آدم وحواء من الكتب المقدسة إلى زمن الأندلس

الاثنين 31 مايو 202110:13 ص

في أوقات السلم كما في أوقات الحرب، تحت حكم إسلامي كما تحت حكم مسيحي، بفضل الموقع الجغرافي لشبه الجزيرة الإسبانية في العصور الوسطى الأوروبية، كان للثقافات المحلية في زمن الأندلس مرجع واحد مشترك بين الأديان التوحيدية الثلاثة هو الكتاب المقدّس العبري، الذي كان يتمّ الحديث والكتابة عنه بكل لغات الأندلس الكلاسيكية، أي اللاتينية، العبرية والعربية، اللغات المحلية المحكية.

كتب عن ذلك العنصر المشترك، البروفيسور دافيد واكس David Wacks، وكيف أثّر هذا المرجع في توليد الأدب الناشئ في أوروبا حينها. 

أحد أهم الأمثلة هو كتاب "التاريخ العام" لألفونسو العاشر، ملك قشتالة وليون، الملقّب بالمتعلّم أو الحكيم ( El Sabio) بدأ كتابته وأكمله ابنه -أو على الأقل طلب من كتّابه التسريع في هذا العمل ومات قبل إنهائه فأكمله ابنه- وهذا الكتاب يروي تاريخ العالم منذ خلق العالم  حتى حكم أبي ألفونسو في إسبانيا.

ما يلفت النظر في هذا الكتاب المكتوب باللغة القشتالية، إضافة لاستخدامه للكتاب المقدّس، هو استخدامه لمراجع كثيرة، إضافة إلى المراجع المسيحية الموجودة في ذلك الوقت، من الأدب الديني اليهودي ومن الأدب الإسلامي، مثل مؤلفات الطبري والثعلبي.

مع أنه كان حاكماً مسيحياً ومن المفترض أنه ليس على تعايش سهل وسلمي مع الدول الإسلامية جنوب مملكته، إلا أن ألفونسو العاشر كان معروفاً برؤيته الواسعة وشغفه بالثقافة العربية

مع أنه كان حاكماً مسيحياً ومن المفترض أنه ليس على تعايش سهل وسلمي مع الدول الإسلامية جنوب مملكته، إلا أن ألفونسو العاشر كان معروفاً برؤيته الواسعة وشغفه بالثقافة العربية، حيث تبنى مشروع ترجمة كل المؤلفات ذات الأهمية من الأديان والتقاليد الأخرى المجاورة والموجودة داخل مملكته.

يعكس استخدام ألفونسو لعناصر من الكتب الإسلامية نوعاً ما استخدام القصص المتعلقة بالشعب اليهودي المسماة بالإسرائيليات من قبل المؤلفين المسلمين، وهذه الروايات لها علاقة قوية أو ضعيفة بالكتب العبرية، فقد تدلّ تلك التسمية على قصص لها قلة الصلة بالآداب العبرية المعروفة آنذاك، لكنها معتبرة كجزء من التقاليد العبرية-اليهودية.

ساعد التفسير الإسلامي في ترسيخ القرآن في زمان ومكان مختلفين عن سياقه الأصلي، كما في قصص الأنبياء وغيرها، تكمل الكتب المقدّسة وتملأ الثغرات في أحداثها وأحكامها المتنوعة

سبب استخدام التفاسير اليهودية من أجل إعادة رواية تكوين وخلق العالم له نفس السبب لأي تفسير آخر في أي وقت حول كتاب مقدّس، كما يكتب آرون هيوغز على التفسير الإسلامي: ساعد التفسير الإسلامي في ترسيخ القرآن في زمان ومكان مختلفين عن سياقه الأصلي، في تحديث رؤيته للعالم في ثقافة جديدة كي تكون ذات صلة لقرائه الجدد وسامعيه.

تكمل كتب التفسير، كما في قصص الأنبياء وغيرها من الأنواع الأدبية الدينية الأخرى، الكتب المقدّسة وتملأ الثغرات في أحداثها وأحكامها المتنوعة.

تشكل التفاسير أيضاً وفي نفس الوقت تتمات مكتوبة من قبل علماء العصور المختلفة، فقد نستنتج من ذلك أن التفاسير لا تعكس بالضرورة ما كان يروّج عند عامة الناس من قصص وتعاليم ذات صلة بالدين.

من هنا، قد يبدو الأدب في اللغات المحلية في إسبانيا تصوراً لما هو "أهمّ" أو على الأقل أكثر تخصصًا مما يقرأ "عامة الناس"، أو على الأقل ما كانوا يستمعون إليه، فاللغات المحلية معروفة من قبل الجميع ويتكلّمها الكل، على خلاف اللغات الكلاسيكيات أي لغات الكتاب المقدّس وكتب التفسير.

يمكن إذا أن ننظر  إلى تلك الكتب، على أنها مشاريع شبيهة بكتاب "التاريخ العام" لألفونسو، أي هي مشروع ثانٍ بعد التفسير والتأويل المعروفَين، مشروع يجدد الروايات التأسيسية في زمكان أوسع من زمكان التفسير في اللغات الكلاسيكية.

قصة آدم وحواء تمثّل لليهود المثال العائلي والعلاقة مع الله بين الإنس والإلهي، فيما يمثّل للمسيحيين التحضير وفداء المسيح والعودة إلى الجنة بطريقه، كما يمثّل آدم النبي الأوّل للمسلمين مقابل النبي الأخير محمد

 إضافة إلى اللغة، تساهم هذه الكتب في  تقديم صيغة سردية جديدة وإعادة القصة القديمة بمنظور معيّن.

ومثال على ذلك هو رواية من روايات الجنة الأولى، أي خروج آدم وحواء من الجنة، كما يشرح دافيد واكس: يكتب أن قصة آدم وحواء تمثّل لليهود المثال العائلي والعلاقة مع الله بين الإنس والإلهي، فيما يمثّل للمسيحيين التحضير وفداء المسيح والعودة إلى الجنة بطريقه، كما يمثّل آدم النبي الأوّل للمسلمين مقابل النبي الأخير محمد.

يرى الباحث في تلك القصة مثال كسب المعرفة الممنوعة واسقاطًا مجازيًا لفكرة الانتقال في نظام الإنساني المعيشي. إنه الانتقال من النظام الاجتماعي المؤسس على الصيد إلى العيش المنظّم على الزراعة، وما يعني ذلك من تغيير وتطوّر علّمي وتكنولوجي ومعاناة، وذلك مع أن قصة ابنيَ آدم وحواء، هابيل وقابيل، قد تبدو قصة مجازية أكثر ملائمة لهذا الانتقال المعيشي: هابيل الراعي (رمز للترحال والصيد) يُقتل على يد قابيل المزارع (رمز  الاستقرار في المدن والحضر).

وهو الجانب التكنولوجي الذي يسرده كتاب التاريخ العام، حيث يبقى الكتاب المقدّس غافلاً عن كيفية عيش آدم على الأرض، فيعود ألفونسو إلى المؤلفات العربية و"حكماء العرب" ليضيف تفاصيل حول ما يزرعه آدم وما يفعله ليبقى على قيد الحياة.

يذكر  هذا الكتاب أيضا أن آدم استكشف معنى الموت، موته القادم، لما ألبسه الله هو وحواء بلباس مصنوعة من جلد حيوانات ميّتة قبل إرسالهما إلى الأرض، تفصيل تكنولوجي وفلسفي ثان يظهر اهتمامات الكاتب، أو مجموعة الكتاب، ورغبتهم في تعليم قرائهم استخدام أسلوب أدبي، أسلوب تعليمي مثقّف نوعاً ما، على خلاف بعض الكتاب الآخرين.

نجد مثالاً  مختلفًا عن تجديد قصة آدم وحواء في كتاب آخر من العصر الأندلس في الأراضي المسيحية، وهو كتاب "أسرار آدم وحواء" الذي ظهر في فالينسيا في القرن الخامس عشر. في هذه الرواية،  يطرح كلام إبليس على فم حواء، مثل حجته "لن تموت" كي يقنعهما بأكل الثمرة المحرّمة، وبهذه الطريقة يتم تقديم الدور السلبي للمرأة، متجاوزاً دورها الأصلي في الكتاب المقدس.

في الكتب القديمة عن الأديان، تظهر الأنواع الأدبية والمواضيع التي اهتم الناس بها آنذاك، عبر لغاتهم وتعبيراتهم وإعادة كتابتهم لشخصيات معروفة من قدم الزمان: لا تتعلم الكثير عن آدم وحواء، لكنك تتعلم أكثر عمن كتب عنهما

يُظهر النص دورها الماكر ومسؤوليتها عن السقوط في حديثها مع آدم وتحريضه على فعل المحرّم، ولا ينصّ النص على عقوبتها، مثل المعاناة المتعلقة بالحمل وإنجاب الأولاد كما في الكتاب المقدّس.

بينما يركز كتاب ألفونسو على العلم وتكنولوجيا ما بعد السقوط وكيفية تطوّر الحضارة، يركز هذا الكتاب، في نفس القصة التأسيسية، على المرأة وذنبها المفترض.

يعلق دافيد واكس أيضاً على أن العناصر السردية والعبارات النمطية تدلّ على كتابات شعبية شائعة آنذاك، وعلى الجو الأدبي المعاصر للكتاب بشكل عام في ذلك القرن، باستخدام عناصر وعبارات معتادة، مثل أدوار الشخصيات النسائية السلبية بشكل خاص، وهذا مثال من الأمثلة المتعددة لكره النساء الذي ظهر في الأدب ما بين نهاية العصور الوسطى لأوروبا ونهضتها.

من هذين المثالين، ت/يقدر القارئ/ة المعاصر/ة الدخول، إلى حد ما، في البُعد الذهني والثقافي للعصور الماضية، وعلى التحديد يمكن إعادة تصور ما كانت عليه الأنواع الأدبية والمواضيع التي اهتم بها الناس آنذاك، عبر لغاتهم وإعادة كتابتهم لشخصيات معروفة من الزمان القديم: لا نتعلم الكثير عن آدم وحواء، لكننا نتعرف أكثر على الكتاب الذين كتبوا عنهما والعالم الذي عاشول فيه، وعما كان يطلب منهم أو يتوقع منهم من قبل قرائهم. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard