شطحات الخطاب الإسلاموي في العصر الحديث

الخميس 9 سبتمبر 202111:06 ص

تجدد النقاش في الآونة الأخيرة حول مفهوم الجهاد في الفكر الصوفي ، ففيما ذهب الكثيرون من السلفيين، للحكم بضلال الفكر الصوفي وبكونه مسؤولاً عن الترويج للخضوع والإذعان للعدو، فإن الصوفيين قد رفضوا ذلك، واستشهدوا بالعديد من الأحداث التاريخية التي رفع فيها المتصوفة رايات الجهاد والكفاح ضد الأعداء.

في هذا السياق، الحلقة الأخيرة التي نشرها اليوتيوبر المصري السلفي عبد الله الشريف -والذي يقترب عدد متابعيه على موقع اليوتيوب من الأربع ملايين- والتي سلط فيها الأضواء على الصوفية، أثارت جدلاً كبيراً ما بين مؤيد ومعارض، فحققت رواجاً كبيراً على صفحات الشبكة العنكبوتية، إذ بلغ مجموع مشاهداتها على موقع اليوتيوب وحده، ما يقترب من المليوني مشاهدة في أقل من أربعة أيام فحسب.

الشريف، وقع في خطأ كبير في هذه الحلقة عندما تحدث عن لقاء وقع بين القطب الصوفي عبد القادر الجيلاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، فقال حرفياً "شيخ الإسلام ابن تيمية كتب عن مقابلة جمعته مع إمام الصوفية عبد القادر الجيلاني، فلما حان موعد الصلاة، الجميع قام للصلاة إلا عبد القادر، فلما سأله ابن تيمية عن سبب عدم صلاته، ردّ عليه الجيلاني بأن الله عز وجل قد أتاه في المنام وأسقط عنه التكليف، واستدل الجيلاني بالآية القرآنية (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، بمعنى أنه لما بلغ درجة اليقين، فإن الله قد أسقط عنه تكاليف العبادة".

القراءة التحليلية المتأنية للرواية السابقة، من شأنها أن تقدم إضافة حقيقية لفهم الملامح العامة والسمات المميزة للخطاب الإسلاموي المعاصر، الأمر الذي يمكننا من تفنيد حججه ومزاعمه.

التاريخ والجغرافيا... اللقاء المستحيل

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل وقع اللقاء حقاً بين عبد القادر الجيلاني وتقي الدين بن تيمية؟

للإجابة على هذا السؤال، ينبغي الرجوع إلى ما ذكرتْه المصادر التاريخية عن الرجلين، للبحث في إمكانية وقوع اللقاء التاريخي بينهما. فيما يخص الجيلاني، فإن المصادر تؤكد على أنه قد ولد في عام 470هـ، في منطقة جيلان، والتي يوجد اختلاف حول مكانها وإذا كانت تقع على بحر قزوين في شمالي إيران، أو في العراق، في الجنوب من مدينة بغداد.

بحسب ما تتفق عليه الأغلبية الغالبة من المصادر، ومنها على سبيل المثال كتاب "سيَر أعلام النبلاء" لشمس الدين الذهبي المتوفى 748هـ، فالجيلاني لم يغادر العراق على الإطلاق، وأنه قد توفي ودفن في بغداد عام 561هـ، عن عمر ناهز الحادية والتسعين عاماً.

أما فيما يخص ابن تيمية، فالمشهور أنه قد ولد في عام 661ه، في مدينة حران الواقعة في جنوبي شرق تركيا الحالية، وأنه قد انتقل مع أسرته في 667ه إلى مدينة دمشق، بعدما تعرضت حران لهجوم من قِبل القوات المغولية.

أغلبية المصادر التي تناولت سيرة ابن تيمية، ومنها على سبيل المثال كتاب "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" لابن عبد الهادي المتوفى 774هJ، ذكرت أن ابن تيمية قد مكث معظم سنوات حياته في دمشق، وأنه لم يغادرها إلا لفترات قصيرة متقطعة، منها زيارته للحجاز لأداء فريضة الحج، وزياراته للقاهرة والإسكندرية والتي قام بها لاستنهاض همم سلاطين المماليك لقتال المغول، وأيضاً مصاحبته لبعض الحملات المملوكية على أهل كسروان في لبنان، هذا فضلاً عن بعض الأقوال التي تحدثت عن سفره إلى عكا للمشاركة في تحريرها من الغزو الصليبي.

من الملاحظات المهمة التي ينبغي الالتفات إليها أن ابن تيمية نفسه قد ذكر جملة من الكرامات المشهورة عن الجيلاني، وقد اعترف بها ولم ينكرها

ما يهمنا هنا، أن أياً من المصادر التاريخية لم تتحدث على الإطلاق عن سفر شيخ الإسلام إلى العراق، وهو أمر قد يبدو مفهوماً ومنطقياً في ظل خضوع العراق لسلطة المغول الإيليخانيين، والذين مثلوا -في ذلك الوقت- العدو الأكثر خطورة على الدولة المملوكية في مصر والشام، وهي الدولة التي اعترف ابن تيمية بشرعيتها وبكونها الدولة الأحق بالحكم في العالم الإسلامي السني.

من كل ما سبق، نستنتج أن اللقاء الذي تحدث عنه الشريف في الحلقة، هو لقاء مستحيل من الناحية التاريخية، وذلك لافتقاره لأبسط معايير المعقولية، وهما عاملا الزمان والمكان، إذ يفصل قرن كامل بين لحظة وفاة الجيلاني في 561هـ ولحظة ميلاد ابن تيمية في 661هـ، هذا فضلاً عن أن ابن تيمية لم يزر العراق على الإطلاق، في الوقت الذي لم يخرج فيه الجيلاني منها.

الجيلاني وابن تيمية... لماذا تم اختيار الرجلين لبطولة القصة؟

إذا تجاوزنا نقطة استحالة وقوع اللقاء بين الجيلاني وابن تيمية، فسيطل سؤال آخر يستفسر أصحابه عن السبب في استدعاء هذين الرجلين –الجيلاني وابن تيمية- تحديداً لبطولة تلك القصة المزعومة.

الإجابة على هذا السؤال تتطلب مناقشة الرؤية المذهبية الرائجة للرجلين في المِخيال الشعبي، ولا سيما المِخيال الصوفي والمِخيال السلفي على الترتيب. بحسب السردية الصوفية الرائجة، فإن الجيلاني كان قطباً صوفياً ربانياً كبيراً، وقد اشتهر بالكرامات والمعجزات التي شهد عليها القاصي والداني، أما فيما يخص ابن تيمية، فيقدمه المِخيال الإسلامي المتطرف باعتباره شيخ الإسلام، المجاهد، ومحارب البدع والصوفية، وأنه المدافع عن الخط الأرثوذكسي السني.

بناءً على تلك الصور المُتخيلة، هرع الشريف لتوظيف شخصيتي الجيلاني وابن تيمية في قصته، بحيث ظهر الأول في صورة "الدرويش المخبول"، فيما ظهر الثاني في صورة "العالم المفوه الباحث عن الحق"، وهي الصور التي أفادت الهدف الرئيس من الحلقة، والمتمثل في الهجوم على التصوف وإثبات ميله للخرافة والزندقة.

ولكن هل تتسق الصورتان المُتخيلتان مع المعلومات التاريخية المتواترة التي نعرفها عن الرجلين؟

بالنسبة لعبد القادر الجيلاني، فقد اتفقت المصادر السنية على تعظيمه وتوقيره، ومن ذلك ما ذكره الذهبي في "سيَر أعلام النبلاء" عن كون الجيلاني "إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح دين خير، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة...."، وما ذكره ابن كثير الدمشقي (المتوفى 774هـ) في كتابه "البداية والنهاية": "فيه زهد كبير، وله أحوال صالحة ومكاشفات... كان من سادات المشايخ الكبار، قدس الله روحه، ونور ضريحه".

الملاحظة الأهم هنا، أن الجيلاني كان ينتمي للمذهب الفقهي الحنبلي، وكان يفتي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى 241هـ). ليس ذلك فحسب، بل إنه كان أثرياً متعصباً فيما يخص المذهب العقائدي، إذ نقل عنه الذهبي قوله: "اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة"، الأمر الذي بان واتضح في الكثير من كتب الجيلاني، والتي صرح فيها باعتقاداته في مسائل التأويل، والعرش، والعلوّ، وغير ذلك من المسائل الجدلية بين المذاهب الإسلامية. على سبيل المثال، ينقل ابن القيم الجوزية المتوفى 751ه، في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية، قول الجيلاني "...والله تعالى بذاته على العرش... ووقف جماعة من منكري استواء الرب عز وجل على قوله: {الرحمن على العرش استوى} وابتدأوا بقوله استوى له ما في السموات وما في الأرض يريدون بذلك نفي الاستواء الذي وصف به نفسه وهذا خطأ منهم لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته... ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال أنه في السماء على العرش استوى قال الله تعالى الرحمن على العرش استوى... وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش ثم قال وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف....".

معنى ذلك أن الجيلاني لم يكن ذلك الصوفي المبتدع الذي أرادت الحلقة أن تصوره للمشاهدين، بل كان، في حقيقة الأمر، عالماً، فقيهاً، يتبنى نفس المعتقدات التي قال بها أئمة أهل السنة والجماعة على مرّ القرون. وليس المتصوفون جميعاً أشخاصاً يرتدون الصوف والخرَق الدارسة، ولا يفعلون سوى ترديد التراتيل والأذكار، كما يصفهم أصحاب الخطاب الإسلاموي السلفي. "التصوف" تحول على مدى القرون إلى مدرسة فكرية خلّفت تراثاً فلسفياً وأدبياً في العربية والفارسية نعرف من مشاهيرها ابن عربي، وصدر المتألهين الشيرازي، وابن الفارض وجلال الدين الرومي، وقد تعددت المذاهب الصوفية منذ قرون إلى يومنا هذا. ويذكر على سبيل المثال، لا الحصر، أن هناك جماعة صوفية تعيش اليوم في إيران باسم "كُنابادي" ينتمي إليها أساتذة أكاديميون ومفكرون.

المفاجأة الأكبر، أن ابن تيمية نفسه كان ممن شهد للجيلاني بالموثوقية والعلم والخيرية في أكثر من موضع من كتبه، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في "الفتاوى": "والشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع، والأمر والنهي، وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإرادة النفسية"، وقوله في موضع أخر: "والشَّيخُ عبد القادر كلامُه كلُّه يدور على اتِّباعِ المأْمور، وَتركِ المحظورِ وَالصَّبرِ على المقدورِ ولا يُثبت طريقاً تخالف ذلك....".

ليس المتصوفون جميعاً أشخاصاً يرتدون الصوف والخرَق الدارسة، ولا يفعلون سوى ترديد التراتيل والأذكار، كما يصفهم أصحاب الخطاب الإسلاموي السلفي. "التصوف" تحول على مدى القرون إلى مدرسة فكرية خلّفت تراثاً فلسفياً وأدبياً في العربية والفارسية

ومن الملاحظات المهمة التي ينبغي الالتفات إليها أن ابن تيمية نفسه قد ذكر جملة من الكرامات المشهورة عن الجيلاني، وقد اعترف بها ولم ينكرها، بل إن إحدى تلك الكرامات تخالف -حرفياً- القصة التي أوردها عبد الشريف في حلقته، وموجز تلك الكرامة بحسب ما ينقلها ابن تيمية في الفتاوى، أن الجيلاني كان ذات مرة مستغرقاً في العبادة، فرأى عرشاً عظيماً وعليه نور، وسمع صوتاً يقول: يا عبد القادر! أنا ربك، وقد حلَّلت لك ما حرّمت على غيرك. فسأل الجيلاني: أنت الله الذي لا إله إلا هو؟! اخسأ يا عدو الله!، فاختفى النور وحلّت محله الظلمة. وسمع الجيلاني الصوت يقول: "يا عبد القادر! نجوت مني بفقهك في دينك، وعلمك...، لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلاً". ولما سئل الجيلاني بعدها: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي: "حللت لك ما حرمت على غيرك"، وقد علمت أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ، ولا تُبدّل".

على الجهة المقابلة، إذا تناولنا شخصية ابن تيمية، فسنجد أن الصورة السلفية المُتخيلة له، والتي تنصبه محارباً عتيداً للصوفية، غير دقيقة إلى حد بعيد، فشيخ الإسلام صرح في أكثر من موضع من كتبه بتقديره شيوخ الصوفية ممن اتبعوا المنهج السني القويم، فقال في أحد المواضع: "وأمّا أئمة الصوفية مثلُ الجنيد بنِ محمّدٍ وَأتباعِه ومثلُ الشَّيخِ عبد القادر وأمثالهِ فهؤلاء من أعظمِ النّاس لزوماً للأمرِ والنّهي وتوصيةً بإتباع ذلك....". أيضاً من بين الأدلة التي تؤكد على اقتراب شيخ الإسلام من الدائرة الصوفية، ما ذكره يوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي (المتوفى 909هـ) في كتابه "بدء العلقة بلبس الخرقة" من أن ابن تيمية قد لبس الخرقة الصوفية على يد مجموعة من أتباع الطريقة القادرية، وأنه  قد دُفن في مقابر الصوفية بدمشق.

براغماتي، وتعبوي، ويأخذ بالصور الذهنية الشائعة... ملامح الخطاب الإسلاموي

القصة المكذوبة التي أوردها الشريف في الحلقة، بوسعها أن تلقي الضوء على الكثير من ملامح الخطاب الإسلاموي المعاصر، والذي ينتهجه الكثير من المنتمين إلى خط الإسلام السياسي.

أولى ملامح ذلك الخطاب، أنه خطاب ساخر، ينزع إلى التهكم، ويميل إلى الاستهزاء بالمعارض في أيّ فرصة ممكنة، دون أن يلقي بالاً لمعايير الموضوعية العلمية الواجب الالتزام بها، ومن ذلك السخرية والتهكم على روايات الكرامات المنسوبة لأولياء الصوفية، في الوقت الذي نجد فيه أن أصحاب هذا الخطاب يتناسون ويتغافلون عن الكثير من أخبار الخوارق المبثوثة في كتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من رجالات وأعلام أهل السنة والجماعة، ولا سيما تلك التي نُسبت لكبار الأعلام المُعتبرين في الذاكرة السنية الجمعية، من أمثال عمر بن الخطاب والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل، وأويس القرني الذي قال عنه النبي محمد: "خَير التَابعين رجلٌ يُقال لهُ: أُوَيسٌ".

الملمح الثاني المميز لهذا الخطاب، أنه خطاب تعبوي، مؤدلج، يعمل على استخدام الإسقاط السياسي كلما تسنى له، في سبيل خلق حالة من حالات التماهي بين الحاضر والماضي، الأمر الذي يتوافق مع مركزية السلف في المِخيال الإسلاموي، ويتماشى مع الشعار المُعلن "كل خيرٍ في إتباع مَن سَلَف، وكل شرٍّ في ابتداع مَن خَلَف".

أما الملمح الثالث، فيتمثل في كونه خطاباً دعائياً بامتياز، ففي حين يروج أتباع الخط الإسلاموي لتميز منهجهم بالدقة والحياد، وعلاقة ذلك بالخطوط العريضة لمناهج الجرح والتعديل المعول عليها عند قدامى المحدثين، فإن التجربة العملية قد أثبتت -بما لا يدع مجالاً للشك- أنه خطاب براغماتي بامتياز، وأنه يميل للأخذ بالروايات الضعيفة والمكذوبة بشرط أن تقدم له الدعم المطلوب.

أما الملمح الرابع من ملامح الخطاب الإسلاموي المعاصر، فيظهر في عمله على استدعاء الصور الذهنية النمطية الشائعة، دون محاولة تنقيحه من الشوائب والزيادات التي أضافتها إليه الرؤى والنظرات المذهبية على مرّ القرون. على سبيل المثال، ظهر ابن تيمية في القصة المكذوبة على كونه شيخاً ربانياً مقدساً، فيما ظهر الجيلاني على كونه صوفياً مخرفاً يجنح للزندقة والبدعة، وذلك دون أي اهتمام يُذكر بالتدقيق التاريخي لسيرة الرجلين، والظروف التي شكلت ملامح شخصيتهما في المُتخيل السني الجمعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard