المرجئة دين الفاشية

الجمعة 23 أبريل 202112:02 م

يقول الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: "الإرجاء على معنيين أحدهما بمعنى التأخير والإمهال، والثاني يعني إعطاء الرجاء و قد أُطلق عليهم لأنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وقيل الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة". وترجع تسمية المرجئة إلى موقفهم من قضية مرتكب الكبيرة، إذ كان رأيهم هو إرجاء الحكم إلى الله سبحانه و تعالى دون أن يكفروه كما ذهب الخوارج، ودون أن يجعلوه في منزلة بين الكفر و الإيمان كما ذهب المعتزلة.

تُرد إلى بعض الصحابة الذين اعتزلوا ما أُطلق عليه الفتنة الكبرى كعبد الله بن عمر و عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود، على أساس اشتباه القضية وعدم الزج بأنفسهم في الصراع. إلا أنه بالطبع موقف انتهازي انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث ومن ينتصر. فلما انتهى الصراع بغلبة معاوية بن أبي سفيان أيده المرجئة وكرسوا آرائهم لتبرير سياسته، ومن أهم هذه الآراء: إرجاع البت في مرتكبى الكبيرة إلى الله، الإيمان هو التصديق بالقول دون الفعل، القول بأن "ما دون الشرك مغفور وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام و اجترح من السيئات". يستنتج من هذه الآراء الآتي: عدم معارضتهم لبني أمية، تبرير موقفهم الانتهازي المتخاذل، تبريرهم الواضح لاغتصاب بني أمية للخلافة، ودليل على تأييد المرجئة لأي نظام حاكم بغض النظر عن شرعيته. لذلك حظيت المرجئة بعطف بني أمية الذين بطشوا بكافة الفرق الأخرى. فقد أقام شيوخهم في دمشق وحظوا بإغداقات الأمويين، ثم عملوا على نشر مذهبهم في العراق و ذلك من أجل خدمة المخطط السياسي الأموي.

البورجوازيات العربية التي ارتبطت مصالحها بمصالح الرأسمالية العالمية، خصوصاً في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، هي الأمثلة التي انتهجت شعارات كاذبة تحت زعم القومية العربية

أما عن مرجئة هذا العصر في منطقتنا العربية فهم يمثلون النسخة الأكثر بشاعة وقسوة، انطلاقاً من علاقات الإنتاج القائمة على القهر الطبقي وتراكم الثروة ومصادرها في يد أوليجاركيات حاكمة، معظمها عسكرية، وإن وُجدت فمستترة خلف الحكم المدني. إذا تطرقنا لأمثلة فسنجد أن البورجوازيات العربية التي ارتبطت مصالحها بمصالح الرأسمالية العالمية، خصوصاً في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، هي الأمثلة التي انتهجت شعارات كاذبة تحت زعم القومية العربية والتحرر الوطني، وخلفها دعم ديني رهيب من مؤسسات تلك الأنظمة الاستبدادية الدينية على رأسها الأزهر في مصر. فأنظمة مثل الأسد في سوريا و صدام حسين في العراق والقذافي في ليبيا والبشير والترابي في السودان وعبد الناصر والسادات ومبارك في مصر، ارتكبت من الجرائم ما ارتكبت في حق الشعوب تحت نعرات القومية العربية والطائفية المذهبية والاثنية. حيث يتم تصوير ما ارتكبته تلك الأنظمة من جرائم إبادة و نهب منظم ممنهج لثرواتهم، على أنها معاص لا تضر مع الإيمان. وهي أنظمة اسلامية و يؤجل حسابها عند الله في الآخرة. لذلك انتشرت مقولة إجرامية مفادها: "وعند الله تجتمع الخصوم"، بدلاً من "وعند الشعوب يجتمع اللصوص و الناهبين لعقابهم و محاسبتهم".

لذا، فهي أفعال تؤجل حسابها عند الله. لكن دعهم يستمتعون بالدنيا وينعمون بثروات الشعوب وخيرات أراضيها. وفي نفس الوقت يقاومون قوى الإمبريالية العالمية المتربصة بالشعوب العربية. دعهم يمانعون الصهيونية العالمية وفي نفس الوقت يقصفون بيوتاً وقرى ويقتلون ويشردون ويعتقلون ويسحقون ما يشاؤون. بل هم في أحيان كثيرة أسوأ من ممارسات الكيان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني.

نضرب مثالاً شهيراً بما فعله أنور السادات (1970-1981) من إدماج الجماعات الإسلامية في المجتمع المصري بشكل فاعل على الأرض، حيث التغلغل داخل بنية المجتمع وعقله ووعيه داخل الأسر والمدارس والجامعات والإعلام، ومن ناحية أخرى نظام سياسي فاشي عسكري مصطبغ بصبغة دينية تمثلت في كوميديا تلقيب السادات نفسه بالرئيس المؤمن على جبهته زبيبة صلاة، وكوميديا أخرى اسمها دولة العلم والإيمان. فقد أطلق السادات إشارة البدء للتحول الكامل إلى دولة دينية ذات أساس طبقي، حيث أصبح هو رجل دين برتبة عسكرية. فأفسحت الدولة المجال للشعراوي وعبد الحليم محمود ومحمد الغزالي ومصطفى محمود؛ الطبيب صاحب أكبر تلفيق وتزييف وعي المصريين عندما فتحت له الدولة التلفزيون ليقدم برنامجه الأشهر "العلم والإيمان"، وغيرهم، ليبرروا جرائم واستبداد الدولة في حق الشعب. مثلما قال الشعراوي نفسه في إحدى جلسات مجلس الشعب إن رئيس الجمهورية لا يُسأل عما يفعل.

المرجئة هي دين الفاشية وهي دين هذا العصر المقيت الظالم، الذي- أي دين الإرجاء- يساهم في قتل الإنسانية و نهب حقوق الشعوب، لتُؤجل القضية للآخرة المزعومة المنتظرة

على الرغم من أن الأساس هو الصراع الطبقي الذي أنشأ علاقات قوة ونفوذ هي الحاكمة والفاعلة في مجتمعات المنطقة العربية- بل أعادت هذه العلاقات إنتاج نمط القبيلة وأعرافها وسلوكياتها الحاكمة لها. إلا أن هذا الصراع أفرز بنيته الفكرية المتعددة ومن ضمنها الأساس الديني التبريري الذي يضمن أكبر قدر ممكن من السيطرة على عقول الشعوب، لما للدين من قداسة وتعظيم كبير في نفوس شعوب المنطقة العربية، الأمر الذي قد هيأ قدراً كبيراً للسلطويات العربية الفاشية من الأريحية في ارتكاب الجرائم، لأن المبرر الديني الذي سيملأ عقول الشعب موجود.

فضلاً عن انتشار و ازدهار مقولات إجرامية عفنة مثل: "عند الله تجتمع الخصوم" و"ربنا مش هيسيبه" و "يمهل ولا يهمل" و"هيروح من ربنا فين في الآخرة"، وكأنهم يقولون دعوا الحاكم وجوقته الفاسدة يملؤون الأرض ظلماً وفساداً وإجراماً، و اتركوا حسابهم عند ربنا فإنه إله عادل وحق ولن يتركهم. لذا تُعد المرجئة هي دين الفاشية وهي دين هذا العصر المقيت الظالم، الذي- أي دين الإرجاء- يساهم في قتل الإنسانية ونهب حقوق الشعوب، لتُؤجل القضية للآخرة المزعومة المنتظرة. يقول مكيافيللي في كتابه الأمير موجهاً نصيحته إلى حاكم فلورنسا :"إن الدين ضرورة لا لخدمة الفضيلة بل لتمكين السيطرة على الناس".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard