"أبي أورثني ملامحه والطبنجة"... أفراح تشبه بروفة الحرب في صعيد مصر

الأحد 12 سبتمبر 202105:20 م

"منذ كنت في السابعة من عمري وأبي يأخذني معه إلى الأفراح في قريتي بمحافظة جنوب مصر، فأنا ولده الأول "البكري" بعد سنوات انتظار. كان يوقفني على إحدى الطاولات ويمسك بيدي "الطبنجة"، وهي نوع من المسدسات، ومن فوقها يده الكبيرة تضم كفي الصغيرة على السلاح الثقيل، ويضغط الزناد. لا أزال أشعر برعشة جسدي الصغير إثر انطلاق الرصاصة في الفضاء. لكني كنت أفرح وأنا أنظر إلى الأطفال في عمري، وهم يشاهدون ما أفعله ويحسدونني، ومتعتهم الوحيدة جمع الطلقات الفارغة من الأرض ليلعبوا بها كالصافرة... لا أزلت أسمع ضحكة أبي، وهو يحتضنني بعدها ويقول بفخر: راجل يا وليدي"، يحكي ميلاد أيوب (33 عاماً) من قرية البرشا بمحافظة المنيا جنوب مصر.

"الفرح بروفة حرب"

ورث ميلاد سلاح والده الناري، مثلما ورث ملامحه وهيئته، وحبه لضرب النار في الأفراح بقريته الصغيرة بمحافظة المنيا، ويقول لرصيف22، شارحاً خصوصية الثقافة الاجتماعية عند أهل الصعيد: "الفرح اللي مافيهوش نار يبقى فرح ناس غلابة، لكن في الصعيد الفرح التقيل يحسب بعدد الذبائح، وعدد الأسلحة فيه، والطلقات اللي طلعت من المدعوين، وهي واجب زي النقطة (مال يهدى إلى العريس في صباح التالي لليلة العرس) تمام، وفيه اللي يضرب طلقتين وفيه اللي يفرغ خزنة بحالها، ودي كمان بتبين حجم الشخص اللي جاي يجامل هو وضعه إيه في البلد، كله بيبان من ضرب النار، ومن نوع السلاح وعدد الطلقات، زي ما بتظهر نوع عربيته أو طبيعة شغله بالظبط".

"لا أزال أشعر برعشة جسدي الصغير (أيام الطفولة) والرصاصة تنطلق من طبنجتي التي أورثني إياها أبي في الفضاء، لكني كنت أفرح وأنا أنظر إلى الأطفال في عمري، وهم يشاهدون ما أفعله ويحسدونني"

ويشير "أبو أبانوب"، كما ينادونه في قريته، إلى أن هناك حالات يتم استغلال الأفراح فيها لتوصيل رسائل معينة للخصوم، إذا كانت هناك خلافات بين عائلتين ويتابع: "في الحالة دي الفرح ممكن يقلب بروفة حرب، والبلد كلها بتقف على رِجل، ويقولوا يارب استرها".

ضحايا طلقات النار

لا يكاد يمر شهر من دون أن أقرأ في موقع إخباري أو قناة محلية مصرية عن وقوع كارثة في أحد الأفراح المصرية تحول العرس إلى مآتم، كارثة أخرى جديدة يروح ضحيتها أبرياء لا ذنب لهم.

تتعدد الأسباب فيها لكن المأساة واحدة، فمرة طلق ناري لتحية العريسين يطيش، ويقتل أحد المدعوين عن طريق الخطأ قد يكون العريس نفسه، ومرات بسبب التهور في القيادة في مواكب الفرح، لينتج عنه حادث مروع، يزيد عدد الضحايا والمصابين فيه.

بالتأكيد لن يكون آخرها أحد أفراح المنيا، الشهر الماضي، الذي تحول إلى مآتم كبير بعد مصرع أربعة أشخاص وإصابة 23 آخرين، إثر انقلاب إحدى سيارات الموكب في الترعة (قناة مائية صغيرة متفرعة عن نهر النيل) بسبب التسابق بين السائقين، وقبلها قرأت عن وفاة عروسين في محافظة الشرقية للأسباب ذاتها.

الدكتورة سوسن الفايد، أستاذ علم النفس الاجتماعي والجنائي بالمركز القومي للبحوث المصرية، تدافع عما تعتبره مظاهر احتفال تعكس الخصوصية الثقافية لدى شرائح اجتماعية مصرية.

ترى الفايد أن مظاهر احتفالات المصريين في الأفراح والمناسبات ليست من مظاهر العنف، ولا يمكن اعتبارها كذلك، فهي تندرج تحت مشاكل "السلوك في التعبير بعشوائية"، وتقول لرصيف22: "الأمر لا يخرج عن كونه أحد أشكال استعراض القوة للتفاخر أمام الجموع الحاضرة، سواءً كان ذلك بإطلاق الأعيرة النارية أو الرقص بالأسلحة وشعلات النار، أو حتى القيادة المتهورة بالسيارات والدرجات النارية. إضافة إلى المجاملات في المناسبات بالصعيد، عن طريق إطلاق أكبر عدد من الأعيرة النارية، التي تعتبر عادة متوارثة ليس في الصعيد فقط، بل في أغلب الدول العربية، ويجب القضاء عليها".

وتشدد الفايد على أن عدم وجود ضوابط قانونية يجعل الأمور تخرج عن السيطرة في بعض الأحيان، وتنتج كوارث تقلب الفرح إلى مأساة.

وتشير إلى حب التفاخر الذي أصاب المصريين في كل الأمور، لا سيما في المناسبات التي ننتظرها للتفاخر واستعراض القوة، ولا تختلف طبقة اجتماعية عن أخرى إلا في أسلوب تعبيرها عن ذلك التفاخر، وتقول: "الأغنياء وأفراد الطبقة المتوسطة يتفاخرون بحجز القاعات الفاخرة بالفنادق الكبرى أو المراكب النيلية الشهيرة، ودعوة المطربين الكبار لإحياء أفراحهم، بينما الطبقات الشعبية تتفاخر بأمور أخرى، منها عدد الأسلحة في الفرح، والاستعراض الفردي للقوة بالطرق التي ذكرتها".

ومن ناحية أخرى، تحذر أستاذة علم النفس الاجتماعي من "خطورة كبيرة" في ذلك السلوك لدى المصريين، يحتاج إلى حملات توعية طويلة الأمد من الدولة والإعلام، وتوضح: "ما جدوى الاهتمام بالقضاء على العشوائيات كمناطق سكنية، بينما سلوك البعض يتسم بالعشوائية التامة ويضر بنفسه وبالأخرين؟ على الدولة كما اهتمت بالقضاء على العشوائيات، ونقل سكانها للمعيشة في مساكن آدمية، أن تهتم أيضاً بالتعليم والسلوك والثقافة، على الأقل في الأجيال الجديدة، جنباً إلى جنب مع مشاريع الدولة الكبرى لتحسين الطرق والبنية التحتية، يجب بناء الإنسان أيضا".

على النقيض من ميلاد، يرى شقيقه ماجد، مرشد سياحي، هذه العادة سيئة ويعتبرها تولد العنف في الأطفال ويجب محاربتها والقضاء عليها، ويقول لرصيف22: "ضرب النار في الأفراح والمناسبات متوارثة في الصعيد، وبعض الدول العربية أيضاً، ولا أعرف إن كانت بدأت كعمل استعراضي، مثل التحطيب والمبارزة بالسيف في الأفراح العربية القديمة، أم أن الصراعات القبلية في هذه المناطق هي ما جعلت بعض أفراد العائلات يضطرون لحماية أفراحهم من هجوم خصومهم أو الإغارة على أعراسهم، وتطورت مع الوقت لتصبح أحد مظاهر استعراض القوة".

تحية بالآلي

في عام 2019 انطلقت حملة إلكترونية لمنع إطلاق النار في الأفراح والمناسبات في مصر، إثر مقتل الطفل يوسف ذي الثلاثة عشر عاماً، نتيجة طلق ناري بالخطأ في أحد الأفراح بمدينة السادس من أكتوبر في الجيزة.

الحادث هز مشاعر مستخدمي ورواد السوشيال ميديا في مصر، فأطلقوا "هاشتاغ" بعنوان #لا_لضرب_النار_في_الأفراح ، فيما راحت السيدة مروة قناوي، والدة الطفل المكلومة تروّج للحملة بكل قوة، محاولة الحصول على حق ابنها ومحاكمة من قتلوه، بمساندة منظمات المجتمع المدني ومشاهير الإعلاميين والصحافيين، وأصبحت الحملة شغلها الشاغل اليوم، حتى يتم القضاء على هذه العادة الكارثية، وتغليظ العقوبات القانونية على مستخدمي الأسلحة النارية في المناسبات، لكن كأغلب القضايا التي تشتعل فور وقوع حادث وتخمد بعد فترة، لم يتم التصدي بشكل حقيقي لتلك الظاهرة، وسقط آخرون بعد الطفل يوسف بسبب نفس السلوك.

في نهاية عام 2019 أيضاً التفت الإعلام ورجال القانون لقضية استخدام الأسلحة النارية في المناسبات والأفراح، بعد انتشار مقطع فيديو للنائبة نوسيلة إسماعيل، عضو مجلس الشعب، وهي تقوم بإطلاق النار من سلاحها المرخص في خطبة ابنتها، مما أثار الرأي العام ضدها باعتبارها قدوة لأهل دائرتها ويجب عليها محاربة مثل تلك العادات.

تم توبيخ نوسيلة على ما قامت به ومهاجمتها، لا سيما مع دفاعها المستميت عما قامت به، من دون أن تعتذر، مطمئنة لكون "سلاحها مرخصاً".

وطالب الغاضبون بمحاسبة النائبة تحت قبة البرلمان، فيما شدد العديد على ضرورة تغليظ عقوبة استخدام الأسلحة النارية، فالقانون القديم لا يردع هؤلاء، إذ إن عقوبة من يقوم باستخدام سلاح مرخص في المناسبات لا تزيد على غرامة مئة جنيه فقط أو الحبس لمدة ستة أشهر.

أستاذ القانون والمحامي محمد حامد يشير إلى مطالبة عدد من رجال القانون ونواب البرلمان بتغليظ عقوبة استخدام الأسلحة النارية في الأفراح والمناسبات، وأن هناك مشروع قانون قدمه بعض النواب لتعديل القانون الحالي، لردع من يستخدمها.

"الأغنياء وأفراد الطبقة المتوسطة يتفاخرون بحجز القاعات الفاخرة بالفنادق الكبرى أو المراكب النيلية الشهيرة، ودعوة المطربين الكبار لإحياء أفراحهم، بينما الطبقات الشعبية تتفاخر بأمور أخرى، منها عدد الأسلحة في الفرح، والاستعراض الفردي للقوة"

يقول لرصيف22: "القانون الحالي يشجع على تلك العادة، بعقوبته الضعيفة، لكل من استخدم سلاحاً نارياً مرخصاً في المناسبات، مثل الأفراح أو الانتخابات وغيرها، دون الغرض الأساسي منه، وهو الدفاع عن النفس في أضيق الحدود. في عام 2017 خوّل القضاء مديريات الأمن ورجاله بإلغاء تراخيص أسلحة المواطنين الذين يستخدمونها في غير غرضها كاستعراض القوة أو المجاملة، وهو ما حدث مع أحد رجال الأعمال بالبحيرة والعضو السابق بالبرلمان المصري، وتم إلغاء تراخيص سلاحه لسوء استخدامه وتعريض حياة المواطنين للخطر".

وكان النائب الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس الشعب، تقدم عام 2019 بمشروع قانون جديد لتعديل بعض أحكام القانون رقم 394 لسنة 1954 الخاص بالأسلحة والذخائر، طالب فيه بتغليظ عقوبة استخدام الأسلحة أو المفرقعات في المناسبات، من دون إذن، لتصل إلى الحبس لمدة أقصاها عام، وغرامة مالية أكبر، مع حظر حيازة السلاح في المناسبات والأفراح، لكن حتى الآن لم يتم تعديل القانون القديم.

يدب الخلاف دائماً بين ماجد وشقيقه ميلاد في كل مرة يرى فيها شقيقه يصطحب ابنه الصغير "أبانوب" إلى الأفراح، ويجعله يمسك السلاح، ويقول: "لا أحب أن يورث شقيقي ابنه هذه العادة السيئة، وسأقنع الابن بهذا الرأي عندما يكبر، حتى يرفض ما يفعله أخي ووالده".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard