اسمه مكتوب على جزرة، ووجه مريم مرسوم على القمر... الحاجة إلى إثبات وجود الله

الجمعة 3 سبتمبر 202112:47 م

ليس مدهشاً ذلك الدأب الذي لا ينتهي عند المتدينين، وبشكل خاص أصحاب الديانات السماوية، على الاستدعاء الدائم لله، إلى ساحة الضوء، سواء من طريق الدعاء والتضرع، أو من طريق جلب أدلة وبراهين تثبت وجوده أمام الخصوم. أعتقد أن إثبات وجود الله، وشرح تلك الدلائل والردود كلها، في وجه اللا دينيين، ما هي إلا عملية إثبات للذات، قبل الإثبات للغير. ثمة شك دائم لدى المتديّن، لا يعرف الفكاك منه، ولذلك نجد حالة القلق المرعبة حين يتعرض معبوده للنفي. فالإنسان في النهاية، ما هو إلا فرد وُلد بفطرة صحيحة ترفض بشكل طبيعي التناقضات كلها التي تغلّف وجود الله، وأكثر ما يدل على هذا الأمر، هو أسئلة الأطفال المفحمة لأهاليهم. هم ببساطة لم "يتخشّبوا" بعد، ولم يصلوا إلى مرحلة الانسداد المسبق الذي يصبّه المجتمع في نفوس الجميع. ما من شيء أكثر دقة وإفحاماً من سؤال طفل يعرّي به هذا الكائن، الذي قالوا له إنه ملك المحبة، فتجده يسأل ببساطة تامة: لماذا يأخذ الله أمي، لو أنه حقاً يحبنا؟ وغيرها من الأسئلة التي تثير مسألة وجود الشر وراء الأفعال.

إثبات وجود الله، وشرح تلك الدلائل والردود كلها في وجه اللا دينيين، ما هي إلا عملية إثبات للذات، قبل الإثبات للغير

لا نجد حاجة لدى أصحاب الديانات الأرضية، لإثبات أن الشمس تشرق، أو أن القمر ينير، أو أن للعناصر فعلها الفاعل. ها هي الريح تأخذ المحصول، لأنها غاضبة، وها هي الشمس تزورنا كل يوم، لأنها فرحة. في المقابل، نجد أن المتدينين السماويين منشغلون دائماً بقضايا الإثبات، وإفحام الخصوم الناكرين، وبطرق سخيفة، كأن يرون اسم الله مكتوباً على جزرة، في أحد الحقول، أو في الغيوم، أو على جلد حمار وحشي، أو بقرة. هذا كله يترافق مع عيون مشدوهة، وأفواه فاغرة، لشدة الإعجاز، وقد يصل الأمر إلى أن يقبع لفظ الجلالة في فناجين القهوة، وعلى رمل الشاطئ، وفي شهد العسل، وعلى جسد فتى في أفغانستان، أو في المغرب، أو في أي مكان على هذا الكوكب. وقد حدثت ضجة كبيرة في كاتدرائية تورين، حين قيل إن كفن تورين يحمل صورةً لوجه المسيح، أو أن القمر يحمل وجه مريم العذراء، أو أن الصليب وُجد على جناح فراشة، أو جرادة، أو أن نجمة داود واضحة وضوح الشمس على جسد وليد، في مكان ما لا نعرفه بالضبط. وقد اشتهرت لوحة قديمة -عُلّقت على جدران الكثير من البيوت والمحال التجارية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وربما ستجدها حتى هذه الساعة- تُظهر معجزة مهولة، وهي عبارة عن مجموعة من فروع الأشجار المتشابكة، وقد ظهرت "الشهادتان" الإسلاميتان، من خلالها، بطريقة واضحة بالعربية: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". تكاد دقة الكتابة في الغابة/ الصورة تُظهر لك حتى تشكيل الكلمات. يدّعي التوثيق أن الصورة تعود إلى مصور قد أسلم بعد التقاطها فوراً، ويقال كذلك إن الكثير من الألمان قد اعتنقوا الدين الإسلامي، عندما شاهدوا المعجزة، وقد وضعت الحكومة الألمانية سياجاً معدنياً حول هذا الجزء من الغابة، لمنع الناس من زيارته، ومشاهدة هذا الإعجاز الإلهي. لم يكن الإنترنت منتشراً آنذاك، ولم يكن لدينا ألف صديق/ ة لجأوا/ ن من سوريا إلى ألمانيا، كي نتحقق من الأمر.

إذاً، جميعها تمظهرات عشوائية من الممكن أن تأخذ شكل حركة ما، بحكم المصادفة المحضة، وهنا سيُسقط المتدين عليها رغبته بالتشبيه، حتى يؤكد ما في رأسه وخياله، بينما لن يستوقف المؤمن شكل شجرة تتبول، أو شكل صخرتين تمارسان الجنس، أو أياً من الإمكانيات التي تخلقها المصادفة ذاتها. وقد يثير ذلك صراعاً مع المشككين الكفرة، أولئك الذين يقولون: هذه ليست إلا صوراً مفبركة، ليرد المتدين هنا ردّه المتوقع: إن كنتم في ريب، فأتوا بمثله، مستنداً إلى ما ورد في القرآن الكريم "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"، وإلى ما هنالك من آيات التحدي في القرآن. لست محتاجاً إلى دراسات أكاديمية معمقة، ومناهج وصفية تحليلية، وغيرها، لتدرس هذه الظاهرة. ليس عليك إلا أن تتابع كمية التعليقات، واللايكات، التي تحصدها صورة من هذه الصور، على الفيسبوك، وحاول أن تكتب تعليقاً يشكك في الصورة بشكل علمي ولطيف فحسب، مستفسراً، وبعيداً من السخرية. هنا فحسب، ستفهم حجم المشكلة، وقد يُهدر دمك ببساطةٍ عشرات المرات. إنك تهز كرسي اليقين المهزوز أصلاً، وتعيق عملية توقيع الله، على سجل الدوام اليومي.

ثمة متدينون أكثر تطوراً وفهماً، ويملكون نتيجة تطور هذا السجال التاريخي (الإثبات والنفي)، أجوبة أكثر تماسكاً وقوة، من أقرانهم المدافعين عن وجود الله، بطرق بسيطة. أجوبتهم التي تجعل الله في ركن صعب المنال، وصعب أن يخضع فيه للبحث والأدلة.

طبعا يمكن إرجاع هذه الحالة، حسب العلم، إلى ظاهرة الباريدوليا Pareidolia، وتتضمن هذه الظاهرة النفسية الاعتقاد بأن أي مؤثر عشوائي مبهم قد يكون مهماً، مثل تخيل صور للحيوانات في السحاب، ورؤية وجه رجل على سطح القمر، أو سماع أصوات خفيّة في التسجيلات، عند تشغيلها عكسياً. وغالباً ما يكون السبب وراء انتشار هذه الظاهرة بين الناس، هو "الحاجة إلى إعطاء زخم لقضية دينية، أو فكرية ما، أو لدعم إحدى نظريات المؤامرات في العثور على دلائل خفية لها".

"عشر أدلة علمية تثبت وجود الله... الفيديو الذي يبحث عنه الملحدون كلهم"، وغيرها من العناوين التي تدس مفردة علم، أو علمية، أو عقل. من جهة أخرى، تُعد قضية إثبات وجود الله، غير مقتصرة على رجال الدين، أو المتدينين فحسب، فقد انشغلت الفلسفة، منذ بداياتها، بهذا الموضوع المربك. ويتشعب هذا البحث إلى مسائل غاية في الدقة والتمايز، من بينها مشكلة تعريف الله، إذ ليس هناك أي تعريف متفق عليه، ليس بين الأديان، ولا حتى غير المتدينين. فكيف يمكن إثبات أو نفي وجوده؟ تبرز مثلاً مشكلة الصفات الإلهية المطلقة: المحبة المطلقة، والمعرفة المطلقة، والمقدرة المطلقة. هذه الصفات هي مادة دسمة لغير المتدينين، ليثبتوا من خلالها، وبشكل منطقي، تعارض هذه الصفات.

في الأحوال كافة، موقف اللا دينيين أقل إرباكاً منه عند المتدينين، استناداً إلى القول الشهير "البيّنة على من ادّعى". فالملحد يملك أرضية أكثر صلابة وثباتاً، شرط أن يكون إلحاده ليس مجرد تقليد وموضة، عادة ما ترتبط بمرحلة المراهقة، والشباب، وجموحهما، في مقابل المتدين الذي ينشغل طوال حياته تقريباً، في إثبات وجود الله بالأساليب كافة، فتبدو حاجة إلى الإثبات تخص المتكلم، وليس السامع.

ثمة متدينون أكثر تطوراً وفهماً، ويملكون، نتيجة تطور هذا السجال التاريخي (الإثبات والنفي)، أجوبة أكثر تماسكاً وقوة من أقرانهم المدافعين عن وجود الله، بطرق بسيطة. أجوبتهم التي تجعل الله في ركن صعب المنال، وصعب أن يخضع فيه للبحث والأدلة. إنهم يجعلونه، ببساطة، مخفياً ومتخفياً، إلى درجة عدم الوجود تماماً، وهذا موقف جميل في حد ذاته، ويشير إلى إيمان وتسليم مطلوبين، في حقل المعرفة الدينية، كما أوضح كانط، وليس ذلك الدأب الذي لا يهدأ في محاولات الإثبات للذات أولاً، وللآخر ثانياً، وجود كائن متعالٍ يسكن مكاناً غامضاً، لكن اسمه مكتوب على شجرة، أو جلد دابة، ليبدو موظفاً متسيباً مطلوب منه أن يسجل حضوره كل يوم، على دفتر دوام المتدينين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard