلى وجه وجسد مصنوعَين، نزولاً عند رغبة الزبون، إذ لا حدود تَحول بين المرء، وبين النموذج الجمالي الذي يحلم به.

أصبح الأمر ظاهرة تتفاقم مع الوقت، منذ بداية عصر الفضائيات العربية، واستخدام أسلوب الفيديو كليب، لانتشار الأغاني الحديثة، إذ من المعروف أن كل واحد من هذه الفيديوهات، يُبرز في كل مرة، من واحدة إلى عشرين صبية وامرأة، ممن تمت قولبتهن حسب مفاهيم السوق الرائجة، من دون أدنى حسّ فني رفيع بالجمال. بمعنى أن الذائقة التي تحكّمت بالأمر، بدت أمّية للغاية، والرابح الأكبر من هذه الموضة المحمومة، أطباء التجميل بالطبع، خصوصاً مَن يمتلك ذهنية التاجر، أو الجزّار منهم، فهم يحاولون جرّ الزبونة إلى تجربة ما هو رائج، بغض النظر إن كان هذا الرائج يلائم ملامحها الأصلية، أم يشوّه طلتها؟

أبرز ملامح الألفية الجديدة، تطور علاقة الناس مع مفهوم جمال الشكل، والمظهر، إلى آفاق غير مسبوقة، فعلى الرغم من قِدم هذه العلاقة، وعراقتها عبر التاريخ، لم يحدث أنها تحوّلت إلى صناعة قائمة ورائجة في حد ذاتها، مثلما حدث في العقود القليلة المنصرمة

"نصيحة للرشاقة: انفقي أموالك كلها على الفيلر، حتى لا يتبقى معك ما تشترين به طعاماً".

هذه العبارة قرأتها في صفحة أحد أطباء التجميل المحليين، وأعتقد أن هذه "النصيحة" كفيلة بزيادة عدد ضحاياها من النساء الخائبات، على الرغم من وضوح الغاية المادية للطبيب، من وراء نشر كلام "متظارف" كهذا، فكل حَقن فاشل سيقود إلى حقن آخر، محاولاً إصلاحه، والثاني سيقود إلى ثالث، في زاوية أخرى من الوجه، بحجة أنه لا بد من تعميم النفخ، لجعل الوجه متناسقاً مع بعضه، ما يجعلنا مع الوقت نرى نسخاً صادمة للغاية عمّن كنا نعرفهن من النساء العاديات، أو حتى العاملات في مجال الموضة والفن، وأسوأ ما في الأمر، أنّ بعضهن لم يكنّ في حاجة إلى هذا التخريب كله، فجمالهن الطبيعي كان كافياً للغاية، بل وفي بعض الأحيان مميزاً واستثنائياً، لكنها العدوى، عدوى وباء الفلترة، والهوس بالشكل على حساب المضمون، وبالاستعراض السريع الفاقع على حساب الأثر الهادئ الذي ينقش جاذبيته في وجدان الآخرين. بتعبير أدق: معظم السيدات المهووسات بهذا الأمر، اشتغلن على القشرة، ولم يبذلن جهداً يُذكر في بناء شخصية جذابة من الداخل، وبإمكانها الاستغناء عن هذا اللهاث كله الذي بلغ حدوداً غير مقبولة.

لنعد إلى النجمة التي بدأنا بها هذا المقال، فعلى الرغم من عالميتها، وملاحقة الكاميرات لها على مدار الساعة، أبتْ أن تعبث مشارط التجميل وحقنه، بوجهها، كما عبثت وتعبث تلك المشارط والحقن بوجه فناناتنا الشابات، والمتقدمات في السن، على حد سواء، فأصبحت صور الكثيرات منهن، بعد النفخ والشد والنحت، مثاراً للجدل، ولا أبالغ إذا قلت إنّ المغالاة في إجراء عمليات التجميل، قد ساهمت في زيادة ظاهرة التلوث البصري، بما هو نافر وخارج عن السياق المألوف.

إنّه سباق مسعور لا مبرر له، فلماذا على سيدة في الخامسة والخمسين مثلاً، أن تبدو في العشرين، أو الخامسة والعشرين؟

ولكيلا يبدو الأمر متطرفاً، إنّ المرء العصري لا يستطيع أن يتخذ موقفاً حاداً من الجراحات التجميلية برمّتها. هذا صعبٌ فعلاً، كمن يقف في وجه السيل الجارف، ويطلب منه أن يغير اتجاهه. إنّما الاعتراض، عموماً، على الصيغة التي حوّلتها من فنّ إلى جِزارة، أو إلى ورشة لتبديل القطع البشرية بقطع غيار جديدة، إذ لم تعد تكتفي بترميم بعض العيوب، أو معالجة الترهلات، بلمسة حاذقة تبدو المرأة فيها هي ذاتها، إنما أكثر إشراقاً، بل أصبح من المعتاد رؤية النموذج المهووس بالأمر، من النساء، إذ تذهب إحداهن بشكل آلي إلى الطبيب المختص، لا لتحافظ على مظهرها الشاب أطول مدة ممكنة، بل لتصبح لديها شفاه تلك النجمة، وأنف تلك المغنية، وغيره وغيره، بمعنى أنها تدفع ثمناً لشراء الرائج في السوق، سواء أكان ملائماً لها، أو كان من شأنه أن يشوّه مظهرها كلياً.

إنّه سباق مسعور لا مبرر له، فلماذا على سيدة في الخامسة والخمسين مثلاً، أن تبدو في العشرين، أو الخامسة والعشرين؟ ألا ينبغي على من يتعامل مع علامات التقدم في السن، على أنها عيب، أو علة، أن يتوقف عن التفكير بأسلوب غرائزي مراهق، ولنتفق على أنّ العناية بالنفس ضرورية، بما يناسب كل سيدة على حدة، وبما يناسب سنّها؟ وكم من سيدات في الأربعينات، والخمسينات، والستينات، أثبتن حضوراً وجاذبية، عجزت عن تحقيقها الشابات الصغيرات؟

لكل عمر بهاؤه، وليتوقفْ الجميع إذاً، عن دفع النساء، بمختلف أعمارهن، إلى خلق نسخ كربونية مملة، أو دمى تشبه لعبة باربي المصنوعة من البلاستيك، مصطنعة، وجامدة، وبلا تعابير صادقة، ومريحة. أعتقد أن الأوان قد آن لكي يدرك الجميع أن نسخ باربي البشرية، ليست جميلة على الإطلاق، وأنها مزيفة أكثر مما ينبغي.

وإن كان الرجال يفضّلونها باربي، كما يُشاع، ولا أظنّ هذا الزعم صحيحاً، فليتخيلوا مدى سوء أن تنتشر تلك الموضة، بشكل محموم، بين الرجال، ليصبحوا مضطرين لاحقاً إلى أن يقلّدوا نموذج باربي ذكوري، رائج، وتدعمه عيادات التجميل. إنّ هذا مُنفّر تماماً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard