دار الإفتاء المصرية... ترشيد الفتاوى خير من التباهي بغزارة الإنتاج

الخميس 8 أبريل 202106:23 م

أستريح إلى طيبة ملامح المفتي الدكتور شوقي علام. وعبر هذا الجسر، الطيبة، قرأت كتابه "دار الإفتاء المصرية... تاريخها ودورها الديني والمجتمعي". لم تشغلني شكليات لا أرى لها تفسيراً ولا تسويغاً، ولا تعظيماً لمكانة، مثل إضافة لقب "فضيلة" إلى "الدكتور".

يمكن أن تضاف الكلمة الأولى إلى الشيخ أو الإمام، فيصير "فضيلة الشيخ، فضيلة الإمام"، كما يضاف لفظ أستاذ إلى الدكتور، كما يظل الشيخ محمد عبده مستأثراً بلقبيْ "الأستاذ الإمام". ولكن غلاف الكتاب ازدحم بصورة المفتي، وعلى يمينه علم مصر، وعلى شماله ميزان العدالة، وبين اليمين والشمال مطرقة القاضي، وستة كتب قديمة، تعلو "فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام مفتي جمهورية مصر العربية".

ما يمكن اعتباره فصل الخطاب في هذا الكتاب أن المفتي يجوز له "أن يخرج عن مذهب إمامه ويفتي بمذهب إمام آخر، وذلك نظراً لتطورات العصور والمجتمعات واختلاف موازين المصالح والمفاسد باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال. فالجمود على رأي واحد ـ حتى ولو صار غيره هو الملائم للواقع ـ ليس من الفقه في شيء، ولذا فغالب الفقه مبناه الظنّ، كي تتعدّد الآراء والاجتهادات ويكون في الأمر سعة ومرونة ورحمة بالناس". وقد تأخر هذا القول في الكتاب، وجاء في صفحة 192، وتلاه في صفحة 200 قول متمّم عن تغيّر الفتوى، لأن "اختلاف الأحوال يقتضي بضرورة الحال تغيّراً في الفتاوى المتعلقة بتلك الأحوال".

الإفتاء هو بيان الأحكام الشرعية، وإنزالها على الواقع، مرهونة بفهم حال المستفتي، والسياق الزماني والمكاني المحيطيْن بالفتوى. وأتوقف أمام إشارات خاصة بدار الإفتاء المصرية منذ إنشائها عام 1895، وكان الإمام محمد عبده أول مفتٍ مستقل للدار، منذ تعيينه في 3 يونيو 1899، بمعنى أنه لم يجمع بين منصب الإفتاء ومنصب آخر في الأزهر. وفي ست سنوات أصدر 945 فتوى، في قضايا جادة.

وأما الكثير من الأسئلة التي تتلقاها حالياً دار الإفتاء، وتخصص لها مفتون في إدارات الفتوى المكتوبة، والفتوى الإلكترونية، والفتوى الهاتفية، فتدعو إلى الدهشة، والكثير منها لا يستحق عناء الإجابة، إلا بنصيحة السائل أن يستشير متخصصاً في الطب النفسي.

ما يمكن اعتباره فصل الخطاب في هذا الكتاب أن المفتي يجوز له "أن يخرج عن مذهب إمامه ويفتي بمذهب إمام آخر، وذلك نظراً لتطورات العصور والمجتمعات

أولى فتاوى الشيخ محمد عبده تعلّقت بقضية إعدام. في 7 يونيو 1899 أرسلت إليه محكمة الاستئناف الأهلية 75 ورقة تتضمن اتهام محمد علي حميد بقتل عبد الوارث السيد، عمداً مع سبق الإصرار. وفي أغلب الأحوال يكون رأي المفتي استشارياً، بتصديقه على أحكام الإعدام. وتحيل محاكم الجنايات إلى المفتي القضايا التي ترى بالإجماع إنزال عقوبة الإعدام بمقترفيها، ويتولى المفتي فحص القضية، مهتدياً بالقاعدة الفقهية: "لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، وفي مرحلة التكييف الشرعي والقانوني يستعين المفتي بهيئة مكونة من ثلاثة مستشارين من رؤساء محاكم الاستئناف، لدراسة ملف القضية، ويعرضون القضية على المفتي لإبداء الرأي النهائي.

وكانت المحكمة قد حددت جلسة 15 يونيو 1899 لإصدار الحكم. ولكن الإمام محمد عبده أجابها، بعد أربعة أيام، بأنه اطلع على قضية المتهم "فوجدنا عليه كثيراً من القرائن التي تدلّ على ارتكابه جريمة القتل، لكنها مع كثرتها لا تكفي الحكم عليه بعقوبة الإعدام، لأن اليقين لا يبلغ بها إلى الحدّ الذي يسوّغ الحكم بعقوبة لا يمكن تدارك الخطأ فيها لو ظهر بعد ذلك بسبب ما من الأسباب، خصوصاً ودلائل سبق الإصرار غير متوفرة، لجواز أن يكون خاطر الجناية ورد بذهن القاتل عند امتناع المقتول عن إعطائه النقود التي طلبها منه، ولا يسهل القطع بأنه كان عازماً على قتله عند الامتناع".

حفظ كبرياء الدار، وهيبة منصب المفتي، والثقة بيسر دين لا يستدعي تعقيداً كهنوتياً؛ هذا كله جعل الإمام محمد عبده يتمهل، ويكون حصاده 157 فتوى سنوياً. "شُغلٌ" ينجزه الآن في ساعة واحدة جيش من المفتين.

ففي 28 ديسمبر 2020 وثّق فيلم تسجيلي أذيع في مؤتمر لدار الإفتاء "نجاحات الدار" في إنتاج الفتاوى، لتصبح مليون و300 ألف فتوى، "بزيادة تقدّر بمئتي ألف فتوى عن العام الماضي". وبهذا يبلغ نصيب اليوم الواحد 3600 فتوى، بمعدل 150 فتوى في الساعة، وأكثر من خمس فتاوى كل دقيقتين لفريق يضخّ الفتاوى بالتناوب، طوال 24 ساعة. رقم يهمّ متخصصين في علوم النفس والاجتماع لتقصّي أسبابه غير الدينية.

لم يكن الإمام محمد عبده وحده الذي يهاب الفتوى. بعده تولى الشيخ عبد القادر الرافعي، ولم يجد في نفسه ميلاً إلى قبول المنصب، وخرج من لقاء الخديو عباس حلمي، "وهو يتمتم ويدعو الله ألا يتمّ له هذا الأمر". وتوفي بعد ثلاثة أيام "لم يُصدر فيها أية فتاوى".

وتلاه الشيخ بكر الصِّدْفي الذي أصدر في تسع سنوات 1180 فتوى، أشهرها عدم جواز تطبيق القصاص على إبراهيم الورداني الذي اغتال رئيس الوزراء بطرس غالي عام 1910 لموته "أثناء الجراحة التي أجريت له لإخراج الرصاصة، ولم تحسم التقارير الطبية ما إذا كان سبب الوفاة هو ضرب الرصاص من الورداني أم من العملية الجراحية".

كتاب الدكتور شوقي علام مادة تفيد المتخصصين في علم الاجتماع السياسي والتحليل النفسي، لبحث ارتباط إقبال الناس على الاستفتاء بمنسوب الأمل العمومي، ولعل المقارنات تعطي دلالة على ذلك. في عشر سنوات بداية من عام 1960، أصدر الشيخ أحمد عبد العال هريدي 8983 فتوى.

حفظ كبرياء الدار، وهيبة منصب المفتي، والثقة بيسر دين لا يستدعي تعقيداً كهنوتياً؛ هذا كلّه جعل الإمام محمد عبده يتمهل، ويكون حصاده 157 فتوى سنوياً؛ "شُغلٌ" ينجزه الآن في ساعة واحدة جيش من المفتين

تلاه الشيخ محمد خاطر برصيد 2872 في ثماني سنوات، أقل من فتوى واحدة يومياً. وهو تقريباً المعدل الذي تركه خلفه الشيخ جاد الحق علي جاد الحق الذي أصدر 1282 فتوى في ثلاث سنين وأربعة أشهر. ثمّ ارتفع معدل الفتاوى مع الشيخ نصر فريد واصل الذي تولى في نوفمبر 1996 وأصدر في خمس سنين وأربعة أشهر 7378 فتوى.

لكن الكتاب، خطاباً وفلسفة، ذو طابع سلفي يُخرجنا من سياق خارج العصر، وتمنيت ألا يعتمد مصطلحات موروثة أنهتها الحداثة والمواطنة والدولة المدنية، ولا مجال فيها لمفهوم "ولي الأمر"، المسلم بالضرورة، وفي واقعنا "يتحدد اجتهاد ولي الأمر في تشريع القوانين وتنفيذ الأحكام الشرعية. والشورى في الواقع الحالي تُعدّ من أهمّ الأمور التي تجعل الحاكم أو ولي الأمر قادراً على الاجتهاد".

يأتي دور المجامع الفقهية والمؤسسات الدينية التي لها أهمية كبيرة أو اتصال بوليّ الأمر، وهي التي يعتمد ويعوّل عليها من أجل إدراك الأحكام الشرعية، ويستطيع من خلالها تقنين تلك الأحكام. ويستشهد بتأكيد ابن القيم على أن الحكّام داخلون تحت "ولاية العلماء".

باستثناء الدرجة لا النوع، ما مدى اختلاف هذه المرجعية عن ولاية الملالي ووصايتهم على الحكم في إيران الخمينية؟ فالرئيس المختار محكوم بولاية الإمام، ولا شورى مع الإمام. ويقول المفتي إن العلماء والمفتين "لا يكفّرون الحاكم، بل يرون السمع والطاعة في المعروف. أهل العلم والصلاح من مفتين وغيرهم يقررون أن الحاكم لا يجوز الخروج عليه، بل الواجب هو السمع والطاعة في غير معصية".

خطاب، كما نرى، سلفيّ ينقل نصوصاً من كتب اصفرّت أوراقها إلى كتاب أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب نهاية عام 2020، في 292 صفحة، ضمن سلسلة موسوعة الثقافة القانونية، مفارقة. فأمام القانون يتساوى الجميع، ويُجرّم السؤال عن دين "المواطن".

يستشهد الكتاب بتأكيد ابن القيم على أن الحكّام داخلون تحت "ولاية العلماء"

خطاب المفتي يكرّس ثنائيات الحلال والحرام في علاقة الحاكم بالشعب. والصواب خضوعها لثنائية أخرى هي الصواب والخطأ. والمعصية التي يذكرها الشيخ كأنها تتعلق بمنع الحاكم للناس عن أداء العبادات. الدولة الحديثة بلا دين، وليس لها دور في القضايا الدينية إلا احترام ديانات الشعب، وعدم المساس بحقوقه في أداء الشعائر، والوقوف على مسافة واحدة من أصحاب الديانات كافة، وحماية خياراتهم بما فيها حقوقهم في الإلحاد أو الردّة، ومنع أي فئة من الجور على أخرى، بحجة الخروج على الملة، وإنهاء اضطهاد "أهل الذمة" واستباحة تهجيرهم من ديارهم، كما جرى ويجري في مصر، ولم تنقذهم فتوى تنصح "ولي الأمر" بالالتزام بدستور أساسه المواطنة.

هذا جانب من تاريخ فقه غير ملزم. ما شأن "المواطن" بحديث مسلم في كتاب الإمارة، باب الأمر لزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر؟ وصية النبي لحذيفة بن اليمان: "تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمعْ وأطع".

ويعلق الدكتور شوقي علام على هذا النهج الإخواني قائلاً: "هذا الحديث من أبلغ الأحاديث التي جاءت في هذا الباب؛ إذ قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأئمة بأنهم لا يهتدون بهديه، ولا يستنون بسنّته... ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم حتى لو بلغ الأمر إلى ضرب الظهر وأخذ المال". فلنترحم على أبي ذرّ الغفاري!

ييسر الكتاب على المسلم المعاصر، ويرفض الجمود على الموروث، "مَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب بمختلف الأزمنة والأمكنة والأحوال فقد ضلّ وأضلّ"، ويعتبر "الفتوى صناعة أوسع وأشمل من الفقه".

وأما مفاهيم وليّ الأمر، والأمير، والسمع والطاعة، فليتنا ننظر إليها بحنين يتذكر به البعض إلغاء المحاكم الشرعية، في يناير 1956. وآلت إلى دار الإفتاء اختصاصات رئيس المحكمة العليا الشرعية ومنها "إشهاد خروج المحمل بكسوة الكعبة الشريفة وبكسوة مقام الرّسول صلى الله عليه وسلم، وبمقدار المبلغ النقدي المهدى من الأوقاف إلى فقراء الحرمين الشريفين (الصُّرَّة)". وكان آخر خروج للمحمل في مايو 1962، وبسبب الخلافات السياسية امتنعت المملكة عن التصريح باستقبال الكسوة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard