قد تُغضِب جاراتها الخليجيات... كيف أصبحت قطر وسيط العالم في التعامل مع طالبان؟

الأربعاء 1 سبتمبر 202104:55 م

 ما إن انتهت الولايات المتحدة وحلفاؤها من إجلاء قواتهم والمتعاونين الأفغان، حتى بدأ نقاش حول شكل أفغانستان القادمة وعلاقتها بالعالم الخارجي، خصوصاً الولايات المتحدة والقوى الغربية في ظل حكم طالبان.

 تظهر في صدارة هذا النقاش دولة قطر التي يقول المسؤولون الغربيون إنها لعبت دوراً كبيراً لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص. وتذكر وكالة أسوشيتدبرس الأمريكية أنه سيُطلب من الدولة الخليجية الصغيرة الآن المساعدة في الاتصال مع حركة طالبان.

 ترى الوكالة أن قطر ستكون من الدول ذات الثقل العالمي في القضية الأفغانية، وستشارك في الاجتماعات التي تعقدها واشنطن مع حلفائها لتبني نهجاً منسقاً حول أفغانستان، وهو ما سيعيد الدوحة إلى مكانتها الأولى في الخليج بعدما حاول جيرانها احتواءها.

وفي الأثناء، أعلنت عدة دول على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الاتحادية وهولندا أن بعثاتها الدبلوماسية في أفغانستان ستمارس أعمالها من العاصمة القطرية، ما يعزز من دور الدوحة في مسألة أفغانستان.

 قطر ستكون من الدول ذات الثقل العالمي في القضية الأفغانية، وستشارك في الاجتماعات التي تعقدها واشنطن لتبني نهجاً منسقاً حول أفغانستان، وهو ما سيعيد الدوحة إلى مكانتها الأولى في الخليج بعدما حاول جيرانها احتواءها

الدور القطري في الإجلاء 

كان دور قطر غير متوقع في عملية إجلاء القوات الأجنبية من كابول، إذ كانت نقطة عبور لآلاف الأشخاص الذين تم نقلهم جواً من أفغانستان على مدى عدة أشهر إلى قاعدة العديد في الدوحة. 

وأفادت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن السفير القطري في أفغانستان، كان يرافق الأمريكيين من سفارة الولايات المتحدة في كابول حتى يوصلهم إلى المطار، لتأمينهم وضمان مرورهم من نقاط تفتيش طالبان. 

ووفق الأسوشيتد برس فإنه تم نقل نحو 40٪ ممن جرى إجلاؤهم عبر قطر، لتنال قيادتها بعدها "أكواماً من المديح من قبل واشنطن". وقال الرئيس الأمريكي جو بايدن إن مهمة الإجلاء كانت ستصبح أسوأ من دون مساعدة قطر. 

وطلبت وكالات الأمم المتحدة الدولية من قطر المساعدة والدعم في إيصال المساعدات إلى أفغانستان. واعتمدت وسائل الإعلام الدولية أيضاً على قطر في عمليات إجلاء موظفيها. 

وشاركت قطر أيضاً ببضع مئات من الجنود وطائراتها العسكرية الخاصة وأخلت فريقاً هندسياً من الفتيات المختصات في برمجة وصناعة الروبوت، ومنحتهن منحة تعليمية في الدوحة.

كما بنت قطر مستشفى ميدانياً للطوارئ وملاجئ إضافية ودورات مياه محمولة للخارجين من كابول، ووزع الجيش القطري 50 ألف وجبة في اليوم، ومثله فعلت الجمعيات الخيرية المحلية. وقدمت الخطوط الجوية القطرية 10 طائرات لنقل من تم إجلاؤهم من الدوحة إلى دول أخرى.

وتجري قطر في الوقت الحالي محادثات مع طالبان والقوى الدولية بشأن تقديم مساعدة فنية مدنية - بمشاركة حليفتها تركيا - لإدارة وتشغيل مطار كابول الدولي بعد الانسحاب الأمريكي.

 السفير القطري في أفغانستان، كان يرافق الأمريكيين من سفارة الولايات المتحدة في كابول حتى يوصلهم إلى المطار، لتأمينهم وضمان مرورهم من نقاط تفتيش طالبان

ثقل قطري جديد 

على مدى العقد الماضي، استضافت الدوحة القيادة السياسية لطالبان، كما كانت مسرحاً لمفاوضات السلام بين الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية وطالبان. ونقلت طائرة عسكرية قطرية - صناعة أمريكية - رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان وأحد كبار مؤسسيها إلى أفغانستان بعد سقوط كابول. 

ووفرت هذه الاستضافة نفوذاً كبيراً لقطر لدى حركة طالبان، وهو ما ظهر جلياً خلال الأسابيع الماضية عندما استولت الحركة على كابول. إذ عمل مراسلو الجزيرة القطرية في أمان نسبي خلال بث أحداث كابول مباشرة، وانفرد مراسلوها بالوصول إلى مسؤولي طالبان ومشاهد دخول مقاتلي الحركة إلى القصر الرئاسي.

 واعترفت مساعدة وزير الخارجية القطري لولوة الخاطر للوكالة الأمريكية بالمكاسب السياسية التي حققتها قطر في الأسابيع الماضية، لكنها رفضت أي إشارة إلى أن جهود قطر كانت إستراتيجية بحتة. ولفتت إلى أن بلادها تتمتع بموقع فريد بسبب قدرتها على التحدث إلى مختلف الأطراف على الأرض، واستعدادها لمرافقة الناس عبر كابول التي تسيطر عليها طالبان.

 في الأيام القليلة الماضية، استقبلت الدوحة العديد من الدبلوماسيين الغربيين لمناقشة المرحلة المقبلة في أفغانستان، وتم دعوتها إلى مؤتمر نظمته وزارة الخارجية الأمريكية في 30 آب/أغسطس، بمشاركة حلف الناتو وتركيا واليابان وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، لوضع نهج مشترك للتعامل مع أفغانستان. وكانت قطر الدولة العربية الوحيدة المشاركة في المؤتمر.   

وقال وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي إن الحكومة اليابانية تدرس نقل مهمات سفارتها في كابول إلى قطر بسبب الوضع المتوتر في أفغانستان.

 وأشاد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس من الدوحة بالدور القطري في أفغانستان، قائلاً: "دولة قطر لعبت دوراً مهماً جداً في عمليات الإجلاء"، مضيفاً: "نحتاج إلى تعاون دولي بشأن أفغانستان وسيكون لقطر دور مهم جداً بهذا الخصوص".

 من جانبه قال الأكاديمي الأمريكي والمحلل المختص في شؤون الخليج العربي ثيودور كاراسيك لرصيف22 إن دور قطر "سيكون محورياً في نجاح طالبان في الحكم"، مضيفاً أن هناك الكثير من المشاكل على أرض الواقع و"سيكون دور قطر هو حل هذه المشكلات".

"بينما تمارس قطر نفوذها في كابول، سترغب الدوحة في تجنب استعداء السعودية والإمارات، الخصمين اللذين كانا مستاءين من السياسة الخارجية القطرية"

 وأضاف كاراسيك: "ستكون قطر نموذجاً. ستجعل الدول الأخرى تسير على مسار الدوحة كأفضل طريقة للتعامل مع طالبان. وتدعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول أخرى هذه الخطوة بالفعل".

 ولفت المحلل الأمريكي إلى أن هناك اتصالات إقليمية مع قطر وتركيا للتعامل مع القضايا الأفغانية لوجود تحديات مستقبلية هائلة يجب احتواؤها، قال: "هذا هو السبب في أن تواصل طالبان مع قطر والإمارات أصبح بالغ الأهمية، لقد قام مستشار الأمن القومي الإماراتي بزيارة إلى تركيا ومصر وقطر للتعامل مع هذه القضية". 

وأضاف: "نما نفوذ قطر في المنطقة على مدى السنوات الماضية ومع الأحداث الجارية يتوسع أكثر. لقد تم تكليف قطر من قبل الغرب بإدارة العديد من القضايا مع طالبان، وتتلقى دعماً دبلوماسياً رفيع المستوى لهذه المهمة". 

هل ستغضب الجيران مجدداً؟ 

في المقابل، قال محللون آخرون إن قطر تخاطر بتشويه سمعتها إذا تسرعت في تبني حكومة طالبان "الوحشية". تقول سينزيا بيانكو الباحثة الإيطالية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومقره برلين لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية: "يسعد قطر أن تكون مهمة مرة أخرى، لكنها قلقة أيضاً بشأن سمعتها". وأضافت: "إنهم يعرفون طالبان، ويعرفون ما سيحدث في أفغانستان، وسيكون الأمر مروعاً. ولا يريدون ربط صورتهم بالحركة". وأردفت أنه لهذا السبب، كان القطريون حريصين على التأكيد أنه قد "طلب منهم آخرون (الولايات المتحدة) التواصل مع طالبان". 

قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، كانت جارتا قطر، السعودية والإمارات، هما اللتان يُنظر إليهما على أنهما صاحبتا نفوذ مع طالبان، وكانتا الدولتين العربيتين اللتين اعترفتا بحكومة طالبان في كابول. 

وفي العقود التي تلت ذلك، تغيرت الأولويات السعودية والإماراتية. إذ أصبحت دولة الإمارات على وجه الخصوص تعتبر أن مواجهة تأثير جميع الحركات السياسية الإسلامية ركيزة لسياستها الخارجية. 

ودعمت السعودية والإمارات في السنوات الأخيرة الحكومة الأفغانية السابقة، وتستضيف الإمارات الآن الرئيس الأفغاني أشرف غني، الذي أدى هروبه من كابول إلى انهيار حكومته. 

ويقول محللون ودبلوماسيون إنه من غير المتوقع أن يندفع أي من البلدين إلى احتضان حكام كابول الجدد، أو إقامة علاقات دبلوماسية معهم في وقت قريب. لكن من المرجح أن يحاول كلاهما أن يجد نوعاً من التواصل مع الحركة لضمان عدم المساس بمصالحهما. 

وقال محمد السلمي، رئيس معهد الرصانة الدولي للدراسات الإيرانية، إن الشاغل الرئيسي للسعودية هو ضمان عدم ازدهار علاقة طالبان بإيران في تحالف قوي يمكن أن يضر بالسعوديين. 

وذكر عبد الخالق عبد الله، المعلق السياسي البارز المقيم في دبي، أن القلق الأكبر للإمارات هو احتمال أن يبث صعود طالبان حياة جديدة في قوى التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط. وقال إنه لحماية مصالحها، تحرص الإمارات على إيجاد طرق للتأثير على طالبان ولا تنفر من استكشاف طرق خلق اتصالات مع الجماعة. 

وتضيف الواشنطن بوست الأمريكية: "بينما تمارس قطر نفوذها في كابول، سترغب الدوحة في تجنب استعداء السعودية والإمارات، الخصمين اللذين كانا مستاءين من السياسة الخارجية القطرية". 

وتختم الصحيفة أن التعزيز الأخير لمكانة قطر سيعيد الدولة الخليجية الصغيرة إلى الدور الذي شكلته لنفسها منذ أكثر من عقد من الزمان، إذ سعت إلى أن تصبح قوة هائلة قادرة على التوسط بين مجموعة من الدول والقوى، لكن ذلك سيخلق صعوبات للدوحة في التنقل بين طالبان وحلفائها الآخرين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard