من الأندلس وشمال أفريقيا... المالوف التونسي موروث موسيقى غنيّ يأبى الاندثار

الخميس 23 أبريل 202001:24 م

يعد المالوف ركيزة الترات الموسيقي التونسي باعتباره مزيجا فنيا بين المكونات الموسيقية المحلية والموسيقى التي جاءت مع هجرة الأندلسيين إلى شمال إفريقيا في القرنين 14 و15 ميلاديا. وتتكون مادته النظمية من الشعر والموشحات والأزجال والدوبيت والقوما الأندلسية إلى جانب الإضافات اللحنية والنظمية المحلية والشرقية حسب تعريف الباحث التونسي فتحي العابد.

ولهذه الموسيقى رواد كثر عملوا على تجذيرها وتطويرها ونشرها ووضعها في قوالب قادرة على الصمود لأزمنة طويلة ولكن ربما يتفق المهتمون بهذا الفن أن الشيخين احمد الوافي وخميس الترنان كان لهما بالغ الأثر.

أحمد الوافي المنحدر من عائلة أندلسية هو من صناع هذا الفن طرق أبواب بالموسيقي من خلال والده الشيخ حميدة الذي كان أبرز منشدي المدائح النبوية. تعلم الوافي المالوف عن مجموعة من الفنانين ليصبح من أبرز رواة المالوف وعازفا بارعا على "الفحل" ثم ليكون يما بعد مرجعا لتأليف الموسيقى العربية.

وعرف احمد الوافي ببراعته في ابراز مقام "الشاهناز" الشرقي وقد أعطاه اسم "انقلاب الاصبعين" وأدخل التجديد على قطع النوبة وتميز في مقام "الحسين صبا" الذي قدم فيه موشح "اه يا لسمر يا سكري".

أما المرحوم الشيخ خميس الترنان فقد كانت له وبصمته الخاصة حتى أنه يعد رائد المالوف التونسي. إذ لم تكن مسيرة هذا الرجل يسيرة لتزامنها مع مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد شهدت خلالها تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية هامة ما بين نهايات القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين.

ولــد خميس بن علي الترنان سنة 1894 في عائلة ذات أصول أندلسية موريسكية تمتهن الحياكة وينتمي أفرادها إلى الطريقة العيساوية التي كان جده لأبيه أحد شيوخها الكبار. تعلم منذ طفولته العزف على آلة النفخ الشعبية "الفحل" ومارس الإنشاد الصوفي حسب الطرق العيساوية والقادرية والإسلامية، كما حذق العزف على المندولينة وكانت تستعمل آنذاك في الموسيقى الشعبية. وانضم لاحقا كعازف ماندولينة ثم عـــود شرقي إلى فرقتين محتــرفتين يهوديتين بمدينة بنزرت مسقط رأسه أين استطاع صقل مهاراته.

انتقل إلى العاصمة تونس وهناك اتخذ الموسيقي مهنة راوح فيها بين القديم والجديد آنذاك وبعد محطات كثيرة بات اسمه خلال العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي قرينا بحركة الدفاع عن الهوية الموسيقية التونسية المهددة في ظل نظام الحماية الفرنسية. وكان بين المؤسسين لفرقة الرشيدية سنة 1934 التي استحدثت آنذاك بهدف الوقوف في وجه الأشكال الفنية القادمة من الغرب والشرق والحيلولة دون استفحالها.


وبعد التأسيس الرسمي للرشيدية أوكل إلى خميس الترنان مهمة تكوين المجموعة الصوتية ومهمة جمع تراث المالوف وتدوينـــه بالنوتة المـوسيقية الغــربية بمعية محمد التريكي ومحمد الحبيـــب العــامري. نجح الترنان في مهامه الجديدة بل وحفزه الواقع الجديد داخل الرشيدية على طرق مرحلة جديدة من الإبداع وضع خلالها ألحانا مميزة جمع فيها بين الروح التونسية الأصيلة لفظا ونغما وبين اللمسات الشرقية وشكلت إضافة فنية كبيرة للرشيدية.

الرشيدية عودة.. ولكن

واستطاعت الرشيدية أن تكون منذ تأسيسها البيت الحافظ والحامي للمالوف التونسي من الاندثار بما تقدمه من أنشطة تراوحت بين التظاهرات والتكوين الأكاديمي وهي مهام تفردت بها عربيا. إذ يعد المعهد الرشيدي المنبثق عن الجمعية الرشيدية أول معهد موسيقي عربي في تونس والمغرب العربي يهتم بالتكوين الموسيقي الأكاديمي للمالوف ويخرج عن إطار التلقين الشفاهي الذي كان سائدا كطريقة لتعليم وحفظ التراث الموسيقي التونسي والعربي.

وهذه القلعة الموسيقية العريقة أنجبت أهم رموز الأغنية التونسية على غرار شيخ المالوف التونسي الطاهر غرسة والفنانة صليحة وعلية ونعمة والهادي الجويني وغيرهم من الأسماء القديمة وصولا إلى زياد غرسة والفنان لطفي بوشناق فضلا عن بعض الأسماء الناشئة التي تتحسس طريقها الفني.


لكن هذا البيت اختل توازنه في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الذي دأب نظامه على توظيف المؤسسات الرسمية بما فيها الثقافية لخدمة صورته. حيث فرضت هئية إدارية من القصر الرئاسي على الرشيدية تسبب في تقليص نشاطها وإبداعها الذي كانت فترة حكم الزعيم الحبيب بورقيبة.

ولكن منذ ثورة الـ14 من يناير 2011 تعمل الراشدية على إعادة ترتيب بيتها من جديد فقامت برقمنة أرشيفها (80 سنة) سمعيا وورقيا ووضعه على ذمة الباحثين من خلال موقع خاص به على الأنترنيت كما تستعد الهيئة المديرة للرشيدية لترميم مقرها الرسمي بعد أن تفاعل وزار الثقافة مع "مشروع كلنا الرشيدية" الذي أطلقه نشطاء من المجتمع المدني.

كما قامت بتشكيل فرقة موسيقية جديدة من أساتذة وموسيقيين وفنانين من أبناءها لبث روح جديدة داخلها وتجاوز حالة شبه الركود السابقة، إلى جانب إنشاء فروع لها في أغلب جهات البلاد بهدف توسيع دائرة نشاطها وضمان تكوين أجيال جديدة. ورغم أهمية هذه الخطوات إلا أنها تسير ببطء بسبب ضعف الدعم الرسمي وضعف الإقبال على عروض المالوف التي ظلت طيلة سنوات حكرا على مدن بعينها.

تستور مدينة المالوف

وفيما تجاهد الرشيدية لإعادة بريقها، تسعى مدينة تستور المسماة مدينة المالوف للحفاظ على طابعا الملتصق بهذه الموسيقى منذ تأسيسها وولادتها الحقيقية في ظل تراخي سلط الإشراف ما دفع الأهالي للتحرك لحماية هوية مدينتهم المرتبطة بالمالوف.

وتستور مدينة أندلسية تتبع محافظة باجة (شمال غربي) أسسها الموريسكيون الذين طردهم الملك فليب الثالث من إسبانيا سنة 1609، على موقع روماني يدعى "تشيلا"،. بنوها على طراز البلدات الإسبانية بنظام هندسي متناسق بين الأنهج وبيوت يغطيها القرميد وساحات كانت تقام فيها حتى القرن الثامن عشر مصارعة الثيران. ومن أبرز الرموز التي ظلت إلى اليوم تروي الأثر الأندلسي الجامع الكبير ذي الساعة التي تدور عقاربها إلى الوراء والذي بناه الموركسيين سنة 1630 بمنارة على شكل أبراج الكنائس بإشبيلية مزركشة بنجمات داوود كإشارة لليهود الذين طردوا مع الموريسكيين من إسبانيا واستقروا في هذه المدينة.

لم يكن المعمار وحده الشاهد على لمسة الأندلسيين في هذه المدينة، وامتد إلى الموسيقى، إذ مازال أهالي تستور يحافظون على الموروث الموسيقي الأندلسي وخاصة المالوف حتى أنه يطلق عليها "مدينة المالوف"

لم يكن المعمار وحده الشاهد على لمسة الأندلسيين في هذه المدينة، وامتد إلى الموسيقى، إذ مازال أهالي تستور يحافظون على الموروث الموسيقي الأندلسي وخاصة المالوف حتى أنه يطلق عليها "مدينة المالوف". ومنذ 1966 تنظم المدينة مهرجانا يحتفي بهذا الموروث الموسيقي تحت إسم "مهرجان تستور الدولي للمالوف والموسيقى العربية التقليدية".

ورغم جهود أبناء المدينة الكبيرة للحفاظ على هذا الموروث الموسيقي الذي يشبه بطاقة هوية يفاخرون بها، إلا أن شح الميزانيات المرصودة من سلط الإشراف لتنظيم التظاهرات الفنية الخاصة بالمالوف أدى إلى تراجعها وخف بريقها تدريجيا ولكنها مازالت تكافح بإمكانيات أبناءها للاستمرار.

فرق خارج تونس لحماية المالوف

ولا تتوقف جهود حماية المالوف والحفاظ عليه ونشره عند فرقة الرشيدية أو مدينة تستور التي تفاخر بأنها مدينة المالوف، بل تلقفتها أيادي بعض التونسيين المقيمين بالخارج. ففي باريس تأسست "جمعية مألوف تونس" سنة 2012 برئاسة الموسيقي احمد رضا عباس بهدف إحياء التراث الموسيقي التونسي وإشعاعه خارج البلاد. ويتراوح نشاطها بين الجانب الأكاديمي المتمثل في تقديم دروس نظرية في الموسيقى التونسية وخاصة المالوف وتعليم العزف على الآلات الموسيقية المرتبطة بها وتكوين مجموعات صوتية وعازفين، كما تقدم محاضرات "ماستر كلاس" في الموسيقى التونسية إلى جانب تنظيم عروض سنوية في باريس وخارجها.

ويقول رئيس الجمعية أحمد رضا عباس المالوف يمـثـل مخـزونا كبـيـرا وثريا بالمـعـلومات الهامـة الـتي تخص تـاريخـنا وهـويتـنا الثقـافـيـة والإنـسـانيـة القادرة على إضاءة حاضـرنا ومسـتـقبـلـنـا بصورة جـيـدة. ولأن التـراث المـوسـيـقـي بنصـوصه ونغـماتـه وأوزانه ولهجـاتـه يعـبـر عـلى ما كانـت علـيـه الموسـيقـى فـي القـديـم وكيـف تطـورت وكيـف وصلـت إلـيـنا أردنا أن نكون جزءا من هذه السيرورة وأن نظهر اعـتـزازنا بهـويـتنا وإبراز عـبـقـرية هـذه المـوسيـقى التي لا تـقـل قـيـمـة فـنـيـة مـن المـوسـيـقات الراقـيـة الأخــرى.

ولحماية المالوف وضمان استمراريته يدعو عباس لإجبارية إدراجه في برامج التدريس في الجامعات خاصة معاهد الموسيقى الحكومية والخاصة والمـدارس و المعاهـد الثانـويـة، معربا عن استياءه من تعاطي سلط الإشراف في تونس مع المشهد الثقافي برمته ولا سيما التظاهرات المعنية بالموسيقى التونسية. مستحضرا وضعية مهرجان تستور الذي كان في فترات سابقا تظاهرة رائدة في البلاد ولكنه بات يعاني لكي يستمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard