"مات مراراً فانتفض عن التراب ومزّق الأكفان"... قصة الخليفة المزيّف الذي حكم في الأندلس

الجمعة 10 سبتمبر 202104:11 م

حادثة أشبه بسيناريو درامي، ولكنها جرت فعلاً عام 426هـ، في إشبيلية، في بلاد الأندلس، كان بطلها القاضي ابن عباد حين أتى بشخص يُدعى "خلف"، يعمل حصرياً في مسجد، وزعم أنه الخليفة هشام المؤيد، عاشر الحكام الأمويين في الأندلس، على الرغم من مقتل المذكور قبل نحو 22 عاماً، ووضع خلف هذا على رأس الدولة، بهدف تثبيت سلطته.

من هو القاضي ابن عباد؟

تصفه المرويات التاريخية بأنه المؤسس الفعلي لدولة بني عباد في إشبيلية في الأندلس (جنوب إسبانيا حالياً). وهو، كما ذكر الزركلي في الجزء السادس من كتابه الشهير "الأعلام": "محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد، من بني عطاف بن نعيم اللخمي، من نسل ملك الحيرة النعمان بن المنذر، كنيته أبو القاسم، ويقال له القاضي ابن عباد، أصله من العريش (بين مصر والشام)".

ويوضح الزركلي أن "ابن عباد كان في بداية أمره قاضياً بإشبيلية، أيام استيلاء القاسم بن حمود (ثامن خلفاء الأندلس) عليها، بعد زوال دولة الأمويين، ثم استقل بها، وتلقب بالظافر، وتملك قرطبة (تقع في جنوب إسبانيا حالياً)، وغيرها".

وروى الحافظ الذهبي، في مؤلفه "نزهة الفضلاء: تهذيب سير أعلام النبلاء"، أن ابن عباد الذي دخل أبوه الأندلس "برع في العلم، وتنقلت به الأحوال، ووُلّي قضاء إشبيلية في أيام بني حمود العلوية، ورمقته العيون، وكان يحيى بن علي بن حمود (تاسع خلفاء الأندلس) ظلوماً، فحاصر إشبيلية، فاجتمع الأعيان على القاضي، وأطاعوه، ثم قالوا: ‘انهض بنا إلى هذا الظالم، ونملكك’، فأجابهم، مؤكداً أنه نجح ودانت له الرعية، ولقب بالظافر، ثم إنه تملك قرطبة وغيرها".

ويشير الدكتور راغب السرجاني، في مؤلفه "قصة الأندلس"، إلى أنه "كان من أشهر أعمال القاضي أبي القاسم بن عباد أثناء ولايته إعلانه ظهور الخليفة هشام المؤيد، وتجديد البيعة له خليفة بإشبيلية، وأنه قد عثر عليه حياً وذلك سنة 426هـ (1035م)".

كذبة لم يقع الدهر في مثلها

يصف ابن حزم الأندلسي في الجزء الثاني من مؤلفه "رسالة نقط العروس في تاريخ الخلفاء "، الواقعة الغريبة التي أقدم ابن عباد على فعلها، بأنها "أخلوقة لم يقع الدهر في مثلها"، ثم يروي: "ظهر رجل حصري بعد 22 سنة من موت هشام بن الحكم المؤيد، وادّعى أنه هو، فبويع له، وخطب له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى وسفكت الدماء، وتصادمت الجيوش في أمره".

ويحكي الزركلي تفاصيل هذه الواقعة أيضاً، فيقول: "علم ابن عباد بخبر شخص في قلعة رباح، قال ابن حزم: اسمه خلف الحصري، يزعم أنه هشام بن الحكم الأموي (المؤيد)، وأنه لم يقتل (سنة 403هـ)، كما قال الناس، وإنما اختفى فاراً، فاستدعاه إليه، وشهد بعض مَن بقي من نساء القصر والخدم أنه هو هشام، وكان شبيهاً به، فبايعه بالخلافة، وحفه بمظاهرها، وسمى نفسه حاجباً، فقوي به أمره وانتعشت دولته، وانقطعت أطماع ملوك الطوائف عنها، ودعاهم إلى بيعة المؤيد فأجاب أكثرهم، واستمر أبو القاسم إلى أن توفي".

مَن هو هشام المؤيد؟

كتب عنه الحافظ الذهبي، في مؤلفه "سير أعلام النبلاء"، أنه "ابن المستنصر صاحب الأندلس، بايعوه صبياً، فقام بتشييد الدولة الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر"، ويقال إنه ولد عام 354هـ (965م)، وأنّه وُلّي الخلافة وعمره أقل من 12 سنة، ليكون عاشر خلفاء الدولة الأموية في الأندلس.

ويكشف أبو الحسن الروحي في كتابه "بلغة الظرفاء في تاريخ الخلفاء"، تفاصيل خلافة هشام المؤيد، بقوله: "قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار (الحاكم الحادي عشر لدولة الأندلس)، في سنة 399هـ، فخلع هشام بن الحكم المؤيد عن الحكم، وتلقب الأول بالمهدي، وبقي الأمر كذلك إلى أن قتل، ورد هشام المؤيد إلى الأمر سنة 400هـ، وبقي كذلك وجيوش البربر تحاصره، وفي سنة 403هـ، دخل البربر قرطبة، وأخلوها من أهلها، وقتل هشام المؤيد، وكان في طول دولته متغلباً عليه، لا يُنفَّذ له أمر".

ويؤكد الدكتور محمد المنسي قنديل، في مؤلفه "لحظة تاريخ"، أن "هشام المؤيد كان آخر خلفاء بني أمية وأضعفهم، لا يملك أي سلطة فعلية، كلها كانت في يد وزيره (شنجول)، الذي أرغمه على أن يغيّر وراثة العرش، وأن يجعل من وزيره ولي عهده"، مشيراً إلى أن ذلك كان سبباً في خلعه من الحكم: "لم يعجب هذا التعديل بقية الأمراء الأمويين، وخلع المؤيد وجاء بدلاً منه المهدي الذي أعلن أن المؤيد قد مات ودفن بمحضر من العلماء والفقهاء".

وبعد عام ظهر هشام المؤيد، وعاد إلى عرشه لأيام قليلة، ثم خلعه سليمان المستعين (الحاكم الـ12 لدولة الأندلس)، وأعلن أنه مات، بحسب قنديل، إلا أن هناك رواية أخرى تقول: "ثم ظهر بعد ذلك في أماكن متفرقة، بعيدة، يؤدي مهناً وضيعة، ثم ضاع مصيره، وطويت رايات بني أمية، وبدأ عصر الحكام المجهولين".

خليفة تحت الطلب

تروي الكاتبة رانيا عدلي، في مؤلفها "رجال صنعوا التاريخ"، أن هشام المؤيد "خلع من الخلافة عام 399، فکانت خلافته الأولى منذ وفاة أبيه حتی قيام الفتنة 33 سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام، ومدة خلافته الثانية سنتين وعشرة أشهر، بمعنى أن خلافته كانت 36 سنة وشهرين وعشرة أيام".

في السياق ذاته، وتحت عنوان "قصة وفاة هشام المؤيد التي تكررت كثيراً"، لخّص الدكتور أحمد سيد آل برجل، في مؤلفه "100 معلومة عن الأندلس – الفردوس المفقود"، ما مرّ به هذا الخليفة، واصفاً إيّاه بأنه "الذي مات مراراً فانتفض عن التراب ومزّق الأكفان"، وكتب عنه: "أعلن محمد بن هشام المهدي الأموي وفاة هشام المؤيد، ودفن بمحضر من الفقهاء والعلماء في شعبان (399هـ - 1009م)، ثم ظهر بعد عام وتولّى الخلافة، ثم توفي قتيلاً على يد سليمان المستعين أو ولده محمد بن سليمان (403هـ - 1012م)، ودفن خفية، ولمّا دخل علي بن حمود قرطبة، بحث عن هشام فلم يجده فأعلن وفاته، ودعا لنفسه بالخلافة (407هـ - 1016م)، ثم جاء القاضي ابن عباد سنة (426هـ - 1035م)، فأظهر الدعوة الهاشمية ودعا له وأخذ البيعة له".

كان خبر المؤيد بالله المرواني قد انقطع من عشرين سنة، وجرت فتن صعبة في هذه السنين، فقيل للقاضي ابن عباد: إن المؤيد حي بقلعة رباح في مسجد، فطلبه، واحترمه وبايعه بالخلافة، وصيّر نفسه كوزير له"

وتشير رانيا عدلي إلى أن "هشام المؤيد لم يكن له أي اهتمام بشؤون الدولة وسیاستها وظل كذلك طوال مدة خلافته، وكان من أبلغ الأوصاف التي وصف بها أنه ‘كان خليفة تحت الطلب’"، موضحةً أنه "على الجانب الآخر كان دائم الميل للعبادة، مداوماً على تلاوة القرآن، وتدارس العلوم، كثير الصدقات على الفقراء والمساكين وذوي الحاجة".

خلف الحصري... محتال بويع بالخلافة في الأندلس

في الجزء الثاني من مؤلفه "الأعلام"، وصف الزركلي خلف الحصري بأنه "محتال بويع بالخلافة في الأندلس على أنه هشام بن الحكم (المؤيد بالله)، وذلك أنه بعد مقتله، كان قاضي إشبيلية ابن عباد، قد انفرد بإمارتها، وقيل له: إن هشاماً المؤيد ما زال حياً، وهو منزوٍ في مسجد بقلعة رباح، وذلك سنة 426 هـ، فذهب إليه، فوجده يشبه هشاماً، واسمه خلف الحصري، فأتى به إلى إشبيلية".

ويحكي المؤلف ما حدث بعد وصول خلف الحصري إلى إشبيلية: "استحضر ابن عباد بعض عبيد المؤيد، وعرضه عليهم، فقام أحدهم وقال: ‘هذا مولاي’ وقبّل قدمه، فألبسه ابن عباد كسوة الخلافة، وقبّل يده، وأمر منادياً يصيح: ‘يا أهل إشبيلية اشكروا الله على ما أنعم به عليكم، هذا مولاكم أمير المؤمنين هشام قد صيره الله إليكم، ونقل الخلافة من قرطبة إلى بلدكم’، فتسابق الناس لرؤية الخليفة، فجعل بينه وبينهم ستراً، يكلمهم من ورائه، وقيل إنه ولاه حجابته، وأشهد عليه شهوداً، ومَن أبى أن يشهد حلّ به البلاء، وأخرجه يوم جمعة، فخطب وصلى بالناس".

هذه الواقعة تطرق إليها أيضا الحافظ الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"، قائلاً: "قصة القاضي ابن عباد مشهورة مع الشخص الذي زعم أنه المؤيد بالله المرواني، وكان خبر المرواني قد انقطع من عشرين سنة، وجرت فتن صعبة في هذه السنين، فقيل لابن عباد: إن المؤيد حي بقلعة رباح في مسجد، فطلبه، واحترمه وبايعه بالخلافة، وصيّر نفسه كوزير له".

لكن الدكتور راغب السرجاني يرى أن "قصة هشام بن المؤيد هذا يكتنفها الغموض، وتضاربت الروايات في شأنه، واختلفت في تحديد مصيره"، موضحاً أن "الروايات الأندلسية يظهر منها أن القاضي ابن عباد أظهر شخصاً زعم أنه هشام المؤيد، وتظهر الروايات أن هذا الرجل يشبه هشاماً المؤيد شبهاً كبيراً، وأن هذا الدعي كان اسمه خلف الحصري، وتذكر الروايات أن هشاماً المؤيد لمّا فرّ من الفتنة كتم أمره، واستقر بقرية من قرى إشبيلية، وعمل مؤذناً بأحد مساجدها".

شهادة الزوجة الحاسمة

وعلى الرغم من قبول العديد من أهل إشبيلية لهذه الأكذوبة، واعتراف بعضهم أن الحصري بالفعل هو هشام المؤيد، بسبب الشبه الكبير بينهما، إلا أن كثيرين منهم اعترضوا على هذا الأمر، وبينما هم على هذا الحال، كما يقول قنديل: "نهضت سيدة كانت تجلس في جانب من المجلس، مغطاة بالسواد، وقفت في مواجهة العرش ثم رفعت خمارها الأسود وحدقت فيه قليلاً، ثم بكت بصوت خافت مفجوع وهي تغمغم: ‘يا زوجي ومولاي، أين كنت طوال هذه المدة؟’، وهبط وجوم غريب، واندفعت في بكاء حار".

ويؤكد المؤلف أنه "برغم توالي عشرات الشهود بعد ذلك فقد كانت شهادة الزوجة حاسمة، ونهض القاضي صائحاً: ‘يا أهل إشبيلية بايعوا خليفتكم هشام المؤيد’"، لكن هذا لم يمنع أبا بكر الزبيدي، العالم والفقيه، وأحد الأعيان الذين يحكمون المدينة، كما يصفه قنديل، من إبداء رأيه، موضحاً أنه عند أخذ البيعة سأله القاضي ابن عباد: "هل بايعت يا أبا بكر"، فرد قائلاً: "كيف أبايع يا أبا القاسم وأنا الذي أنزلت هشام المؤيد إلى قبره؟!".

لم يلتفت ابن عباد إلى معارضة الزبيدي وآخرين، وإنما كما ذكر الزركلي: "كتب إلى ملوك الأندلس يرغبهم في طاعة هشام، وقاتل في سبيله، فدانت له المدن، وأقام نيفاً وعشرين سنة، يخطب له على المنابر ويدعى بأمير المؤمنين، وحجابه من آل عباد يحكمون البلاد".

خليفة زائف

يروي راغب السرجاني أنه "بعد أن أخذ القاضي ابن عباد البيعة لهشام بإشبيلية بعث بالكتب إلى أنحاء الأندلس لأخذ البيعة للخليفة الشرعي للبلاد، فلم يعترف به أحد سوى الوزير أبي الحزم بن جهور، مع علمه بكذب دعوى ابن عباد".

وكتب المنسي قنديل في مؤلفه: "بعث القاضي بالرسل إلى كل الممالك المتناحرة يعلن ظهور هشام المؤيد، ويطلب منهم البيعة والدخول في طاعته، وعادت الرسائل مليئة بالسخرية والاستهزاء، كانت كل مملكة تزعم أنها تحوي قبر هشام المؤيد، وكل حاکم يدّعي أنه خليفته، ولم يبايع سوى بعض المدن التافهة، ولكن إشبيلية نفسها كانت عاجزة عن التصديق، ووقف الإمام الزبيدي في المسجد نفسه الذي كان يؤذن فيه خلف، وهتف في المصلين: ‘هذه أكذوبة، وهذا خليفة زائف’".

أسباب أكذوبة خلف الحصري

المعطيات السابقة تشير إلى أن ابن عباد جعل من واقعة خلع هشام المؤيد من الخلافة ثم عودته مرة أخرى، إلى أن قتل أخيراً، ورقة يلعب بها. فبما أن هذا الخليفة أزيح سابقاً وأعيد مرة أخرى، فمن المؤكد أنه ربما تفلح هذه الحيلة في خداع الناس. وهذا بالفعل ما حدث.

ويوضح السرجاني الأسباب التي دفعت القاضي ابن عباد إلى التحكم في شؤون إشبيلية، ومن ثم الإقدام على هذا الفعل، قائلاً: "كان سلطان الحموديين في ذلك الوقت يتردد بين قرطبة وإشبيلية، فلما قُتل علي بن حمود في أواخر سنة 408هـ، تولى الخلافة من بعده أخوه القاسم، وبعد سلسلة من الصراعات الداخلية على السلطة بين الأخير وابن أخيه يحيى بن علي، ترك القاسم قرطبة وقصد إشبيلة سنة 412هـ، وهناك بويع له وتلقب بالمستعلي، ثم عاد ثانية إلى قرطبة في ذي الحجة، سنة 413هـ، وجددت له البيعة".

حادثة أشبه بسيناريو درامي، ولكنها جرت فعلاً عام 426هـ، في إشبيلية، في بلاد الأندلس، كان بطلها القاضي ابن عباد حين أتى بشخص يُدعى "خلف"، يعمل حصرياً في مسجد، وزعم أنه الخليفة هشام المؤيد، عاشر الحكام الأمويين في الأندلس

ويضيف: "كان القاسم بن حمود وهو في إشبيلية قد قدم القاضي ابن عباد على قضاء إشبيلية، وكان الأخير يشعر من جانبه أن استمرار سلطان الحموديين يهدد رئاستهم، وينذر بالقضاء عليها، فلما استدعى المستعلي ليتولى الخلافة ثانية في قرطبة، اجتمع رأي أهل إشبيلية على ثلاثة من الزعماء هم: القاضي محمد بن إسماعيل، والفقيه أبو عبد الله الزبيدي، والوزير أبو محمد عبد الله ابن مريم، فكانوا يحكمون في النهار بالقصر، وتنفذ الكتب تحت أختامهم الثلاثة، إلا أن القاضي ابن عباد استطاع أن ينفرد بالسلطة لنفسه".

ولفت السرجاني إلى أن "أهل قرطبة ثاروا على القاسم بن حمود ففر إلى إشبيلية وطلب فتح أبوابها له، إلا أن زعماء المدينة وعلى رأسهم القاضي أبو القاسم بن عباد اتفقوا على إغلاق أبوابها، وأخرجوا ولد القاسم المستعلي ومَن فيها من أهله، واتفق أهل إشبيلية على اتقاء عدوان الأخير على أن يؤدّوا له قدراً من المال وينصرف عنهم، وتكون له الخطبة والدعوة ولا يدخل بلدهم، ولكن يقدم عليهم مَن يحكمهم ويفصل بينهم، فكان القاضي ابن عباد، وبذلك انفرد بإشبيلية، وأصبحت رئاسته عليها شرعية وفعلية".

حيلة لتهديد الخصوم

وبالطبع، لم يكن ابن عباد ليقدم على اختلاق هذه الأكذوبة إلا من أجل أهداف كبرى يسعى إلى تحقيقها. يقول أحمد سيد آل برجل إنه "اتخذ ذلك وسيلة لدفع دعوى ابن حمود بالخلافة، وليضفي على نفسه الشرعية".

وبرأي السرجاني، "لم تكن هذه الخطوة التي خطاها القاضي ابن عباد عبثاً، فهو كان يرمي من ناحية إلى دحض دعوى الحموديين بالخلافة، وذلك بظهور الخليفة الشرعي، ومن ناحية أخرى يريد أن يضفي الشرعية على حكمه وتدبيره وتوسعاته خارج حدود إشبيلية، فهو يتوسع بأمر الخليفة الشرعي للأندلس كلها".

ويدعم هذا الطرح ما قاله المستشرق البريطاني ستانلي لين بول في كتابه "تاريخ العرب المسلمين في إسبانيا: كلاسيكيات التاريخ": "المعروف أن محمد بن عباد، أمير إشبيلية، هو الذي ادّعى وجود هشام ثانية كذباً وتمويهاً ليستعين بهذه الحيلة على أمره ويهدد خصومه".

ويروي محمد المنسي قنديل أنه عندما اعترض أبو بكر الزبيدي، وتحدث مع ابن عباد في شأن خلف الحصري، قال له: "إشبيلية في حاجة إلى أكذوبة، لا أشعار ولا قوانین، لن يردّ هجوم البربر إلا أكذوبة كبيرة".

وبعد أن خضعت إشبيلية للقاضي ابن عباد، سعى لتوطيد حكمه وتوسيعه. يروي السرجاني: "وبعد أن أصبحت إشبيلية ولاية شرعية للقاضي أبي القاسم بن عباد، فهو قاضيها وحاكمها معاً، راح يسعى لتوطيد حكمه وتوسيعه، وهذا لا يكون إلا بحاشية مخلصة له وبجنود يتفانون في خدمته والدفاع عنه، فأكثر من شراء الرجال الأحرار والعبيد، واقتناء أنواع السلاح والعدة والعتاد، إلى أن ساوى ملوك الطوائف، وزاد على أكثرهم بكثافة سلطانه وقوة جيشه وعتاده".

ويتابع: "لم يكن ابن عباد على غفلة من تدبير الحموديين والبرابرة ضده، فهو يعلم تربصهم به، وطموحهم في امتلاك إشبيلية ثانية، كما أن طموحه لم يكن على حدود إشبيلة فقط، بل اتجه للتوسع خارج حدود مملكته ناحية الغرب، للارتباط الإقليمي بين إشبيلية وغرب الأندلس، إضافة إلى خلوها من المنافسين الأقوياء".

كيف أدار ابن عباد الخلافة؟

عقب تولي هشام المؤيد الزائف أمور الخلافة، "لم يكن خلف الحصري يدري ماذا يفعل بالضبط، في البداية بهرته فخامة القصر، ورقة الجواري، ودفء المحظيات الإسبانيات، ومظاهر الاحترام المبالغ فيها التي يبديها الحرس، وارتعد وهو يجلس على العرش أول الأمر ويستمع إلى الشكاوى الكثيرة، ويلقي أوامر لم تنفَّذ لفرط تفاهتها"، يروي المنسي قنديل.

ولم يكن يسمح ابن عباد لهفوة تدمر عليه خطته، فكان في كل مساء يحضر کالقدر، يلقي على الحصري تعليمات جديدة، ويجعله يوقع بختمه على كومة من أوامر الدولة، ثم يترکه ويمضي، ولكن أصعب موقف هو ذلك اللقاء اليومي مع السيدة "زيتونة"، زوجة هشام المؤيد، المفروض أنها قد أصبحت زوجته الآن، بحسب قنديل.

نهاية خلف الحصري وابن عباد

لم تذكر الروايات التاريخية كيف كانت نهاية خلف وابن عباد، وإلى ماذا وصل الحال بينهما، إلا أن قنديل يروي أنه عندما أحسّ القاضي بقوة الحصري أراد أن يخلعه، فذهب إلى قصر قرطبة ليكشف الحقيقة، لكنه تفاجأ بالجميع يدعم الأخير، فأراد أن ينسحب، لكن الخليفة صاح: "إلى أين يا قاضي إشبيلية... لقد تآمرت على خليفتك وسعيت إلى خلعه، وقد حكمنا عليك بما جنت يداك، وليس هناك من جزاء للخائن إلا الموت، وقاده الجند خارجين لساحة الإعدام".

لكن يبدو أن هذه الرواية غير صحيحة، خاصة أن أحمد النويري، في مؤلفه "نهاية الأرب في فنون الأدب"، ذكر أنه "عندما توفي هشام المذكور (الحصري)، استبدّ القاضي بالأمر بعده، وملك أكثر مدن الأندلس وحصونها، ولم ينتقل عن مدينة إشبيلية بل جعلها دار ملكه".

وروى الزركلي أن القاضي ابن عباد "مات في أيام (ابنه) المعتضد (407هـ/ 1016م - 461هـ/ 1069م)، فأخفى (الأخير) موته إلى أن أحكم أمره، ثم أظهر ذلك سنة 451هـ"، ولم يُعدم كما ذكر قنديل.

ولفت النويري إلى أنه "مات في عشر الخمسين وأربعمائة، وولي بعده ابنه عباد"، لكن راغب السرجاني يرى أنه توفي سنة (433هـ، 1042م)، ويتفق معه ابن الآبار القضاعي، صاحب "الحلة السيراء"، إذ ذكر أنه "توفي لليلة بقيت من جمادي الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard